بهاء المري - رواية (الأم) لمكسيم جوركي

ليست رواية الأم (1906) مجرد عمل روائي عابر، بل ‏وثيقة إنسانية وفكرية صاغها مكسيم جوركي بمداد من الوجع ‏والأمل، ليؤسس بها نمطًا جديدًا من الأدب، يُعرَف بالأدب ‏الواقعي. وفي هذا النص البديع، تتجاوز الرواية سرد حكاية فردية ‏لتكون بمثابة سردية شاملة لصراع الطبقات، ولميلاد الوعي الثوري ‏من رحم المعاناة.‏
‏ (الأم) بطلة الرواية، لم تكن أكثر من امرأة مسحوقة، ‏خائفة، تقضي أيامها بين جدران بيت فقير تحت وطأة زوج قاسٍ ‏وابن غامض الانشغال. غير أن جوركي لم يُرد لها أن تَبقى هامشية؛ ‏بل جعل منها قلب الرواية وضميرها، المرأة التي لا تقرأ الكتب ‏ولكنها تفهم الحقيقة حين تراها في عيون المظلومين. ‏
يتطور وعيها في صمت، وتنقلب من أم خائفة إلى أم ثائرة، ‏لا تدفع ابنها "بافل" إلى الثورة فقط، بل تواصل مسيرته حين ‏يُعتقل، وتحمل المنشورات بنفسها، وتخاطب الجماهير بصوتٍ ‏مرتجف لكنه صادق. إنها، في هذا التحوّل، تمثل المرأة الشعبية التي ‏تصبح رمزًا للبطولة الوطنية والاجتماعية.‏
الرواية، لا تسرد ثورةً مسلّحة، بل ثورة داخلية تبدأ في ‏وعي الأم وتتحوّل إلى موقف، ثم إلى فعل، ثم إلى تَضحِية. هكذا، ‏لا تعود الأم مجرد امرأة، بل تغدو رمزًا للأم الكبرى: أمّ الأرض، ‏وأمّ الوطن، وأمّ الجماهير.

وجدت (الأم) صدى واسعًا في العالم العربي، خاصة في ‏منتصف القرن العشرين، واستلهمها كتَّاب كُثر، منهم عبد الرحمن ‏الشرقاوي في الأرض، ويوسف إدريس في أرخص ليالي، وغسان ‏كنفاني في رجال في الشمس. ‏
إن رواية الأم لجوركي ليست فقط عملاً فنيًا، بل تجربة ‏فكرية وإنسانية شاملة. وقدّمت نموذجًا مغايرًا للمرأة في الأدب؛ ‏المرأة التي لا تتقوقع خلف الخوف، بل تتقدّم الصفوف حين ‏تشتعل الفكرة في قلبها. ‏


مراجع:‏
ـــــــــــــــ
‏- جوركي، مكسيم: "الأم" ترجمة: سامي الدروبي. دار التقدم، ‏موسكو.‏
‏- جابر عصفور: "زمن الرواية. الهيئة المصرية العامة للكتاب، ‏‏1999.‏
‏- عبد الرحمن الشرقاوي: الأدب والثورة. دار الشروق، 1975.‏

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى