-1-
ثمة جناية، جناية بكل معنى الكلمة، وهي تُرتَكب باسم الفن " فن الرسم " هنا، دون النظر في حقيقتها أو مصدرها، تتمثل في طريقة التعامل مع اللوحة " اللوحة الفنية " في النظر إليها خارجاً، مع استخدام عبارة لا أكثر منها تداولاً، حتى من قبل معنيين بها مباشرة، وهي " قراءة اللوحة ".
القراءة تحيلنا بصرياً إلى اللغة، إلى كلمات يتم تلفّظها، أو كتابتها في ضوء مشاهدة اللوحة الفنية، الواحدة، أو أكثر. ليكون المأثور خفْضاً من خاصية اللوحة، بوصفها مساحة معلومة بألوان معينة، بمحتوى معين، يجري سبْره معرفياً. اللوحة الفنية يُنظَر فيها، أبعد من نطاق، وكذلك حدود اللغة " كنص " كاعتبار دلالي، مشدود إلى الصوت، أو ما يجري نثره ورقياً، وفي سطور معينة. اللوحة تعدِم الاتجاه وهي تفيض جهوياً، تعنى بها العين، والذاكرة البصرية اللونية تتولى مهمة إقامة علاقة معها، وهي تترجَم مما هو لوني إلى ما هو كلامي، أو لغوي مسطور، لتبقى اللوحة هي المرجع الرئيس محك اختبار دائماً للغة عينها.
2
المرئي اللوني سابق على المقروء أو اللغوي في تاريخ لم يُحدَّد بعد. العالم كله يتشكل بصرياً، أو بناء على ما هو متصوَّر داخلي. وما يعايَن بصرياً، كما هي حال اللوحة الفنية ينفتح على المستقبل، على ما لا يحدَّد جهودياً، رغم أن الإطار المتحكّم باللوحة، يذكّر بحدود المتن، بإطار الكتاب، ولكن اللوحة بمساحتها، مهما ضؤلت تفيض على الجوار، بعمق مقدَّر، وتثير قوى المشاهد، أكثر بكثير مما عليه القارىء إزاء مكتوب ما، والذي يستند إلى ماض ٍ، للبدء، واللوحة محررة مما هو راهن فيها، رغم تشكلها في زمان ومكان معينين، انطلاقاً من طبيعة المكوّن اللوني ووجهته: الوجهات، وقابليته لأن يستنهض قوى تعرّف وتصور كثيرة لدى المشاهد وفق هندستها.
الفن" الرسم خصوصاً" رغم انتسابه إلى ماض معين، إلى أزمنة وأمكنة سابقة، لكنه، من حيث الدقة، في أكثر تمثيلاته حمولة بما هو غابر، ولأغراض مختلفة، يظل معرّفاً بذاكرة تعنيه، وهي تتقدمه، ذاكرة مفتوحة، قابلة للنمو المستمر دون بلورة، ولهذا يعدُنا ضمناً بما يثريه ويغيّر فيه، بما يبقينا على تخومه، بالجوار منه، رحالين إليه، أو نتحرك في ركابه،/ تعبيراً عن ألفة تترجمها مشاعرنا البصرية الدمغة إجمالاً.
3
ما يُسمّي الفن، في لوحته، هو عصيانه لما يُسمّيه،تمرده على المعطى له مباشرة، تماديه المكشوف، أهليته لأن يعرّي ما انبنى عليه، بالقدْر الذي نمتلك إرادة المتابعة،ـ واقتفاء أثره في جملة السرود المتقطعة والمتداخلة، والصامتة ، والمدوية عميقاً في بنيته المركَّبة.
لا اسم يعوَّل عليه، يساق إليه، أو يعتمَد كأصل يجري تثبيته، أو تجلّ مكاني، يؤرشَف من قبل المسكونين بهواه، ومن ينشغلون بتاريخه المنزوع البداية والنهاية، برواته الذين يُستشهَد بهم، وهم غير مقتدين بهم، لأن كل ما له فعلية باللوحة، حتى في الأكثر محسوسية، يظل نائياً، عن كل حسية مباشرة، حيث ثمة ما يمور، ما يتنوع في رؤاه، في الذي لا يعايَن ويؤثر في عمق لا يُسبر.. لهذا يُتخوَّف من الفن، من اللوحة والمهمة المنوطة بها، كما هو الجاري في حسابات من يقدّرون خطورة الإيقاع بالجاري تمثيله، تأريخه لونياً، ضبطه في نطاق لوحة، لها إطار، في فعل الضبط، بهيئة معينة، وتأبيدها، لناظر، تُربى فيها مشاعره، ويخاطَب عبرها بمقاييس معينة.
ليس من وجه للوحة، وجه يستحق التسمية، بملامح ، مهما ظهرت تقسيماتها، إمارات النظرة فيها، تقاطيع الوجه، حتى في المعتبَر من جانب " الصورة الشخصية، وقد حرّرت من قبل يد فنان. لأنها خرجت عن طوق زمانها ومكانها، وصارت في عهدة زمن مفتوح. هناك جسد ينفتح على داخله، وقد استحال كينونة لونية .
4
في اللوحة الفنية يكون رمادها. رمادٌ هو الذي ينبىء بنشأتها، والتي تعتمد بدورها على تلك المؤثرات التي تجلو قدرات المشاهد، ويجري نثرها على الورق، أو التفوه بها في كلمات، في خطاب متكلم، لعله " صاحب اللوحة " هو نفسه ليس بمخوّل لأن يُسمي لوحته، لأن ينقل إلى من يطلب منه تفسيراً، أو شرحاً، أو إعطاء معلومات عما " نثرته " ريشته. لأنه ليس الفنان : الرسام للوحة، إنما المتحدث عنها، لسان حالها الذي لا يؤخَذ بما يتفوه به، كما لو أنه يميط اللثام عما هو مادي، والوضع ليس كذلك. لأن اللوحة في الحالة هذه تموت، أو تلفظ أنفاسها الأخيرة، وربما " يتفسخ جسدها " في اللحظة التي يباشر فيها الحديث عما تتضمنه، من خاصيات تنيرها، ويتحدد مصيرها من جعة القيمة، أو وجهتها، ما يُسمى بحقيقتها. والفن ليس كذلك ، فالفنان لحظة إقباله على ما يرسم، يعيش غيبة الذات، نشوة الانخراط في اللعبة المفتوحة، لعبة لازمنية، موقّع عليها تخيلياً، بقوى لا تتاح له، فيما لو طلِب منه تسميتها بمرجعياتها الفعلية واقعاً.
في رماد اللوحة، ما يشع، ما يومض، ما يتألق، ما يُنثر في مهب ريح ذات قيّض لها أن تتفاعل معها. رماد ذائقة ، تحرك في الفنان كما في المشاهد عما هو مشترك بينهما، عما يبقي الرؤية في رحابة المحتفى في صمت، وما يضاف ويعمّق إلا ما لا نهاية .
5
لا شيء يقتل اللوحة الفنية، يمسخها مثل وضع عنوان لها، والإيحاء بأن اللوحة ككينونة جسدية، كموضوع مؤطّر بطابعه المجتمعي، وهو بزخم ألوانه، وهو بما تناثر في فضاء اللوحة من خطوط صارت تلويناً، في ملئات وفراغات في لعبة الفن الحميمة وهي تقبل الضيافة دونما تحديد للغة المكتسبة، إنما هي القوى " النفخية " التي يؤتاها المسكون بمأثرة الفن، وما من شأنه النظر كما لو أنه ليس هو، كما لو أن ليس من مكان وزمان معلومين يحددان موقعه، وهي اللحظة الحدسية المنتظرة للتأكيد على أن اللوحة الفنية تتنفس خارج إطارها.
وحيث إن كل تسمية اعتراف صريح بزمنية محتزلة، وتعرية للفقر الروحي، يكون المتقد طي رماد اللوحة إسكان للمشاهد في وجود، وإطلالة مكاشفة لخلفية المرسوم، حيث يكون الملهم للوحة، وبما يباغت فنانها. وهنا تبرز خطورة الفن: الرسم، في لوحته، وفي المضي بالمشاهد نحو ما لم يحتسب له، ما لم يتنبه إليه، ويفاجَأ بذلك، وبدءاً من الفنان، محمولاً بناره غير المسماة، وكذلك مشاهده شراكةً.
6
بالنسبة لما هو إبداعي، وفي نطاق اللوحة الفنية، كل تسمية تعمية للوحة تنطوي على أكثر من سر، هو علة ظهورها لوحةً. التسمية، في سياقها التاريخي رهينة المعوَّل والمراهَن عليه تربوياً، في تأطير المعنى وتسويقه، وتسييده على سواه. لا شأن للوحة الفنية بما يسمّيها ويقال فيها، لأنها تنفتح على داخل هو الفضاء الذي يتدفق بما يعزز في الفنان ذائقته للعالَم من حوله، وهو يأخذ من الواقع ما يصعد به. أي حيث يكون واقع الفن غير محاط به، ولهذا، يكون الفنان الذي يمارس لعبة تخييلية، يحيل الواقع المتمثل في لوحته، إيقاظاً للواقع غير المتنبه إليه، وتنبيهاً إلى قدرات جرى اختزالها، كما هو المقدَّر في عالَم اللوحات التي تفجّر فينا قوى، للمكبوت المتنامي بعائده الاجتماعي والنفسي، ذلك الدور الينبوعي في استقطاب الآخرين، وليكون الفنان صانعاً" من نوع إلهي" أرضياً، في طرح كائناته التي ترضع من " ريشته " وفي عالمه الذي يتوقف عليه دون غيره، حيث الواحد فيه كثير وكبير بما لا يقاس .
اللوحة الفنية لحظة الدخول في حمّى السؤال عن وجود، نكون قد أقصينا ونقصى عن الحاضر العابر، الحاضر الوقتي المجزأ، وبكل ما هو مصنَّع مجتمعي.
في متابعته لرؤية دريدا للفن" الرسم، يعلِمنا بيير ديلان بما يفيد حول مصير اللوحة وكونيتها:
( الرسم دائمًا تساؤلٌ عن إمكانيته. هذا هو حال الصورة الذاتية، التي لا يُدرك وجودها إلا من خلال دليل، أو عنوان، أو استحضار للذاكرة (وهي غير كافية في حد ذاتها) - من قِبل المشاهد، الذي يُكلَّف بدور المُفسِّر.)!
السؤال هو اليقظة الاستثنائية والفريدة من نوعها داخلاً من الداخل الذي ينحت في صخرة الواقع، ويطوّعها لمأثور ريشته، وهو يفجّرها ينبوعاً. حيث تكون ذاته المعززة بالقوى المرافقة، والسائرة إلى زمنها الجدير بأن يحمل اسمه، أن يكون له معنى من خلاله .
7
اللوحة جنس، ولا أكثر منها أنواعاً. لا لوحة تضمن سوية المسند إليه كلاماً. أي تفسيراً للوحة. حتى لو كانت طبيعية. والرسام نفسه لا يعطى ذلك الحق الذي من خلاله يقدّمها بالمواصفات التي تشكل تشريحاً لمكوناتها. لأن في ذلك تغييباً للملهِم التخيلي لديه.
ولتكون اللوحة التي تنسَب إلى حقول فنية: كلاسية، انطباعية، سريالية، وحشية، تعبيرية...إلخ انفتاحاً على لاتناهي المعاني، واستشرافاً لذلك العالم المحمول، بكامل عمقه وعراقته في الداخل .
لنعاين جانباً من لوحات، تتقدم إلينا برموزها، بكائناتها التي قد تلتبس على مشاهدها، حيث الملء والفراغ يتقاسمانها، وانطلاقاً مما يقوله هنري ميشو:
"أردت أن أرسم وعي الوجود وتدفق الزمن."
إرادة الرسم هنا لا صلة لها مباشرة بحياته اليومية، ثمة الآخر الطليق المحرر مما يخصه في ليله ونهاره، في حسيته المباشرة، حيث الحس مجسة ذات استشعار عن بعد، بأبعاد تخرج عن مألوف المكاشفة، وتسمح للمعايشة الذوقية بالتنامي قدّر تفاعلها مع اللوحة، قدر انبنائها حيوات تلهم الحياة نفسها.
لوحتان مرسومتان لميشو..يمكن للمشاهد أن يقول فيهما الكثير، ولكن اللوحتين لهما مسار آخر، حتى بالنسبة لميشو نفسه. لأن لاوعياً يكون له بالمرصاد، ذاكرة بصرية استثنائية تولت مهمة الرسم، بزمان معلوم، لكنه مكثف، فكان ما كان. الرؤية محاورة للمرئي. وحده الصمت ظاهراً هو الذي يرينا بنية العلاقة المعتبَرة، وصدى سر لا يُسمى يتردد في الداخل. إنها لذة المرئي ، محررة من ماديتها. ثمة خلاف للمقصود هو المقصود بالنسبة للباحث في أمر اللوحة، في مقامها حضورَ لون، وحوارات خطوط مذابة في الداخل.
ذلك ما يمكن تبينه في لوحتي هانتاي ولانسكوي
سيمون هانتاي ولانسكوي، فنانان مسكونان بشغف الخطوط وهي تتقاسم العالَم ملئاً وفراغاً، حيث سلالة جنس اللوحة ذات الأنواع التي تفيض بعوالمها ترينا دائماً ما لم يُر بعد .
هذا تعبير لوني مكثف، ينطوي على استحالة تمثيل الفن لما يسنَد إليه من خطاب القول، أو من تنظير، أو أي مقاربة نقدية في مضمار المقاربة الدلالية للمنظور إليه داخل اللوحة، حيث الخارج مترامي الأطراف، وفي مقدور الفنان أو المشاهد، الإسهاب في القول الذي يكون الفن خميرته، لكن ما لا ينبغي تجاهله هو مدى استمرارية اللوحة الفنية بحمولتها الرمزية التي تنبع معاني تترى، وهي ، وإن كانت اللوحة ترمي بظلالها عليها، سوى أنها تظهر جانب المسافة الفاصلة بينها وبين المشاهد وما يقوله عن نفسه بتأثير منها.
أندريه لانسكوي
8
ماذا لو أشرنا إلى مثال آخر، يخص مسمى " الانطباعية، في لوحات ثلاث، لها أسماؤها المعتبرة، وفنانوها. إنها عوالم فنية، لا تخفي غواية التعبير اللوني والمساحات المأهولة بإشاراتها، في هندسة مكانية أكثر إيفاء بالمشتهى، مما تقدم .
ما يقوله جان كوكتو ، يسهم في تنوير جانبي، في رفد الفني بلا مسمى ومؤثر فيه:
عملية الرسم تتطلب طاعة شديدة تُصبح تنويمًا مغناطيسيًا. إنها تُبعدنا عن أنفسنا لدرجة أن الزمن والعالم من حولنا لم يعدا موجودين.
تلك هي مقايضة ذاتية التكوين، بين الفنان بوصفه كائناً حياً زماناً ومكاناً، لحماً وعظماً وروحاً حية، والفنان الذي أسلس القياد لمتخيله، بطريقة معينة، ووهب روحه الذاتية لما هو جمالي يتعدى الحدود الحسية المباشرة للموجود. إنه الوجود توقاً إلى الأبدي فيه .
الفنان يرسم لوحته، يسندها إلى ماض، لكنه ماض قُدُماً إلى الأمام، هو ذاك المشاهد الذي يمتلىء بطاقة جذبية، تشده إلى اللوحة وصنعة الإيقاع المشتهاة في فضاء اللوحة، رغبة في التحليق بما هو داخلي، لكأنه متخلياً عن لغته، يلوذ بالصمت حباً بالديمومة.
فان غوغ: شرفة المقهى في المساء
كلود مونيه: مسار الحديقة في جيفرني
ادغار ديغا: صف الرقص
لا يهم جنس الناظر. الرهان في اللامسمى. رغم أن المشاعر تتنوع، أن المواقع تتباين، لكن اللوحة الفنية، تكون محرَّرة من جنسيتها، من اللحظة التي أطلِق فيها سراحها، وقد شبت عن طوق الزمني وساعته. لهذا، فإن الفنان الذي يتعامل مع ألوانه، جل ما يرومه، وهو في توحده النفسي، أن تكون شفيعته، أن تكون انتقالاً له، لزمن مائز، يمتلىء بما هو أبدي، خارج المتداول اليومي، ليكون تأريخاً من نوع مختلف لتاريخ يعنيه.
لهذا، فإنه ما ينهي لوحته، وقد أودعها شحنة من دفقه الروحي، يكون قد أمَّن على نفسه، على اسمه الآخر الذي يتوقف عليه، يكون مشاهد لوحته المغمور بتلك الهالة الينبوعية التي تستغرقه، وهو يعيش ذاتاً أخرى بفضيلة المرئي ، في سؤال وجود يخشى موجوده، ليكون مقيم وجود، لا يعود جرّاء هذه النشوة الفنية الطابع، وبمأثرة اللوحة النابضة بأبديتها، إلا ذلك الكائن الذي ينسلخ عن موجوده الفاني داخله.
ماالذي حدث ويحدث؟ لعله رماد اللوحة الذي يشتعل بكائنه، على قدْر امتلائه بحرارتها،فيروّض فيه ظلمته!
ثمة جناية، جناية بكل معنى الكلمة، وهي تُرتَكب باسم الفن " فن الرسم " هنا، دون النظر في حقيقتها أو مصدرها، تتمثل في طريقة التعامل مع اللوحة " اللوحة الفنية " في النظر إليها خارجاً، مع استخدام عبارة لا أكثر منها تداولاً، حتى من قبل معنيين بها مباشرة، وهي " قراءة اللوحة ".
القراءة تحيلنا بصرياً إلى اللغة، إلى كلمات يتم تلفّظها، أو كتابتها في ضوء مشاهدة اللوحة الفنية، الواحدة، أو أكثر. ليكون المأثور خفْضاً من خاصية اللوحة، بوصفها مساحة معلومة بألوان معينة، بمحتوى معين، يجري سبْره معرفياً. اللوحة الفنية يُنظَر فيها، أبعد من نطاق، وكذلك حدود اللغة " كنص " كاعتبار دلالي، مشدود إلى الصوت، أو ما يجري نثره ورقياً، وفي سطور معينة. اللوحة تعدِم الاتجاه وهي تفيض جهوياً، تعنى بها العين، والذاكرة البصرية اللونية تتولى مهمة إقامة علاقة معها، وهي تترجَم مما هو لوني إلى ما هو كلامي، أو لغوي مسطور، لتبقى اللوحة هي المرجع الرئيس محك اختبار دائماً للغة عينها.
2
المرئي اللوني سابق على المقروء أو اللغوي في تاريخ لم يُحدَّد بعد. العالم كله يتشكل بصرياً، أو بناء على ما هو متصوَّر داخلي. وما يعايَن بصرياً، كما هي حال اللوحة الفنية ينفتح على المستقبل، على ما لا يحدَّد جهودياً، رغم أن الإطار المتحكّم باللوحة، يذكّر بحدود المتن، بإطار الكتاب، ولكن اللوحة بمساحتها، مهما ضؤلت تفيض على الجوار، بعمق مقدَّر، وتثير قوى المشاهد، أكثر بكثير مما عليه القارىء إزاء مكتوب ما، والذي يستند إلى ماض ٍ، للبدء، واللوحة محررة مما هو راهن فيها، رغم تشكلها في زمان ومكان معينين، انطلاقاً من طبيعة المكوّن اللوني ووجهته: الوجهات، وقابليته لأن يستنهض قوى تعرّف وتصور كثيرة لدى المشاهد وفق هندستها.
الفن" الرسم خصوصاً" رغم انتسابه إلى ماض معين، إلى أزمنة وأمكنة سابقة، لكنه، من حيث الدقة، في أكثر تمثيلاته حمولة بما هو غابر، ولأغراض مختلفة، يظل معرّفاً بذاكرة تعنيه، وهي تتقدمه، ذاكرة مفتوحة، قابلة للنمو المستمر دون بلورة، ولهذا يعدُنا ضمناً بما يثريه ويغيّر فيه، بما يبقينا على تخومه، بالجوار منه، رحالين إليه، أو نتحرك في ركابه،/ تعبيراً عن ألفة تترجمها مشاعرنا البصرية الدمغة إجمالاً.
3
ما يُسمّي الفن، في لوحته، هو عصيانه لما يُسمّيه،تمرده على المعطى له مباشرة، تماديه المكشوف، أهليته لأن يعرّي ما انبنى عليه، بالقدْر الذي نمتلك إرادة المتابعة،ـ واقتفاء أثره في جملة السرود المتقطعة والمتداخلة، والصامتة ، والمدوية عميقاً في بنيته المركَّبة.
لا اسم يعوَّل عليه، يساق إليه، أو يعتمَد كأصل يجري تثبيته، أو تجلّ مكاني، يؤرشَف من قبل المسكونين بهواه، ومن ينشغلون بتاريخه المنزوع البداية والنهاية، برواته الذين يُستشهَد بهم، وهم غير مقتدين بهم، لأن كل ما له فعلية باللوحة، حتى في الأكثر محسوسية، يظل نائياً، عن كل حسية مباشرة، حيث ثمة ما يمور، ما يتنوع في رؤاه، في الذي لا يعايَن ويؤثر في عمق لا يُسبر.. لهذا يُتخوَّف من الفن، من اللوحة والمهمة المنوطة بها، كما هو الجاري في حسابات من يقدّرون خطورة الإيقاع بالجاري تمثيله، تأريخه لونياً، ضبطه في نطاق لوحة، لها إطار، في فعل الضبط، بهيئة معينة، وتأبيدها، لناظر، تُربى فيها مشاعره، ويخاطَب عبرها بمقاييس معينة.
ليس من وجه للوحة، وجه يستحق التسمية، بملامح ، مهما ظهرت تقسيماتها، إمارات النظرة فيها، تقاطيع الوجه، حتى في المعتبَر من جانب " الصورة الشخصية، وقد حرّرت من قبل يد فنان. لأنها خرجت عن طوق زمانها ومكانها، وصارت في عهدة زمن مفتوح. هناك جسد ينفتح على داخله، وقد استحال كينونة لونية .
4
في اللوحة الفنية يكون رمادها. رمادٌ هو الذي ينبىء بنشأتها، والتي تعتمد بدورها على تلك المؤثرات التي تجلو قدرات المشاهد، ويجري نثرها على الورق، أو التفوه بها في كلمات، في خطاب متكلم، لعله " صاحب اللوحة " هو نفسه ليس بمخوّل لأن يُسمي لوحته، لأن ينقل إلى من يطلب منه تفسيراً، أو شرحاً، أو إعطاء معلومات عما " نثرته " ريشته. لأنه ليس الفنان : الرسام للوحة، إنما المتحدث عنها، لسان حالها الذي لا يؤخَذ بما يتفوه به، كما لو أنه يميط اللثام عما هو مادي، والوضع ليس كذلك. لأن اللوحة في الحالة هذه تموت، أو تلفظ أنفاسها الأخيرة، وربما " يتفسخ جسدها " في اللحظة التي يباشر فيها الحديث عما تتضمنه، من خاصيات تنيرها، ويتحدد مصيرها من جعة القيمة، أو وجهتها، ما يُسمى بحقيقتها. والفن ليس كذلك ، فالفنان لحظة إقباله على ما يرسم، يعيش غيبة الذات، نشوة الانخراط في اللعبة المفتوحة، لعبة لازمنية، موقّع عليها تخيلياً، بقوى لا تتاح له، فيما لو طلِب منه تسميتها بمرجعياتها الفعلية واقعاً.
في رماد اللوحة، ما يشع، ما يومض، ما يتألق، ما يُنثر في مهب ريح ذات قيّض لها أن تتفاعل معها. رماد ذائقة ، تحرك في الفنان كما في المشاهد عما هو مشترك بينهما، عما يبقي الرؤية في رحابة المحتفى في صمت، وما يضاف ويعمّق إلا ما لا نهاية .
5
لا شيء يقتل اللوحة الفنية، يمسخها مثل وضع عنوان لها، والإيحاء بأن اللوحة ككينونة جسدية، كموضوع مؤطّر بطابعه المجتمعي، وهو بزخم ألوانه، وهو بما تناثر في فضاء اللوحة من خطوط صارت تلويناً، في ملئات وفراغات في لعبة الفن الحميمة وهي تقبل الضيافة دونما تحديد للغة المكتسبة، إنما هي القوى " النفخية " التي يؤتاها المسكون بمأثرة الفن، وما من شأنه النظر كما لو أنه ليس هو، كما لو أن ليس من مكان وزمان معلومين يحددان موقعه، وهي اللحظة الحدسية المنتظرة للتأكيد على أن اللوحة الفنية تتنفس خارج إطارها.
وحيث إن كل تسمية اعتراف صريح بزمنية محتزلة، وتعرية للفقر الروحي، يكون المتقد طي رماد اللوحة إسكان للمشاهد في وجود، وإطلالة مكاشفة لخلفية المرسوم، حيث يكون الملهم للوحة، وبما يباغت فنانها. وهنا تبرز خطورة الفن: الرسم، في لوحته، وفي المضي بالمشاهد نحو ما لم يحتسب له، ما لم يتنبه إليه، ويفاجَأ بذلك، وبدءاً من الفنان، محمولاً بناره غير المسماة، وكذلك مشاهده شراكةً.
6
بالنسبة لما هو إبداعي، وفي نطاق اللوحة الفنية، كل تسمية تعمية للوحة تنطوي على أكثر من سر، هو علة ظهورها لوحةً. التسمية، في سياقها التاريخي رهينة المعوَّل والمراهَن عليه تربوياً، في تأطير المعنى وتسويقه، وتسييده على سواه. لا شأن للوحة الفنية بما يسمّيها ويقال فيها، لأنها تنفتح على داخل هو الفضاء الذي يتدفق بما يعزز في الفنان ذائقته للعالَم من حوله، وهو يأخذ من الواقع ما يصعد به. أي حيث يكون واقع الفن غير محاط به، ولهذا، يكون الفنان الذي يمارس لعبة تخييلية، يحيل الواقع المتمثل في لوحته، إيقاظاً للواقع غير المتنبه إليه، وتنبيهاً إلى قدرات جرى اختزالها، كما هو المقدَّر في عالَم اللوحات التي تفجّر فينا قوى، للمكبوت المتنامي بعائده الاجتماعي والنفسي، ذلك الدور الينبوعي في استقطاب الآخرين، وليكون الفنان صانعاً" من نوع إلهي" أرضياً، في طرح كائناته التي ترضع من " ريشته " وفي عالمه الذي يتوقف عليه دون غيره، حيث الواحد فيه كثير وكبير بما لا يقاس .
اللوحة الفنية لحظة الدخول في حمّى السؤال عن وجود، نكون قد أقصينا ونقصى عن الحاضر العابر، الحاضر الوقتي المجزأ، وبكل ما هو مصنَّع مجتمعي.
في متابعته لرؤية دريدا للفن" الرسم، يعلِمنا بيير ديلان بما يفيد حول مصير اللوحة وكونيتها:
( الرسم دائمًا تساؤلٌ عن إمكانيته. هذا هو حال الصورة الذاتية، التي لا يُدرك وجودها إلا من خلال دليل، أو عنوان، أو استحضار للذاكرة (وهي غير كافية في حد ذاتها) - من قِبل المشاهد، الذي يُكلَّف بدور المُفسِّر.)!
السؤال هو اليقظة الاستثنائية والفريدة من نوعها داخلاً من الداخل الذي ينحت في صخرة الواقع، ويطوّعها لمأثور ريشته، وهو يفجّرها ينبوعاً. حيث تكون ذاته المعززة بالقوى المرافقة، والسائرة إلى زمنها الجدير بأن يحمل اسمه، أن يكون له معنى من خلاله .
7
اللوحة جنس، ولا أكثر منها أنواعاً. لا لوحة تضمن سوية المسند إليه كلاماً. أي تفسيراً للوحة. حتى لو كانت طبيعية. والرسام نفسه لا يعطى ذلك الحق الذي من خلاله يقدّمها بالمواصفات التي تشكل تشريحاً لمكوناتها. لأن في ذلك تغييباً للملهِم التخيلي لديه.
ولتكون اللوحة التي تنسَب إلى حقول فنية: كلاسية، انطباعية، سريالية، وحشية، تعبيرية...إلخ انفتاحاً على لاتناهي المعاني، واستشرافاً لذلك العالم المحمول، بكامل عمقه وعراقته في الداخل .
لنعاين جانباً من لوحات، تتقدم إلينا برموزها، بكائناتها التي قد تلتبس على مشاهدها، حيث الملء والفراغ يتقاسمانها، وانطلاقاً مما يقوله هنري ميشو:
"أردت أن أرسم وعي الوجود وتدفق الزمن."
إرادة الرسم هنا لا صلة لها مباشرة بحياته اليومية، ثمة الآخر الطليق المحرر مما يخصه في ليله ونهاره، في حسيته المباشرة، حيث الحس مجسة ذات استشعار عن بعد، بأبعاد تخرج عن مألوف المكاشفة، وتسمح للمعايشة الذوقية بالتنامي قدّر تفاعلها مع اللوحة، قدر انبنائها حيوات تلهم الحياة نفسها.
لوحتان مرسومتان لميشو..يمكن للمشاهد أن يقول فيهما الكثير، ولكن اللوحتين لهما مسار آخر، حتى بالنسبة لميشو نفسه. لأن لاوعياً يكون له بالمرصاد، ذاكرة بصرية استثنائية تولت مهمة الرسم، بزمان معلوم، لكنه مكثف، فكان ما كان. الرؤية محاورة للمرئي. وحده الصمت ظاهراً هو الذي يرينا بنية العلاقة المعتبَرة، وصدى سر لا يُسمى يتردد في الداخل. إنها لذة المرئي ، محررة من ماديتها. ثمة خلاف للمقصود هو المقصود بالنسبة للباحث في أمر اللوحة، في مقامها حضورَ لون، وحوارات خطوط مذابة في الداخل.
ذلك ما يمكن تبينه في لوحتي هانتاي ولانسكوي
سيمون هانتاي ولانسكوي، فنانان مسكونان بشغف الخطوط وهي تتقاسم العالَم ملئاً وفراغاً، حيث سلالة جنس اللوحة ذات الأنواع التي تفيض بعوالمها ترينا دائماً ما لم يُر بعد .
هذا تعبير لوني مكثف، ينطوي على استحالة تمثيل الفن لما يسنَد إليه من خطاب القول، أو من تنظير، أو أي مقاربة نقدية في مضمار المقاربة الدلالية للمنظور إليه داخل اللوحة، حيث الخارج مترامي الأطراف، وفي مقدور الفنان أو المشاهد، الإسهاب في القول الذي يكون الفن خميرته، لكن ما لا ينبغي تجاهله هو مدى استمرارية اللوحة الفنية بحمولتها الرمزية التي تنبع معاني تترى، وهي ، وإن كانت اللوحة ترمي بظلالها عليها، سوى أنها تظهر جانب المسافة الفاصلة بينها وبين المشاهد وما يقوله عن نفسه بتأثير منها.
أندريه لانسكوي
8
ماذا لو أشرنا إلى مثال آخر، يخص مسمى " الانطباعية، في لوحات ثلاث، لها أسماؤها المعتبرة، وفنانوها. إنها عوالم فنية، لا تخفي غواية التعبير اللوني والمساحات المأهولة بإشاراتها، في هندسة مكانية أكثر إيفاء بالمشتهى، مما تقدم .
ما يقوله جان كوكتو ، يسهم في تنوير جانبي، في رفد الفني بلا مسمى ومؤثر فيه:
عملية الرسم تتطلب طاعة شديدة تُصبح تنويمًا مغناطيسيًا. إنها تُبعدنا عن أنفسنا لدرجة أن الزمن والعالم من حولنا لم يعدا موجودين.
تلك هي مقايضة ذاتية التكوين، بين الفنان بوصفه كائناً حياً زماناً ومكاناً، لحماً وعظماً وروحاً حية، والفنان الذي أسلس القياد لمتخيله، بطريقة معينة، ووهب روحه الذاتية لما هو جمالي يتعدى الحدود الحسية المباشرة للموجود. إنه الوجود توقاً إلى الأبدي فيه .
الفنان يرسم لوحته، يسندها إلى ماض، لكنه ماض قُدُماً إلى الأمام، هو ذاك المشاهد الذي يمتلىء بطاقة جذبية، تشده إلى اللوحة وصنعة الإيقاع المشتهاة في فضاء اللوحة، رغبة في التحليق بما هو داخلي، لكأنه متخلياً عن لغته، يلوذ بالصمت حباً بالديمومة.
فان غوغ: شرفة المقهى في المساء
كلود مونيه: مسار الحديقة في جيفرني
ادغار ديغا: صف الرقص
لا يهم جنس الناظر. الرهان في اللامسمى. رغم أن المشاعر تتنوع، أن المواقع تتباين، لكن اللوحة الفنية، تكون محرَّرة من جنسيتها، من اللحظة التي أطلِق فيها سراحها، وقد شبت عن طوق الزمني وساعته. لهذا، فإن الفنان الذي يتعامل مع ألوانه، جل ما يرومه، وهو في توحده النفسي، أن تكون شفيعته، أن تكون انتقالاً له، لزمن مائز، يمتلىء بما هو أبدي، خارج المتداول اليومي، ليكون تأريخاً من نوع مختلف لتاريخ يعنيه.
لهذا، فإنه ما ينهي لوحته، وقد أودعها شحنة من دفقه الروحي، يكون قد أمَّن على نفسه، على اسمه الآخر الذي يتوقف عليه، يكون مشاهد لوحته المغمور بتلك الهالة الينبوعية التي تستغرقه، وهو يعيش ذاتاً أخرى بفضيلة المرئي ، في سؤال وجود يخشى موجوده، ليكون مقيم وجود، لا يعود جرّاء هذه النشوة الفنية الطابع، وبمأثرة اللوحة النابضة بأبديتها، إلا ذلك الكائن الذي ينسلخ عن موجوده الفاني داخله.
ماالذي حدث ويحدث؟ لعله رماد اللوحة الذي يشتعل بكائنه، على قدْر امتلائه بحرارتها،فيروّض فيه ظلمته!