محبي الدين سراج - قراءة لقصيدة (وأترك ما بداخلي لداخلي) للأديب - مصْطَفَى الحَاج حسَيْن

قراءة:
((محي الدين سراج))..
في فضاء قصيدة النثر العربي المعاصر، تبدو تجارب الذات الممزقة، الصاخبة، أو المتأملة، من أهم الاتجاهات التي تعكس تحولات الحياة السياسية، الاجتماعية، والوجدانية. قصيدة «وَاتْرُك ما بداخلي لداخلي» للشاعر مُصطفى الحاج حسين تشدّ الانتباه، ليس فقط لكونها إحدى بداياته الشعريّة، بل لأنها تمضي، بروح حداثية ناضجة، نحو اختيار الذات على التحميل، نحو الاعتراف قبل الهروب. القصيدة هي فعل خطابيّ متمرد، ترى أن بعض الأشياء يجب أن تُحتفظ بها داخليًا، لأن العالم الخارجي لا يملك ميزان الحنان الذي تراه الذات نفسها.
هذه دراسة شاملة للقصيدة من حيث البناء، اللغة، الصور، الأنا/الآخر، الزمن، والذات، مع تصنيفها ضمن شعرية النثر العربية الحداثية، والإجابة على السؤال: كيف تُمارس القصيدة فعل الحفظ الداخلي كتمرّد شعري؟
استخدام الاقتباسات من مقاطع مختارة (ضمن الاستخدام العادل) لتحليل اللغة، الصور، الأسلوب، البنية.
المنهج النفسي الوجودي، لفهم كيف تظهر الذات، القلق، الانكسار، المقاومة الداخلية.
الصور المجازية المكثفة «بدلة شرطي»، «العمر ممدّد فوق السراب»، «يداك مكبّلتان»، «أفق أسود»، «حرقة الانتظار»، «جراح الموانئ». الصور تجمع بين الحسيّ والمجازي، بين الخارجي والداخلي، مما يمنح القصيدة عمقًا وجوديًّا.
الذات هنا لا تنفصل عن الآخر (المحبوبة)، لكنها تُصارعها وتُصارع التوقعات والوعود.
الآخر ليس حاضرًا بكامل صورته، بل من خلال الآثار (الوعد، العين المكبّلة، الصمت، الغياب).
الحبّ في القصيدة ليس مجرد عاطفة رومانسية، بل يسهم في تأمل الزمن، في محاولة لتبرئة الذات أو لفهمها، وفي محنة الانتظار.
الزمن في القصيدة موصوف ببطء قاتل، كأنه يُلبس الذات بوتقة قسرية.. الموت يُثار كمفهوم، ليس بالضرورة الفيزيائي فقط، بل موت روح—موت الحلم، موت القدرة على الرجاء.
تشكّل مفارقة بين الزمن الحيّ (القصيدة، الكتابة، الأمر بالنهوض) والزمن الممدّد فوق السراب (زمن الموت الداخلي).
«الحفظ الداخلي» كتمرّد
عنوان القصيدة وجوهرهاِ.. «اترك ما بداخلي لداخلي».
الحفظ الداخلي ليس مجرد صمت، بل هو مساحة ذاتية للكرامة، حيث لا يستطيع الخارج أن يُسحق كل ما في الداخل.. الكتابة هنا هي الفعل الذي يحتفي بالذات بعد كله، حتى لو لم تُفهم، حتى لو لم تُستوعب. هذا التضميد الداخلي هو ما يميّز القصيدة.
شعر عربي "أنسي الحاج" في «سيدة التحولات»، "سركون بولص" في كثير من قصائده التي تصرخ من الداخل، "محمد الماغوط" أيضًا في تجربته الوجدانية/السياسية.. عالميًّا، المقارنات ممكنة مع "بول إيلوار" في إحساسه بالغياب والحب الذي يكسر الذات، ومع شعراء الوجودية مثل "سيغوار"، أو مع تجارب"فرانز كافكا" من حيث شعور الفرد بالضيق داخل أنظمة/واقع لا يفهمه مرؤوسوه.
القصيدة تُظهر نموًّا شعريًّا مبكرًا لكنه وازن، يُقدّم كينونة ذاتية صادقة، لا تستجدي الرحمة، بل تطلب المكان داخل الذات.
هي مثال حيّ على كيف يمكن لقصيدة نثر أن تكون أكثر حميمية وأكثر قدرة على التعبير عن الألم من الشعر المقفى أو المقيد.
تُثبت أن الذات التي تُعلّم نفسها الكتابة، هي ذات قادرة على رفض أن تُغرّر بها الأقنعة.
قصيدة «وَاتْرُك ما بداخلي لداخلي» لمصطفى الحاج حسين تمثّل إنجازًا شعريًا ملحوظًا ضمن الشعر العربي المعاصر، في قدرتها على المزج بين العاطفة الخالصة، الألم، واللغة المجازية المتوهجة. هي قصيدة تحفظ الذات في داخلها، وتمارس التمرّد على الخذلان والوعد الكاذب.
في عالم يُقدّم الصراخ غالبًا كمرئية القوة، تكون هذه القصيدة مهادًا للفظائع المعنوية، وفعلًا من أرقى أفعال المقاومة، بالصمت، ولكن بالصوت الداخلي القوي.
المقارنة الأدبية.. تطابق وتجاذب مع تجارب شعرية عربية ومع تجارب شعراء عالميين فيما يخص الشعرية الوجدانية وقصيدة النثر.
الفعل المضارع، يشي باستمرارية الألم، وكأن القصيدة لا تنتهي، بل تُعاد في اللحظة نفسها..
الأفعال الأمرية المتكرّرة («قُم»، «وحّد»، «ٱبتر»، «ٱنثر») تعكس رغبة في تحطيم القيود، في النهوض على الرماد.
الخيبة/الحنين/ ظهور وعدٍ كاذب، ويد مكبّلة، وعينين تغرقان في الظلام.. التحدّي، رفض الاستسلام، أمر الذات بالكتابة، بالتمزّق، بترك ما لا يُحتمل.. القبول بالفراغ، بالسكوت، بالفعل الشعري كخيار أخير، وبالسماح لما بداخلك أن يبقى لداخلك.
التصاعد من الألم إلى التعبير، ثم إلى قرار، الكتابة رغم الانكسار.
استخدام الفعل المضارع، بشكل كبير يُضفي حالة استمرارية على الألم، وكأن القصيدة تنبض الآن، لا في الماضي فقط.
اللغة مستويات.. تارة مباشرة تدور حول المشاعر (“ما أنت… ما أنت…”)، وتارة تجريدية مجازية (“الوقت الذي يرتدي بدلة شرطي”، “العمر ممدّد فوق السراب”).. الاستفهام المتكرر “أتعرفين؟ … ماذا تريدين؟ … هل تعرف الموت؟ …” هذا الأسلوب يُدخل القارئ إلى داخل التجربة، يجعله شريكًا في السريرية النفسية.
الصور المتقنة.. البحر، السراب، البكاء، الأيدي المكبّلة، العيون في أفق أسود — كلها صور تجمع بين الحسّية والرمزية، بين الحواس وبين التجريد.
الوحدة والغربة داخل الحب، تحب من لا تملك، تتمنّى من لا تستطيع أن تصل إليه.
الخيانة الوهمية والوعود الكاذبة.. الوعد الذي يكبّل، العشق الذي يصبح قيدًا.
مرارة الزمن، الزمن “الشرطي”، الزمن الذي يفترشكَ، الذي يفتّش قلبي، الذي يمضي على السّراب.
قصيدتك أستاذ (مصطفى الحاج حسين) تمثّل لحظة عاطفية وجودية تجمع بين صراخ الذات وخصوصية التجربة، في فضاء شعر النثر العربي الحديث. هي ليست غزلاً عاديًّا، بل مزيج من الحب، الألم، الانكسار، التضحية، التمرّد، والهوية الذاتية. تظهر فيها رغبة في الفناء والتجديد معًا؛ في التفريغ إلى الداخل، وترك ما بداخلك لداخلك كنوع من التصفية أو التماهي مع الذات.
المضمون، الموضوع الرئيسي، الصراع بين الذات التي تعشق وتحترق، والواقع الذي يرهقها، يجعلها تتساءل عن الحب، القهر، المُثُل الزائفة، والتزامات لم تُرضِِنها.. مضامين ثانوية.. الخذلان، الوعد الكاذب، الزمن كقاهر، العذاب الداخلي، والهروب إلى الكتابة أو إلى الصمت.
الصورة الأنثوية ليست فقط معشوقة، بل رمز للأمل المؤجل، للوعد المفقود، وللشفاء الممكن لو تحقّق اللقاء أو تيسّرت الكلمة.*

محي الدين سراج


1758632090260.png

** (( وأتركُ ما بداخلي لداخلي ))..
أحاسيس: مصطفى الحاج حسين.

هَلْ تَهْرُبُ مِنْكَ الْكَلِمَاتُ
أَمْ أَنْتَ تَهْجُرُهَا؟!
هَلْ تَسْتَوْعِبُ اللُّغَةُ مَكْنُونَاتِ الرُّوحِ؟!
هَلْ يَقْدِرُ لِسَانُكَ، وَعَيْنَاكَ وَيَدَاكَ
وَكُلُّ مَا فِيكَ
أَنْ تَرْسُمَ مَا بِدَاخِلِكَ؟!
أَنْتَ، أَيُّهَا الْبَائِسُ
تَصْطَرِعُ أَمْوَاجُ قَلْبِكَ
وَأَنْتَ تَعَضُّ أَيَّامَكَ الرَّاحِلَةَ.
أَتَتْكَ الْأَنَاشِيدُ تَسْأَلُ عَنْ سَيِّدِهَا
أَتَتْكَ الْبُرُوقُ تَسْأَلُ عَنْ مُفَجِّرِهَا
أَتَتْكَ الْأُمْنِيَاتُ تَسْأَلُكَ عَنِ الشَّطْآنِ
وَأَنْتَ تَعْصِرُ سَحَابَ الْفُؤَادِ
وَتُفَتِّشُ عَنْ بِلَادٍ
لَا تَجْهَلُ مَا فِيكَ.
سَافِرْ فِي وَمْضَةِ الْحُلْمِ
دَاعِبْ نُهُودَ الْوُرُودِ
وَاسْكُبْ عَلَى الصَّدْرِ أَنَاشِيدَكَ.
أَيُّهَا التَّائِهُ...
الرَّاحِلُ إِلَى أَقَاصِي عَيْنَيْهَا
تَـنَشَّقْ عَبِيرَ الضَّفَائِرِ
مَا أَنْتَ بِالْعَاشِقِ الْمَهْزُومِ!
مَا أَنْتَ بِالْبَاغِي بَغَاءً!
هُوَ الْحُبُّ يَفْتَرِشُ مَدَاكَ
هُوَ الْحُبُّ يَطْحَنُ نَبْضَكَ.
سَلْهَا عَمَّا فِيكَ؟
أَتَعْرِفِينَ الْقَهْرَ؟
وَالْوَقْتُ الَّذِي يَرْتَدِي بَزَّةَ شُرْطِيٍّ
تُفَتِّشُ أَغْلَالُهُ عَنْ قَلْبِي!
أَتَعْرِفِينَ الْمَوْتَ؟
وَالْعُمْرُ مَمَدَّدٌ فَوْقَ السَّرَابِ!
أَتَعْرِفِينَ الدَّمْعَ؟
وَالْبَحْرُ أَصْغَرُ مِنْ دَمْعَتِي
لَوْ أَطْلَقْتُهَا!!
مَاذَا تُرِيدِينَ وَأَنْتِ خِتَامُ الْعُمْرِ؟!
أَبْحَثُ عَنْكِ..
فَأَجِدُ يَدَيْكِ مُكَبَّلَتَيْنِ بِالْوُعُودِ الْكَاذِبَة
وَأَرَى عَيْنَيْكِ غَارِقَتَيْنِ فِي أُفُقٍ أَسْوَدَ.
يَا أَنْتِ..
يَا لَثَغَةَ الْقَلْبِ فِي حُبِّهِ الْأَوَّلِ
يَقْضِمُ الْبَحْرُ أَمْوَاجَهُ
وَأَنْتِ لَا تَتَعَرَّيْنَ!
هَلُمِّي..
ضَمِّدِي جِرَاحَ الْمَوَانِئِ
إِنَّ هذِهِ الرِّيَاحَ تَعُولُ
وَأَنْتِ تَخْتَبِئِينَ وَرَاءَ الصَّمْتِ
وَأَسْأَلُ قَلْبِي عَنْ قَاتِلِهِ
أَتَعْرِفُ مَلَامِحَ السِّكِّينِ؟!
هَلْ نَطَقْتِ بِالرَّفْضِ؟!
أَمْ جَرَّحَتْكَ اللَّامُبَالَاةُ؟!
لَا...
لَنْ يَجِدَ الْمَوْتُ بَوَّابَةً لِيَدْخُلَ مِنْهَا
لَنْ يَجِدَ الْحُزْنُ دَمْعَةً
لِيَعُشِّشَ فِي عَيْنَيْكَ.
أَنْتَ سَيِّدُ الْمَوْقِفِ
فَمَا الَّذِي يُجْبِرُكَ عَلَى الْهَرَبِ؟!
نَدَى...
حُلْمٌ جَسَّدَتْهُ الْأَغَانِي
فَكَانَتْ أَنْتِ...
يَا آخِرَ حَسْرَةٍ
خَرَجَتْ مِنَ الْقَلْبِ
يَا آخِرَ بَسْمَةٍ نَزَفَتْهَا شَفَتَايَ.
أَقْبِلِي...
إِنَّ جِرَاحِي اتَّسَعَتْ
أَقْبِلِي...
إِنَّ مُرُوجِي أَيْنَعَتْ
أَقْبِلِي...
فَوَدَاعًا لِكُلِّ شَيْءٍ آتٍ
وَدَاعًا لِعُمْرٍ تَهَاوَى
وَدَاعًا...
لِدَمْعَةٍ أَنْبَتَتْ شَجَرًا
لِرَعْشَةٍ هَدَّهَدَتْ قَمَرًا
قُمْ أَيُّهَا الْفَارِسُ
الْمَرْمِيُّ عَلَى الْكُتُبِ!
وَحِّدْ شَتَاتَكَ..
لَا فَرْقَ بَيْنَ الْهَزَائِمِ
وَالْغَنَائِمِ.
أَتَتْكَ الْقَصِيدَةُ دُونَ خَاتِمَة
فَابْتُرْ أَصَابِعَكَ الْمُتَمَسِّكَةَ بِالْوَرَقِ
وَانْثُرْ أَمَانِيكَ فِي الطُّرُقِ.
لَنْ تَسْتَوْعِبَ الْقَصِيدَةُ مَا أُرِيدُ!!
سَأُعَلِّقُ مُفْرَدَاتِي مِنْ أَعْنَاقِهَا
عَلَى أَسْطُرِي..
وَأَتْرُكَ..
مَا بِدَاخِلِي... لِدَاخِلِي.*

مصطفى الحاج حسين.
حلب، 1985م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى