د. سيد شعبان - يوم عبور جديد.

لم أكتب بعد كل التفاصيل، كنت يومها صغيرا، أتذكر أين سارت قدمي، مثل الصغار كنت أسعد بالحلوى؛ لها سحر عجيب وإغراء لا يقاوم، لا أخفيكم سرا كنت حالما بالغد الجميل، أطالع صفحة القمر، خلته يرسل إلي بتحيته كل ليلة؛ ولأنني بريئ تخيلته هكذا، امتدت بي السنوات حيث تتغير معها ثيابي، لم أجده معي، افتقدت ذلك الشعور بالطيبة، تربص بنا، سرق منا أجمل ساعات القمر، يرتدي دائما القناع، لم أر وجهه، تعددت التأويلات؛ أهو إنسي؟
أم تراه شيطانا رجمته يد الصالحين ؟
تغافلت عن البحث عن سره، بدأ يقلقني، تضايقت في البداية كان يقطع علي نومي، يأتي في سكون الليل، نعم هو الشيطان، الثياب تهرأت، حتى صوت المذياع صار واهنا، تغيرت لهجته، لم أعد أسمع ذلك الصوت النقي، أخبرني ذات ليلة عبر رسالة اخترقت نومي كانت مثل الكابوس، هزأ بي، لعن كل أفكاري، لونه يصعب علي أن أصفه، مخادع هو !
أصابني القهر والوجع، صار شعر رأسي نخالة بيضاء، لم أعد ذلك الفتى، السنوات مضت سراعا، لكن الصغار تقاذفتهم أنيابه، استطاع أن يلوث فطرتهم، كبروا، تلك حقيقة لا مراء فيها،إنهم مثل الدمى يحركها بزر غير مرئي!
انتبهت بعد أربعين عاما، نظرت في ذاكرة الأيام المعلقة على الحائط المبلل بالفقر، السادس من أكتوبر.
أحقا ؟
أنا كبرت، لكنه ما يزال يغتال ساعات الصفو رغم أنها تباعدت، إنها مملة ، كنت أجهد أن أهرب منه، كان يعرفني، بل بصمة وجهي ما فتيء يميزها، أخيرا تبينت أن له جريمة كل آونة.
كنت واهما تخيلته قويا ، كان مثل خيال الظل الذي غرسه أبي ليخيف به الغربان، لكن ويا للأسى ارتعدت منه العصافير، هاجرت وسكنت الحقول تلك الحماقات، من جانبها أخذت تسيطر على كل ناحية!
الآن تحرك خيال المآته، في الحقيقة هو خيال المتاهة، بانت حقيقته، إنه يقف عند منعطف الطريق حتى ما عادت الأطفال تمر من هذا المكان، أخنس من شيطان، وأشأم من مجرم عاد، إنه نداهة في كل آونة تظهر وتخطف الحمل الوديع، غاب الراعي الصالح، اشترى أمانته "طيطس" أعني يهوذا، فكم من مسيح بيننا!
لكن ليهوذا ألف وجهة، حاولت كثيرا أن ألوذ بالفرار، تسمرت قدماي فجأة؛ الطريق وعر ،الجنود بالمنعطفات، ما حيلتي!
كمنت عند أول شارة مرور، أمسكت بقلبي جيدا، تشجعت، كان العبور صوب الوجهة الصحيحة.
حين جاء الليلة الفائتة، كان ضحكه عاليا، سخر كثيرا، يبدو أنه مزق كل الوثائق، تبينت من نبراته الصاخبة أنه ثمل، أخذ الهذيان يلعب به في شوارع الحارة الباهتة، في اللحظة التي ظن أنه بمقدوره أن يحيل واقعنا كابوسا مؤلما، لعن كل الصالحين، نال من الصحابة ، ذكر واقعاته الملطخة بعار الخيانة، كثيرة هي، أشرت إليه أن يصمت كفاه تدليسا،أمسكت بخناقه ، استحال في يدي كالعهن المنفوش، لقد كان خيالا من خبال، تناثرت بقاياه حتى أضات عتمة الليل المسدل ثيابه!
ساعتها وجدت الشيخ المنشاوي يتلو : "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون"
انبثق من كوة الباب نور أضاء لي ذلك الظلام.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى