حسَن الرّحيبي - زَمن الفَاكتُور والرّسَائل الجَميلة

اللّه يَا حَمدُون
لاَ بريّة لاَ تيليفون
أو
شي عوينات كانوا
. ݣاع ما بانُوا..
أو مَرسُول الحبّ فين مشيتِ ؟
وفين غبتِ علينا ؟
. خايف لاَ تكون نسيتينا
وهجرتينا وحَالف ما تعود..
ما دَام الحب بينا مفقود
وانت من نبعه سقيتينا

تعالىٰ تعالىٰ يا مرسُول ..
اشتقنا لك يا مرسُول ..
أو
خويَا الفاكتور شحَال يعرف يدور
يجي لباب داري
. ويدير برَاسو ما قاري
قميجتو مزوّقة بالبَاكور..
لا شك كان لانتظار سَاعي البريد في الخمسينات والسّتينات نكهة خاصّة بالنسبة للعشاق والمحبين.. وطقوساً وشعائر تتميّز بشوقها وأسرَارها وبشائرها ، ونبضَات قلوب وخفقانها وأحاسيسها الرّائعَة ..قبل ظهور وسائل التواصل الحالية ، وتطبيقات الميسنجر والواتساب والاتصالات الهاتفية والرسائل الهاتفية القصيرة والجاهزة المختصرة ، والتيك طوك .. وغيرها.. قبل ذلك بزمن بعيد كان التلاميذ يبحثون عن أرقى الأساليب وأجملها ، لبعثها لمن يعتقدوهن حبايب التقوهن بسرعة خاطفة بحافلة كوبّاطا الخضراء ، أو بشاطيء الوَليدية السّاحر والجميل ، أو كارّ الشركة ، أو ببعض دروب الدوار المتعرجة والمتربة أثناء العودة من حصَائد امّو دنان أو بيادر ݣيع بنسَالم بعد تقشبيل أو دَݣّان الذّرَة .. بملابس ممزقة وشعر مغبّر منفوش.. مما يقتضي البحث عن صَديق يمتلك كتاب الرسائل العصرية ، الوارد من بيروت ، اقتناه من ݣيطون البريّق بسوق اثنين الغربية ، وأصبح وسيلة لكل مراهق أخذته خفقة أو شَهݣة حب ، واشتغل بالتفكير السّاذج بإحدى بنات المدينة زارت الدوار خلال عطلة الربيع الزّاهي آنذاك بربُوع مرامَد الصّديݣات.. يتداوله الأطفال ويتبادلون اقتراضه من خيمة لخيمة ، ومن يد ليد حتى بدت أوراقه منكمشةً ومتسخة وفي حالة"لا يرثى لها" حسَب تعبير العامة.. رغم الفقر المدقع آنذاك ، والعثور على رسائل خرجت مع التّشطيبة توّاً لبدّوزة مازير أو المَرمدة.. لا تتجاوز سِطرين :
أبي الحنون أمي الحنونة أسلم عليكم جميعاً وعلى كل إخوتي ، كل واحد باسمه .. ولا يخصّني سوىٰ النظر في وجهكم العزيز..
وبعد : لا بد ما ترسلوا لي شيئاً من النقود والدقيق مع بّارك العطّار.. رَا الحالة حالة اللّه ! وانا رَاني كيجاب الله.. والسّلاَم ..قيلة تصيبني قيلة مَا تصيبنيش ..
ابنكم العزيز..
واوليدي فيق من الݣلبَة !
إنت فين والحب فين ؟
بالنسبة لي وفضلاً عن رَسائل لا يخصّني سوىٰ النظر في وجهكم العزيز.. وأسلم على إخوتي كل واحد باسمه الموحدة والمعممة بين الجميع standadisées .. كان أبي دخل في قضية شرعية تتعلق بمحكمة القليْمية بدرب السّلطان بالدّار البيضَاء.. فأخذ يبعث الرسائل إلى محامي يسمى التهامي الوزاني سنة 1959 ..نحمل الرسالة يوم الأحد صباحاً وننتظر الفاكتور المَرحوم المصطفىٰ وهو يسوق سيارة دجيب jeep خضراء بغطاء باش أو قلع باهت وقديم فقد بريقه ولونه الأصلي بسبب حرارة أشعة الشمس وأمطار وعوادي كل الفصُول ، لاَ شك كانت من مخلفات مساعدات الرئيس الأمريكي أيزنهاور للمغفور له محمد الخامس أواخر الخمسينات ، إلى جانب دݣيݣ البون والزيت الكخكاخي ودݣيݣ النّاݣة ، وتراكتورَات السّلسة التي كان يسوقها المرحومَان ابّيه من اولاد بوعشة والمنَعنع من الطالوع..
نقف بجانب الشّانطي بعد عودته من زاوية بنيفّو ، وقد اشتدت أمطار الشتاء ، وأصبحت « خيط من السّما » ، ونحن نخفي الرسَالة العجيبة ما بين لحم أجسَادنا النحيفة والثياب الهزيلة المهترئة ، لما تقترب سيارة الدّجيب الخضراء نستلّ الرسالة بلطف ونوجهها نحو المصطفىٰ مول البوسطة ، مع جوج ريالاَت صَفراء من أجل التنبر ، يأخذها وينصرف.. ذات يوم أحد من بداية الستينات أخذ الرسَالة وقال لنا في المرة القادمة جيبوا ثلاثادريال.. شاب في مقتبل العمر أسمر اللون ممتليء الجسم ، مات عام 77 بخميس الزمامرة ، بعد عودته من الحمّام ، وشربه لقرعة كوكاكولاَ كازّة ݣبالة ، تاركاً ݣاعته ونوادره ..كان بمنتهىٰ الدّماثة واللطف واللباقة..
لن أنسىٰ أبداً رسالة من الدار البيضاء كتبها عمي ݣيران ابن أحد المقرّبين ، فهمنا منها ما يلي :
لا بدّ ما تلقىٰ كابطان !
أوّلتها امّي حليمة :
إلى بْطَا يجي نهار الحَدّ !
لم يعرف أحدٌ منا كيف فهمت ذلك ، لكن لما أتى الرجل لاَمَنا جميعاً :
علاش ما تلݣّيتوش لكبّاطة نهار الحدّ ، صَايفطت ليكم مع برودو شي برَكة تعاونوا بها على مَصاريف المحكمة !
ولما تشاجر أبناء المدينة عندنا في الخيمة ، وقمشت الطفلة ابن خالتها فكتب لأبيه رسالة مستعجلة يتصدرها القول :
إنّي قمِشتِني !
هكذا كانت رسائل الحب بيننا في زمن السذاجة والعفوية والبؤس الشديد.. لأبناء باب الله ، وخبز ربي في طبݣو.. والبساطة الزائدة على اللزوم..
حسَن الرّحيبي..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى