فريدِريك سابورو – الزيوت*... النقل عن الفرنسية مع التقديم: إبراهيم محمود

1758266278454.png
فريدريك سابورو


تقديم المترجم: أتحدث عن مأهول بالألوان. وعندما أصوغ عبارة كهذه، فإن المأتي على ذكره في الحال، هو الدور " مجهول الاسم " الذي تمارسه الألوان داخلنا وتعلِمنا به، وتنتشر في فضاء يحوطنا ولا يحاط به. فنحن مكونات لونية مختلفة، إن أردنا الدقة. والألوان لم تكن يوماً، مجرد المواد التي أبصرناها في معدوديتها حسابياً، وتناميها كماً وكيفاً، جهة خاصية الهجنة " التركيب " وكل إضافة إليها، جرّاء المزج، والبُعد الكيماوي لذلك، وطرق تجاذباتها الفيزيائية، وعلّتها، ونحن نتفاعل معها، وهي من جهتها لا تكف عن تلوين مشاعرنا، عن إيقاظ ما لم يوقظ فينا بعد، عن ممارسة إيحائية، في سلسلة نسَب من القوى والتصورات والقدرات، والحوارات الصامتة، إنما العميقة، وهي بينية، تعزيزاً لما لا يُذاع له سر، كما هو متداول كثيراً. لنكون المكتشف اللوني كثيراً، مكتشَفنا بنا وفينا، فنح كثرٌ، بالنسبة للفرد الواحد، نحن جمْع أرخبيلي، برمودي، أطلسي، إقليمي، كوكبي، وإن لم نع هذه اللقطة الكونية الفريدة، والمتمحورة داخلنا مذ كنا، وما بقينا أحياء.
ولهذا، كان هذا التقديم، اليسير والوفير جهة الدلالة، لعلَم لوني، علَم متمرس بما هو لوني، وهو موهوب اللون، الشغوف بصداح اللون، بصخبه، بتردد صداه الموغل في العمق، والسافر، على طريقته، في لحظة معينة، تعبيراً عن نزوعه الإمبراطوري المكلل بالقوة البصرية التي تتقاسمنا عضوياً، وليس من بقعة أو رقعة، ليس من أثر يُسمى طبيعياً، إلا وله فيه ما يشي ببدعته، لمن يعي هذا النزوع، هذا الامتياز الذي لا يفوَّض من أحد، ولا يقوَّض من أحد، لأنه الشاهد القائم دون غياب على علامة فارقة يعنينا أمره، في أبدية تنيرنا من داخلنا.
فريدريك سابورو الأكاديمي، الفنان، الباحث الميداني، والمخرج السينمائي الفرنسي، هو، وربما ها هو كما تابعته في نصوص لا تخفي مأثرتها اللونية، ومن خلال المأثور التعبيري، وكيف يسنَد استبرقاً وسندساً وحمولة بصرية تطرب لها الذاكرة، وتمضي بالمأهول بها، وهو موقّع عقد عمر ضمناً، إلى ذاكرة من نوع آخر، غدية، ضمان حب يرتقي به، وما الحب هنا إلا قابلية الامتلاء اليومي بما يمنحنا معنىً.
سابورو في جملة من لوحاته، في شرفة مكاشفة مفتوحة لها حسابها الزمني النفسي الخاص تحديداً، ينبض بما هو بصري، حيث الألوان تلقي بذؤاباتها الصبابات، في سخونة وبرودة واعتدال، كما هو المفهوم التعددي، التنوعي، الإيثاري الملهِم والمسهِم في إعلامنا بما يُعلَم بأمره بعد.. ألوان تتباين في بنيانها اللمس، الرؤيوي عتمة وشفافية، تقارباً أو تباعداً، استقامة سرعان ما تنحني تحت ليس وطأة رغبة تتوق إلى رؤية ذاتية لها، إنما تقول " كلمتها " البصرية بحساب مبدعها، تتكسر، تسلك ممرات في روح متخيلها، تغيب في سواها، في روحها الخاصة، لوناً لا يبقى كما هو، ترجمان حالات وأذواق مما هو فردي، وما ليس فردياً.

وكما هي هذه اللوحات.
وعندما أفرد مساحة ورقية: انترنتية لها، وأقدّم لها، لأنني ببساطة عشتها حين تفاعلت معها فور رؤيتي لها، كما لو أنها كانت داخلي ليشتعل داخلي بي، ويشعلني كما يشغلني بنعمائها، في حوار ، ما أبهجه من حوار أكثر مما هو اثنيني، لا حاجة إلى ترجمة، شأن نص مكتوب بلغة مغايرة. العين بقدراتها التي تتجاوز حدقتها الإبصارية، تقود هذه " المهمة " وهي تبسط سرديات المنتظَر، أو المرتقب على دفعات، أو أحياناً، على شكل قلِب لكل حالة، جرّاء وضع تراكمي للمشاعر التي تتمرأى في الحراك اللوني، وما للحراك من أثريات ذائقة.
ثمة " الزيوت " كما هو العنوان. الزيت سلف " لوني " صالح، له وفيه ما يظهر به، وما يخفى عليه، وهو يخفق بديمومة خاصة به، كما هو المرئي على نسيج ما، حين تتشربه مساماته، ليخفي كل ما عداه، ولن يبقى سواه، كما هو الفائض بلونه المطواع، اليقظ، المتنبه، على قدْر المعطى الجذبي في الريشة، أو الأداة المنتقاة تجاوباً مع دقة الزيت، والمجتبى منه، لنكون إزاء الوعود به: تكوينات عوالم، تكوينا جغرافيات تتجاورنا، وتتجاوزنا، وتحثنا على كيفية الارتحال إليه عميقاً، كما أيقظتنا عميقاً لنلتقي بنا، ولا نكون كما كنا من قبل.
لهذا، أتوقف هنا، وأقدّم تجليات معان، تتخلل جملة اللوحات هنا، وتفرداتها، وتالياً بوح سابورو اللوني، فيض سر كافأه على بدعته ذات الحدود، المقامات، الاستشراقات الزيتية الإقامة، وهو يمضي بنفسه المعلومة، إلى تلك المكوّنة له والمكوَّنة به في كليته، وأنا أمضي معه به، إلى حيث لا أكون أنا كما كنت بداية معتبرة، وفي نهاية مفتوحة، ليكون للقارىء البصري مثل هذا الحضور، السفور والتجلي الزيتي توقيعاً وترصيعاً!
الدور المعطى مفرداً للوحات بداية اعترافاً بسلطانها الحميم، وسلطتها الرشيدة، لتكون اللغة تالية عليها، اعترافاً بحقيقة المودَع جمالياً، والمعزَّز في الصميم عبْر الرصيد المقدَّم لونياً، لأن اللغة لا قيامة لها دونه بامتياز.

1758266420807.png
بدون عنوان، زيت على قماش (54×73 سم)، 2025


1758266467736.png
عيوب وحبر وباستيل على ورق (78×78 سم)، 2025

1758266534107.png
صلاة، حبر على ورق (30×40 سم)، 2025


1758266598480.png
ليلة حرب، حبر على ورق (40×60 سم)، 2025

1758266655024.png
زين هيل، حبر على ورق (65×97 سم)، 2024

1758266704516.png
بعد الحريق، حبر على ورق 65×97 سم (2025)

1758266765336.png
بلاد الباسك، حبر على ورق (59×80 سم)، 2025

1758266819054.png
الفن الياباني، حبر على ورق (59×80 سم)، 2025


1758266872232.png
منظر طبيعي مع جبل، حبر على ورق (59×80 سم)، 2025


1758267678450.png

جزيئات دقيقة، حبر على ورق (40×60 سم)، 2025

1758267003892.png

السفينة، حبر على ورق (40×60 سم)، 2025


1758267052381.png

أطياف، حبر على ورق (40×60 سم)، 2025


1758267098127.png

يا غضب، يا يأس، حبر على ورق (40×60 سم)، 2025

1758267145063.png

مطبوعات، زيت على قماش (70×70 سم)، بيعت عام 2023

1758267180542.png

النار والدم، زيت على قماش (80×80 سم)، 2023

1758267216511.png

أزرق، زيت على قماش (40×40 سم)، 2023

1758267260973.png

فوف، زيت على قماش (40×40 سم)، 2023

1758267300623.png

الشفق، حبر وزيت على ورق (65×97 سم)، بيعت عام 2024

1758267345826.png

وردة ١، باستيل على ورق (٢٠×٣٠ سم)، ٢٠١٤

1758267379604.png



1758267411142.png

الوجه والظهر، حبر على ورق (2013) بيعت

1758267449413.png

بدون عنوان، زيت على قماش (40×40 سم)، 2023

1758267493557.png

رجل يمشي، زيت على ورق 21×15 سم، 2018


٢- كامينو

كان الرسم يخيفني، ويجذبني. كانت كلمة "فنان" مستحيلة. علبة الألوان، الفُرَش، الحامل، كل الأدوات، لا. ليس لي. تدفق تاريخ الفن بأكمله من حاوية قمامة ضخمة وابتلعني (ناهيك عن سخافته). لكن الإيماءة، اللمسة، اللمسة بكل ما فيها من براءة طفولية، ساعات قضيتها في أحلام اليقظة وأنا جالس متربعًا، أتأمل ظلال السقف - نعم، أنا هنا. ألغاز الأشكال والألوان التي تتكشف أحيانًا دون علمي، مولدةً أشكالًا أظن أنني أعرفها، وأنا أول من يشاهدها، تثير المشاعر، وتولد صدىً محتملًا لإدراكي للعالم، للواقع - إنها تُخاطبني. لذلك بدأت أرسم وألوّن بأصابعي، بل بأصابع اليد اليسرى للأعسر المُحبط، سعيدًا باكتشاف أن تمريرة مصارعة الثيران التي تُؤدَّى بتلك اليد نفسها تُسمى "الطبيعية". أُسمّيه "باتوييه"، جالسًا أو راكعًا على الأرض، مع ألوان الباستيل الجافة التي أُبلّلها قليلًا، والورق الذي أفركه مُخاطرًا بثقبه، وأصابعي التي تمتصّ الأصباغ، والألوان التي تنزف، والألياف التي تمتصّ الرطوبة، وأظافري التي تخدش. ثمّ جاء الحبر،والبقع، والنبضات، والامتصاص، ثمّ، بخجلٍ وخوف، الزيت. أولًا على الورق، ثمّ على القماش. المادة، والمزيج، والنحت البارز، والاحتكاك. ثمّ، ذهابًا وإيابًا بين الاثنين، بعقيدة الجهل، في بداية كلّ عمل، إلى أين سيقود. دعه ينبثق، يُرشدني، يرتاح، ويوجد. وفكّر في لحظةٍ ما أنّه قد تمّ إيجاد توازن، مهما كان هشًّا. حان وقت التوقف. بعد أكثر من عشرين عامًا من ممارسة الرسم (بالزيت، الباستيل، الحبر)، والتي مارستها طويلًا إلى جانب أنشطة أخرى أقدم تخليت عنها تدريجيًا (السينما، التصوير الفوتوغرافي، النقد، المقالات، التدريس العملي والنظري للسينما) وأخرى لا تزال مستمرة ولكنها في تراجع واضح (الكتابة)، أرى طريقًا متعرجًا، ويقودني لفترة من الوقت إلى مكان لا أعرفه، لن أصل إليه أبدًا، غير موجود. مهما يكن، ما يحملني هو الرحلة، شعور اتخاذ خطوة، ليس بالمعنى الرمزي الثقيل للارتقاء، بل كحجر يتبع آخر، الحجر الذي هبطت عليه قدمك، لعبور السيل بفرح محاولًا ألا تبتل حذائك. العمل مع المادة، والسعي لجعل الألوان متنافرة، والاهتمام بالانتقالات، والاحتكاك، واستكشاف المناطق بين الشكل واللاشكلية، وإطلاق العنان للإيماءة، واللعب، وأحيانًا العثور، هذا هو المكان الذي يأخذني إليه الرسم.
للوصول إلى هناك، كان عليّ أن أتحرر: من التقنية، من آنية التمثيل (التصوير الفوتوغرافي والسينما)، من آنية النشر، التي عززها تطور التكنولوجيا الرقمية. من إبداع العالم الذي لا يُقهر ولا يشبع. أن أتحرر من الاعتماد على المجموعات، على التمويل، على الآلات. أن أتحرر من السرديات المُبالغ في بنائها، والهياكل، والأفكار الواثقة، وحتى لو غنت أحيانًا، أن أتحرر من الكلمات. أن أتحرر من الزخارف، من التشابه الظاهري، وأن أسمح لنفسي بأن أُحمل نحو المجهول.
أعود إلى الإيماءة القديمة، ساعيًا إلى الحد من كل ما يفصل هذه الإيماءة عن تأثيرها. أتجاهل، بل وأُحارب، العودة الخفية للتقنية، و"المعرفة العملية"، والإتقان. مجرد مادة، لون، دعامة، يربط بينها سكين، إصبع، فرشاة رسم لوقت نفس، عمل عشوائي. أن أرى شكلاً ينبثق، يجب أن يبقى شبه بلا شكل، شكلاً لم يعد ملكي، بل يُخاطبني، يُغني لي، أن أترك لمن يُراقبني، حين يستطيع، حين يرتجف، حين يلتوي، حين يُناديه، حين يجذبه، مساحةً وزماناً للمضي قدماً.
وهكذا، لألتقي بفريدريك سابورو.

Frédéric Sabouraud - huiles

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى