شاعر ثلاثي اللغات: الكُردية، التركية، والفرنسية: شيخموس داغتِكن النقل عن الفرنسية مع التقديم: إبراهيم محمود

1759816621066.png


لغاتي تعشق بعضها، وأنا أحب لغاتي. الكُردية، التي فتحت عينيّ على الطبيعة، والتركية، لغة تدريبي، والفرنسية، التي أطلَّت بي أكثر على العالم. لكنني أقول لنفسي إن النفس يسبق الكلمة. إن هناك شيئًا فينا يسبق الكلمة. وإن الكلمات لا تحتاج إلا إلى ترتيب نفسها وفقًا لاحتياجات هذا النفس. نفَسٌ مشترك للبشرية جمعاء، يمتد من جلجامش، ومن هوميروس إلى كافكا، إلى بورخيس، وهكذا دواليك.
لذا، فأنا أسكن أصوات لغاتي وإيقاعاتها، وتقلبات هذا النفس وجغرافيته، وما أكتبه بالفرنسية يتغذى، بالطبع، ويجتاز هذه الشحنات والتدفقات والتجارب.
شيخموس داغتكن


تقديم المترجم
من حق الشاعر أن يتكتم على عمره. أن لا يجيب السائل عن تاريخ ولادته، بوصفه أكثر حضورَ اسم ، من غيره من ممارسي الكتابة الإبداعية والفنون، نظراً لأن الشعر هو أكثر عراقة مقارنة بضروب الكتابة والفن تاريخياً. وحده الشعر، شعره يتكفل بتحديد عمره، من خلال سعة مداه، وقدرته على تمثيل ما هو حياتي، لهذا لا أكثر من ولاداته في الحياتية، من تنوعاته العمرية شعرياً. إن كل قصيدة تستطيع لفت الأنظار إليها، وعلى قدْر قابليتها في الامتداد إلى المستقبل، يحق لها أن تكون شهادة ولادة أو حتى موت ما له.
أن نطرب للشعر، يتأتى من ها السر العميق أبعد من كل تقدير حسابي، هو أن داخلنا ما هو كوني،قوى ترينا ما لا يراه الآخرون، وتلك هي اللحظات المتتابعة، والمباغتة، لخاصية مخاضات ولادات إبداعية لهذا المسمى: الشعر، وما لا ينفد منه وفيه جمالياً .
ربما كان شيخموس داغتكن Seyhmus Dagtekin، أو كما بات اسمه يقرأ هنا وهناك هكذا" سيموس " الكردي الأصل، وبلقبه التركي، ومن مواليد " 1964 "، وفرنسي الجنسية، حيث هاجر إلى فرنسا"ه" مأهولاً ببذرة الشعر المعتبَرة، سنة 1987، ليجد هناك من يصغي إليه، وليضف إلى لغته الأم: الكردية، واللغة الرسمية للدولة " تركيا " التي خرج منها، واللغة الفرنسية وقد منحته المدى المجدي لما كان يبتغيه، ولتكون موهبته في قول الشعر خصوصاً، حصاداً يتنوع بأصداء لغات ثلاث: الكردية، التركية والفرنسية، ممارسية قولية وكتابية، وما في هذا الإثراء الثقافي والانفتاح النفسي، ومرونة الإرادة على معايشة لغات، أرى فيها ما هو إنساني، وأودعها، ومن خلالها ما هو ممزَّق، ومفتَقَد إنسانياً، ولتكون في ثالوثها الأدبي: الشعري، في الواجهة، ترجمة حية لروحه التي تستوعب عالماً بكامله.
سوى أن الفرنسية كانت أكثر تعبيراً عما كان يصبو إليه، وعما يمكنها تمثيله باسمه، من خلال ثقافتها وأهليها، وخارج فرنسا.
ثمة لغة تعنينا، نحبها، ونتشبث بها، لأنها تعرّف بنا في حدودنا الأهلية، وفي دائرة تأكيد هوية لها صلة بكينونتنا في الوجود قيمياً، حال الكردية، ولغة تلعب دوراً مزدوجاً في نسج هذا المعتمل داخلنا: مشاعر وأحاسيس وهواجس ورغبات شتى، والخروج إلى عالم أوسع، كما لو أنها نقطة ارتكاز وتوازن، لبلوغ الأبعد منها في إضاءة مفهوم الذات، وصورة الهوية، ولغة تكون في انتظارنا، ولأكثر من سبب، تستجيب لنداء المشتهى الذي تأجل داخلنا كثيراً، والمنشود الملجوم الذي ضيّق الخناق على حقيقته كثيراً، من خلال مفهوم الهوية التي ترجعنا إلى النبْت العائلي الأول، وتفسح في المجال الذي يهيئنا لولادات يحتفى بها على قدْر المعزَّز زمنياًن حال الفرنسية هنا.
في الحديث عن التوازن، ليس بالأمر السهل، ولكنه الشاهد على قدرة الشخصية المتشكلة في نسج هوية أدبية: إبداعية تحلّق فوق الهويات الضيقة، فوق السياج الشائك والمؤلم، لما يروّج عنها، والتعتيم على حقيقتها، والسعي إلى تطهيرها، نفسها، من " انتاناتها " الخانقة.
من المؤكد أن الشاعر ليس قاضياً يحاكِم الآخرين، باعتبارهم ملبَّسين بأكثر من جرْم مشهود، ليس محامياً لدراسة قضية ما باسم جهة أو شخص ما، ليس مؤرخاً وهو يسمّي وقائع وأمكنة وسواها، ولا كان رحالة تاريخ، أو دعوياً فيما يقول ويسعى إلى تحقيقه.. إنه دون كل هؤلاء، ويتجاوزهم، وهو يوقظ نفوساً، في أوقات مختلفة ودون منبّه مباشر، دون جرس إنذار، يباغتهم دون أن يطرق أبوابهم، يدفع بهم لأن يكونوا غير ما كانوا عليه قبل سماع صوته، أو قراءة ما استشعره، يضعهم في مواجهة مسئوليات تعنيهم وتضيء داخلهم عوالم، وعما كانوا غافلين عنه، دون أن يحرّك سبابته، يقرّب بين نفوس بينهم غاية التباعد، في كونية الإنساني فيهم، بما أنه اكتسب القدرة الخاصة جداً في كيفية الدفع بالكلمات لأن تحيل الصمت إلى أكثر من دوي الجامد، أكثر من مجرد إيقاظ المشاعر وإظهار سريان فعلها غير المباشر داخلياً. من هنا، وهنا تكون خطورته، ويظهر دوره غير المعلَن عنه، غير المكلَّف به في بناء مجتمع وتنويره، والثناء على المخفي فيه وتمثيله دون ادعاء.
وهو ما يمكن تبيّنه في الذي اخترناه، أعني: في الذي استوقفني، في الذي دفع بي لأن أقدّمه هنا مترجماً.
ألم يقل الشاعر نفسه :
(أحاول أن أسكن نفسًا، تعايشًا، وأن أفعل ذلك من خلال لغاتي، دون أن أبتعد عن أولئك الذين يسكنون لغات وجغرافيات أخرى. أن أُنشئ روابط داخل هذا التعايش وأختبرها بعمق. كافكا، دوستويفسكي، أرتو، دولوز، ورومي جزء من لحمي ودمي. ولكن حرفيًا. أقول لنفسي: كما أنتمي إلى الإنسانية، فكل ما هو إنساني ينتمي إليّ.).
كما لو أنه يردُّ بطريقة لا تخفي خفة دمها، إنما أيضاً ما يتركز على بؤس التباهي بلغة ما، تسييدها على ما عداها.
إن مجرد الحديث عن هذا الكردي، ولحظة خروجه من تركيا"ه" التي لم تكن له، طالما يعرَّف به إكراهاً تركياً، ويتحدث التركية قسراً، وهو في غضاضة شبابه، سنة 1987، دال، على مغزى الخروج، لتنفس هواء الحرية الطلق، وإطلاق سراح مكبوته التاريخي، الاجتماعي، الثقافي، النفسي، والكينوني في العمق، صوتاً يحتضن أصواتاً، أكثر مما هو كردي فيه، ومن خلال اللغة التي يحاول الفصل بينها كلغة، وكعلامة على قهر سياسي، وحيوية هذا الإجراء ومضاء فعله في الحياة ولقاء الآخر: المختلف.
إن مجموعاته الشعرية، ووجوه الاهتمام بها، أي بإبداعه الشعري، والجوائز التي نالها لهذا السبب،في فرنسا، أكثر من غيرها، تستند إلى تلك الروح التي تمضي بكامل حمولتها النفسية والاجتماعية إلى لقاء الآخر، والتعايش معه، وعدم الاكتفاء بإتقان لغته، وإظهار مجرد التأثر برموزها الأدبية، والشعرية ضمناً، إنما تأكيد خاصية جذب الانتباه إلى صوت يعنيه، ولغة مصاغة باسمه، وتلك بصمته.
كما في عناوين مختلفة له:
شرايين الشمس، لارماتان (1997)
الليل عند النبع ، روبير لافون، 2004
زمن الفعل، القندس النجمي - كتابات من الحدادين (2001)
ألوان السماء المكشوفة، القندس النجمي - كتابات من الحدادين (2003)
اللسان الملدوغ، القندس النجمي - كتابات من الحدادين (2005)
مجرد جسر بلا نار، القندس النجمي (2007)
في قاع قاربي، الفكرة الزرقاء (2008)
مراثي لأمي، القندس النجمي (2013)
ثمة نبرة تأمل في كتاباته، إنما عن بعد، وبعيداً عن لغة الخطاب المباشرة، بقدر ما يكون هناك النظر في مأساة كونية، تتهدد الجميع، دون أن توحد بينهم، حيث إن الإيحاء، ومن خلال مفهوم التلميح يمارس دوره ببراعة، وفي صور لا تخفي جدتها وتألق التخيل فيها. حتى في مسار النثر، يبقى للشعر، ووهج المستدعى فيه، ما يبقيه في حسالب كل قارىء له، وهو يقتفي ظله كشاعر في الصميم.
ألم يقل هو نفسه بهذا الشأن:
"أقول لنفسي أن العالم ، هذا ، مثل المرجل ، وأن الفن ، الكتابة ، هو مغرفة. كلما طالت مغرفة ، كلما كان بإمكانك تحريك الأموال وحدود المرجل ، كلما تمكنا من تحريك الأموال وحدود الوجود.
هذا هو الرهان الذي أقوم به ، والمعنى الذي أسعى إلى إعطائه من خلال الشعر والكتابة: حاول إطالة ، وتوسيع مغرفةتي قدر الإمكان ، ووسائل التحريك ، ودفع معظم المعرفة والتعطيها لسماع أغنيتها.
بالنسبة لي ، كل مجموعة هي تجربة هذه الحدود ، من حدود ما يحيط بي. كل مجموعة هي هذه الدفعة التي أحاول ممارسة الرياضة وأيضًا ما أعيده كشهادة ، والتي أعطيها في المشاركة للقارئ لتقديم رفقة على مسارات الوجود. »
ومن هذا المنعطف الكبير والمؤثر، تقول كاتبة في روايته ذات النسب الليلي:
عندما يكتب شاعر عظيم مثل سيموس داغتكين روايته الأولى، تبقى شعرًا، وقصيدة عظيمة. قصيدة طفولة في قرية كردية تائهة في الجبال. طفولته. في طفولته، في قريته التي بدت له شاسعة، كان محاطًا بشتى أنواع المخاوف. خوف من الذئب، خوف من الليل في وضح النهار، خوف من الليل المظلم الذي لا قمر فيه، خوف من الوحش الغامض الذي لم يره أحد قط ولكنه يخطف الناس، خوف من الوحوش، من الجن، تلك الكائنات السحرية التي قد تكون شريرة، خوف من التنانين التي تسكن الينابيع التي يُرسل إليها لجلب الماء، خوف من السلاحف والثعابين، خوف من مخاوف والدته.
في هذه البيئة التي تُسجَّل فيها أفعال الجميع، وحدهم الكبار يملكون تفسيرًا لكل شيء. أخبرونا أن الأرض والماء، وحتى الريح، تحتفظ بآثارها، بذكرى الأعمال التي جرت بحضورهم. يعرفون الأدعية، والصلوات ضد الذئاب، ويفسرون العلامات، ويملكون مفاتيح الأسرار. وهكذا، فإن النجوم، وأقواس قزح، والفصول، والغبار، والجداول، لا تحمل سوى القليل من الأسرار لهم، وهم الذين تغلبوا على مخاوفهم. إنهم حُماة الحكمة، بينما يحرس الله والملائكة هذه القرية الفقيرة التي كثيرًا ما تعاني من المجاعة.
يروي الطفل حياته كسلسلة من الطقوس، تُؤدى دون انقطاع في فضاءات المعروف، والأقل شهرة، والمجهول - الأكثر رعبًا عند الاقتراب - حيث يعيشون. كسلسلة من أعمال الشجاعة، وغزواتٍ للعالم لتحويله إلى أرضٍ للعب والمعرفة، تُوِّجت بوصول مدرسةٍ وتعلم القراءة والكتابة. رؤيةٌ سحرية، بل صوفية، للعالم وآلياته، لحياة الأحياء والأموات، تتقاطع طفولة الكاتب مع كل الطفولة. يمكن قراءة نصه على أي صفحة، مُعطيًا انطباعًا بأنه كتابٌ دائري، بلا بداية ولا نهاية، أغنيةٌ مُتكررةٌ ترسم المساحات المتعددة المُخصصة للأحلام، في جملٍ وفقراتٍ تُشبه رحلاتٍ عديدة.
ولنا أن نورد بعضاً مما يفيد هذا الجانب بمقتطف من روايته " الليلية هذه، وأصداء التخيل العالي تصويراً:
عندما كنتُ صغيرًا، كانت حياتي تتكشف في هذا الفضاء الشاسع، الذي مضت عليه آلاف السنين على الأرض. هذه الأرض التي حملت كل الألوان في أحشائها، وسقتنا بها حسب الفصول أو تقلبات الطقس. هذه الأرض التي حملت كل السلاحف على جنبيها. هذه السلاحف التي لم تكفّ نظراتها عن سرد ذكريات الحجارة التي لا بد أن أجدادنا رموها على أصدافها عندما كانوا في مثل أعمارنا. كانت تُبرز أعناقها، جافة، مُتجعدة، قديمة كالأرض، وتتبعنا بنظراتها الرقيقة، وحركاتها البطيئة والرشيقة، عندما لم نُخيفها بلفتةٍ مُفاجئةٍ عدائية.
نحن جميعًا من الأرض، وإليها سنعود، هكذا أخبرنا الشيوخ. واقتربنا من السلاحف التي امتزجت، في مشيها المنخفض القريب من الأرض، بالتراب والحصى، ودعونا لنراها أقرب إلى الأرض، لنرى الأرض عن كثب.
فلتكن السلاحف من الأرض، إن لزم الأمر. ولكن كيف لنا، بلحمنا ودمنا، أن نكون من الأرض؟ كنا نرى بوضوح أن العنب والتين والإجاص قد انبثق من الأرض، أو على الأقل أن الكروم وأشجار التين والإجاص واللوز قد غُرست في الأرض. بدأت ثمارها تجف بمجرد سقوطها من أغصانها، وعندما تعفنت، عادت إلى الأرض، عادت إلى التراب. وينطبق الأمر نفسه عندما مرت عبر أحشاء السلاحف أو البشر. لكن كيف يُمكن للبشر، وحتى السلاحف، أن يكونوا من الأرض، وهم يسيرون عليها، ويرتفعون منها، ومع كل خطوة ينفصلون عنها ويحاولون وضع أقصى مسافة ممكنة بينها وبين الأرض؟ ظل هذا لغزًا بالنسبة لنا.
سيهموس داغتكين، شاعر وروائي، وُلد ونشأ في قرية كردية في تركيا، ويعيش في باريس منذ عام ١٩٨٧. يكتب بالتركية أو الكردية أو بالفرنسية مباشرةً. نُشرت كتاباته في العديد من المجلات، وأُدرجت في مختارات أدبية.
"بالنسبة لي، الكتابة والفن هما احتضان جميع الكائنات بنظرة واحدة، من أصغرها إلى أكبرها، لتأسيس طريقة مختلفة للوجود معًا.
الهرب من صراع السلطة والهيمنة للدخول في علاقة حب حيث يكون الآخر هو شرط وجودي."
أو حين يتحرى ما وراء المحسوس، وبالمحسوس يصوغ ما يغفل عنه المسكون بالمحسوس نفسه، بطريقة غير متوقعة، تعبيراً عما يكون الشعر في قول ما لم يُقَل بعد:
كنت صغيرًا. قريتي صغيرة، علمتُ ذلك لاحقًا. لكن في صغري، كانت كبيرة بالنسبة لي، كبيرة بما يكفي لتخيفني عندما أضطر للانتقال من طرف إلى آخر.
كان الأمر كما لو كان عليّ عبور سبع دول وثلاث قارات، بحار وجبال كثيرة. كما لو كنتُ أدور حول السماء العالية والأرض العميقة. كل مئة متر، كنتُ أغير أرضي، وأغير جلدي.
بدوري، كنتُ الجار، ابن العم، الغريب. كنتُ ابن العدو، ابن الخارجين عن القانون، طفلًا تائهًا، تائهًا أو شبه تائه، يحاولون إعادته إلى درب العودة أو مرافقته إلى والديه عندما يدفعه اللطف قليلًا. كانت مشيتي، وكلامي، وصيحاتي، أو دموعي تتغير تبعًا لأيٍّ منّا كنت، سواءً كنتُ ذاهبًا في اتجاهٍ أو آخر. كانت نوبات الغضب، وصيحات الفرح واللعب، تتلاشى تدريجيًا لتحل محلها نظراتٌ خائفة، وانطواء، وقلق، وضيقٌ عندما تكون الرحلة من منزلنا إلى القرية، وينقلب اتجاه المشاعر عندما تكون الرحلة في الاتجاه المعاكس، من الخارج إلى منزلنا.

بالطبع، كان هناك منزل عمٍّ فلان هنا، ومنزل عمةٍ فلانة هناك، واحاتٌ على طول الطريق، تُنير وجوهنا بابتسامة، وتطمئننا لبضع خطوات. لكن الأمر مرّ سريعًا، واستمرت الرحلة في أراضٍ أخرى حتى أوصلتنا إلى جنة منزل جدتي، والدة أمي، الموعودة في الطرف الآخر من القرية.

الصديق، العدو، الغريب، الأليف والبرّيّ، الحقل والغابة، الوادي والجبل، هكذا امتدّت على طول أربعة كيلومترات وعرض كيلومترين، قطعتها في جميع الاتجاهات بسهولة متزايدة كلما تزايدت المسافة التي أستطيع قطعها بخطوة واحدة.


مختارات شعرية
لقد اقتفيت أثر كاتبنا وشاعرنا ثلاثي اللغات، والكردي الاصل في منابر كثيرة، وبالفرنسية، وتبيّن لي، ذلك الاعتبار المعطى له فرنسياً، ومفارقة العلاقة هذه، أي كيف يمكن الاهتمام به، لأنه ثروة اجتماعية وإنسانية بامتياز .
واطلعت على كتابات عنه، ومقابلات معه، وقصائد وأنصاف قصائد منشورة له في مواقع مختلفة.
وما أورده مترجماً هنا، حصيلة هذه المتابعة والاختيار، وهي في تنوعها، ليكون أكثر قرباً من ذائقة القارىء هنا. إنما هناك ما أراه مناسباً قولَه، وفي بعض مما أعتبره ضرورياً إزاء كتابة إبداعية مختلفة:
لا يُقرَأ المنشورُ هنا من قبل من يريد أن " يطرد " النوم عن عينه. فالمنشور هنا إيقاظات داخلية معممة.
لا يقرأ المنشور هنا، من قبل من يبحث عن تسلية عابرة. فالمنشور مقام على زمن مفتوح لكائن مختلف.
لا يقرأ المنشور هنا، من قبل طالب ساخط على من حوله، أو مكتئب. فالمنشور هنا يتطلب انفتاحاً نفسياً بكامل قواه ، تلك المرتبط بإنسان مشدود إلى عالم أجمل وأرحب مما هو عليه .
لا يقرأ المنشور هنا قبل الطعام أو بعده، لا صباحاً أو مساء، كما هي التعليمات الطبية الدوائية، إنما حيث يتم الشعور بزمن مغاير، بجسد مهيأ لسماع صوت يصعد به عالياً، أو قراءة يتنفس عالماً لم يعهده سابقاً.
لا يقرأ المنشور هنا دفعة واحدة. ليس من شرط لقراءة من هذا القبيل. ربما على مراحل، ربما دفعة واحدة، لمن يتفاعل مع نداء لقاء الأكثر شعرية في العالم، والأهم : لقاء روحه التي بها يرى روحه وهي تحلّق به:

نحن على الأرض مع ذهابنا وإيابنا
الذي يحرق أقدامنا مع كل خطوة
أفواهنا جافة في سعينا وراء النهار
نحن، لاهثون، نطارد هذا الكلب
يا أعمى، رش قطرة ماء على هذه النار التي تحرق أرضنا
قبل خطوات هذا الكلب الضال
أي شجرة سأسميها بكرومها المدفونة؟
أي عشبة سأمضغها وأضعها على جرحك النيئ؟
أي جني سأثيره في كلامي (...)

***

عندما تُبعد نفسك عن الضجيج، لا تكتشف الصمت بالضرورة.
عندما تُقلم أغصانك، لا تُزيد بالضرورة من النسغ الذي يُروي جبينك.
***
عندما أقول لك،
كيف تنهض؟
كيف تسقط؟
كيف ستنهض؟
كيف ستتوقف؟
على أي قدم ستقف؟
عندما أقول لك،
عندما أمرّ بك،
عندما أمرّ بك مجددًا،
على أي صليب ستصعد؟
على أي سلم ستنزل
من مياهك العكرة
لتمنع أي جنة عن من يتبعك؟
(مقتطف من: بيتي الحربي )

***
في مقدمة مقال عنه استشهاد بهذا المقطع للشاعر:
يا أرض، جعلتنا عطشانين.
دفنتِ جراحنا في مقبرة السحالي.
شويتِ السحالي في فرن الظهيرة.
يا أرض، قرانا تركب خيولها وتطارد المكسرات.
***

لنخطو خطوةً نحو لغتنا الأخرى (التأكيد مني: الشاعر)
لنُشعل نارًا على رأسنا الآخر
لنُهزّ ضفدعًا على أرض أجدادنا
ولنضعه على جسدك المُسنّ
بينما ينفخ كلٌّ منا ليُوازن العالم على أطراف ألسنته.


***
النفس والشعر

"في البدء، كانت الريح تُطلق العنان كالمجنون على جدران الفراغ.
وكانت الأرض بعيدة.
وأرادت الريح أن تجد في هذا الفراغ شيئًا آخر سواها.
وهكذا هبت.
هبت بقوة وعنف حتى انفصلت قطعة صغيرة منها عن قلبها،
وعبرت هاوية الفراغ،
وهبطت في قلب الأرض
وأزعجتها بأنفاسها.

وهكذا ولدت الريح الشعر
ومنح الشعر النفس جسدًا."

***

لم أعرف قط كيف يتحول الماء إلى معرفة، إلى ذاكرة المعرفة.
وكان علينا أن نغمض أعيننا عما كنا على وشك ابتلاعه.
نربط مستقبلنا بماضينا من فم إلى فم.
بسوء تخطيط.
أن نحل محل ذلك الكاهن العجوز الذي دفن عصاه عند عتبة بيتنا.
[...]
لو استطاع كلٌّ منا أن يتحدث من مكانه، مواجهًا الآخر.
صوته الثابت، حتى لو علمنا أن كل شيء من حولنا يتغير.
لو استطاع كلٌّ منا أن يتحدث من مكانه فقط.
ما أريد قوله سيمر من خلالي أولًا.
أن أتأمل حيث.
لن يضطر أحدٌ إلى الاستماع إلى أحد.
لن يكون أحدٌ غيمةً فوق رأس أحد.
سيطرد كلٌّ غيومه بشمسه.
جسر بلا نار، ص ٨٣، لو كاستور أسترال ٢٠٠٧
***

ملخص
عندما تنسحب من العالم
العالم لا يتوقف
لا ينسحب
عندما تدخل العالم الواسع
لا تصبح واسعًا
عندما تحرم نفسك من الحشد
لا تشغل وحدتك
لا توسّعها
عندما تطرد نفسك من الضجيج
لا تكتشف الصمت
عندما تقطع أغصانك
لا تتزايد
النسغ الذي يسقي جبينك

***

الأرض لا تشعر

الطريق لا يذهب إلى أي مكان
لذلك أظل مختبئًا في العين
في الشجرة
خصلة صغيرة من العشب على حافة الطريق
سياج يؤدي مباشرة إلى العين
إلى عين العجل الذي يراقبني أمرّ من حافة الحقول كواجهة متداعية
على طريق الإمبراطور
وأنا وجيجي نندهش من كثرة طواحين الهواء على الطريق
من كثرة طيور النورس التي تظن نفسها أجنحة الطواحين
وتريد استبدال عيونها بأعيننا
لرؤية الألوان والأغاني كما يحلو لها
على وجه الإمبراطور المهين
سحابة واحدة، سحابتان، ثلاث سحب
كمية لا حصر لها من السحب ستطير بعيدًا عن الحقول والواجهات
لتأتي وتختبئ في أعماق عيون هي بالفعل طيور نورس
الممكن مستحيل آخر
يستغرق مضغه عمرًا كاملًا
دون أن يكون هناك ما يُرسم
ولا حتى تباهَ
ولكن هل تعلم أننا سننجو من هذا العالم؟
ربما ليس بأفضل حال
ولكننا سننجو
بإصرار أولئك
المقدر لهم الزوال
مع كل الوقت اللازم
لتجربة
الاختفاء
بمرور الوقت
***

من ديوان : حفلات التخرج

ما تمحوه هنا يختفي في مكان آخر
يعود للظهور مع تلاشيه
دون إلغاء مسألة الظهور
لأحرث الفراغ بطريقة مختلفة

في هذه الأثناء، أتحكم في آكلي النار
روبوتات البعوض الرهبانية
دوائر النقل اللاأدرية
أتحكم في المكان الذي تكثر فيه طيور العقعق
الرجال الذين يضربون نقّار الخشب بطيور العقعق
أحد أوائل الروبوتات التي حاربناها
أحد آخر الروبوتات التي سنُروضها
أقود أيضًا الروبوتات العضّة عند مخارج المدن
أتحكم في فتحات المدينة السفلى
لكي لا تنهض
لكي تبقى في الرأس نفسه
باحتمالاتها من البدن والهدر
التي ستنمو ببطء وتختفي في لحظة غيمة
بين مداعبتين وتهويدتين
لن نستيقظ بعد الآن على قدم واحدة، بنفس الزخم
سيكون لدينا وقت للتلاشي مثل حروف العلة في الرمال
في جيب صغير
متقدمون في الليل

حسنٌ مُولّد
من سينزلق من مكانه ويموت
عندما أكون بعوضةً في جسد إنسان آلي
أُشير إلى رؤوسكم مُنفصلة
أختفي خلف رؤوسكم وأجزائكم
ستغرق توغو في ضبابها
ستُحيي ذكرى الصغار
لصغار صغاركم الذين اختفوا مع الجحافل
من سيعود، لا نعرف بأي هيئة
ليشيخ في مكان من
في هذه الكلمة التي أختارها
شرطة الموت قبل أن يولد
وداع يرى نفسه ينمو في واجب
بينما ستسير الخيول وصغاركم على الضفة الأخرى
برغبة في إعادة الحياة وقول الأشياء مرة أخرى
للمضي قدمًا في حياة مؤامراتهم
بجلد الثعابين

من سيصبح على طول الطريق متحدثًا من بطنه
ولن يتمكن من نزع فتيل الفكر
هزائم الكلمة
من سيقضم الحكمة على النرد
ولن يكون أكثر من مجرد تصادم
في اليوم التالي
لا أستطيع أن أقسم
بمن يناديك
بمن ينزعك
يخرجك من أجنحة
أغطيك بجلدي
كان بإمكاني أن أنجبك
دون أن تدوم
دون أن أفهم
ما تبقى من الزمن

سنخرج يومًا من هذا الوجود
ليركض نحو نقطة سقوطه
مختبئًا خلف غابة قروده
بنفسه الذي لم ينتهِ
مثل حياتنا
ويسقط على الجانب الآخر من الحاجز
على الجانب الآخر من التين الشوكي
***
أنتظر سقوط العالم
ليخرج منه قبري
ليتناثر كلامي في الأصوات
ليغمر الكلمات بأصوات أخرى
ليختفي رأسي في العيون
ليتلاشى آخرون في نظرتي
أنتظر أصابعي وشعري
لوجوه البعض، وصراخ الآخرين
ليغرقوا بلا استمرار في المزاجات
ليتغير اسم التكملة
ليفقدوا أسماءهم
***
الجانب المظلم للغربان (مقتطفات)

قبركِ الجميل
ونظرة هذه العذراء المُفككة التي تتدفق في أحلامي
كما لو أنني عدتُ من موتي وولادتي
كما لو أنني أخرج من أفواهكِ الممتلئة نحو بؤبؤ عينيّ الرمادي أمام أعين أقراني
مع هذا التمزق المفاجئ لعنقي
وهذه السعادة التي ستخترق دموعي بعاصفة أواخر الصيف

يقفز صوتي في رقعة الأيام الواهية
يقفز على خدود هذا الجمال الفاني الذي يُهلوسني
ويعود ليحفر قبر جسدي
أُنهي حياة هذا الملاك، أدوس، أدوس نفسي
لكنني أبقى على باب حياة هذا الملاك
نظرته في نظري، فمه نصف مفتوح للمطر
الذي يعبر السماء في تمزقات هذه الطفولة المفقسة
أحرق لساني على عتبة قلبك
في حلاوة ملاك تحت مطر بلا سماء
مثل عمقٌ من نورٍ في أعماق قلبك

قبرُك الجميلُ المسكونُ بالغربانِ ودمائها الداكنة
خشخشةُ موتٍ في عذابها
تنفخُ أنوفُ الرجالِ في عظامهم، تُثيرُ عاصفةً، عاصفةً خفيفةً تُقرّبُهم من قبورهم
وتُعقّدُ رثاءَك
كما لو كنتَ عمقَ نوري

انطفأ نوري في الأعماق
لكن كيفَ لي أن أُخرجَ نفسي من جسدِ كلامي وأن أمتدَّ على هذه الأوهامِ الخاملة
التي تُربكني بجذوري
جذوري الثملة. جذوري المتسخة
جذوري الهائمةُ في هذا الخليطِ من اللحم
التي تبصقني هكذا من لسانٍ إلى لسان، من بابٍ إلى باب
وهذه الرغبةُ بلا غضبٍ في راحتي المارة
المارين
كقطرةِ مطرٍ في فمِ ملاك
***

"هذا لا شيء"
"هذه حبة كرز على رأس هذا الوغد"
"هذا، لن أقوله. لن ألمسه.
"قبل ذلك، خرجت من منجم.
وكان المنجم سعيدًا.
كنتُ حادًا جدًا.
وما كتبتُه بممحاة، كنتُ أستطيع محوه بأخرى.
كنتُ أستطيع ترتيب الكلمات على شكل سلالم.
لألمس الثلج الذي كان على رأسك.
لم أكن بحاجة لإخبار أحد.
ولا حتى حرف W الذي حرص على الشرف.
ألا يُكتب على نفسه.
لكنني وجدتُ أشكالًا كثيرةً له جعلته يشعر بالدوار.
نسيتُ عمدًا نقطة الـ I لأقف هناك.
وأراقب المارة.
حتى لو كان ذلك يعني عدم معرفة أي شيء.
عما ستبحث عنه.
لكن مهما يكن، سأستمر.
حتى تُرى كل كلمة.
في المرآة.
التي على الجانب الآخر.
حتى لو لم أكن متأكدًا أبدًا.
من أن المرآة ستصبح.
فخًا.
وتحبسنا.
من كل جانب.
***


في حذاء البائع المتجول
خارج الإطار، خارج الحدود، خارج اللقطة
دحض اللوحة المثقوبة
حب رجلٍ ملعونٍ مُحاطٍ بجدرانٍ في منزلٍ أُعيد فتحه
مُروى بأغنيةٍ رصاصيةٍ للجماليات والحياة
غرقت سفينةٌ بالشهوات
آخر هجرةٍ لروائح الجنس
حياةٌ جديدةٌ من نار. يا للمستقبل الجميل
الكلاب بالمفاتيح
وهؤلاء القناصل المثقلون بالزيف
على سطح الشيء الثالث عشر
رسالة في الحب في شمس بنات النار
قصيدة كاملة
لكن يبقى السؤال
/
لماذا تفقد الوردة جوادها بين أجنحة طائر القطرس؟

بيتي الحربي مدفون بباقة من الريش
ثقيل كدرب خشبي
لتدمير عالم الأشرار
في ارتجاجات كوخي
لا أعيش أبدًا بدون ألواني
لا أعيش أبدًا بدون نزهة تحت الشمس
سرير على ظهر سمكة تلتهم خوخة تسكنها ذبابة
تدور الإبرة مرتين وتثقب مسمارًا واحدًا
بهذه الحروف تلامس فمك

ما الفيل عندما تنزلق قدمه ويضطر إلى إفراغ نفسه بفوهته؟ ما هو الفيل الذي لم يعد يفرق بين قدمه وفوهته ولا يستطيع أن يضع مثانته الصغيرة في هذا الهدوء؟ هناك أنا، والبط، والحمام، وكلبٌ أزرقٌ فاقعٌ
أخضرٌ متعفنٌ بين الأوراق
يُفتَح في بحيراتٍ كثيرة
الوهجُ الطائشُ للكلبِ المُواجهِ للسماء
مُواجهًا للكلب
بطةٌ تخرجُ تدريجيًا من الماء
يُصبحُ الكلبُ حلزونةً في حلقك
تتبعه البطةُ والحمامةُ
وأنا أتبعُ الحلزونَ
كلبٌ يُكرّرُ مراتٍ عديدةً
هناك أنا الذي لا يعودُ للكلاب
في كلِّ الأراضي
الذي يُعلّقُ الأقحواناتِ على طولِ الأقمارِ
على ريشِ البطِّ الناعمِ

وكيفَ سيُحوَّلُ ضوءُ القمرِ إلى سياراتِ إطفاءٍ
سعيُ الإنسانِ في رأسهِ مع الغائبِ

تمر القطارات وأبقى على الرصيف.
يمر الناس وأبقى على الرصيف.
يمر الوقت وأبقى في الزمن الذي يمر
الذي يمر
دون أن أفارقه.

نهاية الزمن، حيث ينظر الجميع إلى ألفيتهم المكتملة بفكرة عن حياة تمتد إلى أنيابهم.
السجين الذي يسجننا.
كجزء ثانٍ في النفس.
قبعة القش، يا ابن إيطاليا المسكين.

أنا هنا. أنتظر. القدر. التقاطع. مشهد القدر ذاته. التقاطع. الذي سيولد مصائر كثيرة. عيد ميلاد صديق. يوم قاسٍ. مليء بالربح والخطط.

أنا هنا ولا أحد يهتم، كحصن سلتي، كقطة عفا عليها الزمن في قوافيها.
لكن، لكن، اهتموا بمصالحي، يا من تمرون دون أن يمارسوا حقهم في الانتقام.
حتى لو كانت البقايا من مخلفات الماضي. أفسد صورتي على الهواء مباشرة.
أواجه الشرطة الوطنية في حالة ذهول.
ثعبان أسود يخترق أبجدياتي.
ينحت لي بيتًا من الشعر.
ويدبسه كجملة في نظري.
حلاوة رومانسية.

آه، يا للكارثة، يا للكارثة التي يأس بها آباء إيطاليا بقبعاتهم القشية حيث لا يستطيعون حتى إخفاء رؤوسهم.
آه، يا للكارثة التي لا تطاق.
من الفأر الأسود الذي لا يستطيع الخروج من أي رأس.

طائر. طائر جارح. جارح، ذبابة، وبعوضة. سرب من العكازات بأجنحتها.
مسكين الوالد، مسكين الوالدين.
هيا، ارسم لي قارئًا للشعر. على الأقل في نهاية ملفه الشخصي
أن يُضيّع ثلاثة أضعاف الوقت بثلاثة أضعاف عدد اللغات

يا إلهي، يا له من وجه، يا إلهي، يا له من وجه لجاري
مُشبع جدًا، مُكتمل جدًا، مُحدد جدًا
ثقيل، جاد، غير مُضحك
يا إلهي، وجهي كقارئ
وجهي كمن يُخبر نفسه
كما لو أنني تجرأت على سخرية الزنبق في وجه جاري
يا قارئ

تجرؤ، تجرأ على التراجع عن الامتناع التالي في هذه المعاملة بالمثل الناقصة
في هذا الاعتماد الفظيع لكلمتي على رأسي ورأسي على الثقب الذي تخرج منه كلمتك
أفعى سوداء
من سعادة سوداء
ابنة فريسة
تجتاز الحواجز، وتجتاز الجدران
مثل ما يذهب مباشرة إلى القلب
ساحات الإحسان
مثل كوب شاي يطحن أسناننا
ويُضاعف كمطارد للماء العكر
للنزول من حافة هؤلاء الحمقى نحو وجوه شعر
كخطٍّ ينكسر في زحفه
جشعٌ كالوجه التالي، وجه التالي
أخاديدٌ وتنانيرٌ أريان
إلهي المشوه
الوجه التالي، فمٌ سليم
صحيٌّ بالدم، عودةٌ إلى هذه الأموات
لا أحدَ في مأمنٍ من نظرة التالي

يا إلهي، فليُشرق وجه الشعر كوعدٍ
في شفافية الجسد
***

دروب الليل

وهناك، أتوقف لأهمس لك بحزن
حبيبي يحزن
حبيبي إلى الأبد
إلى الأبد في الخطأ
قل مرة أخرى
قل مرة أخرى الجمل التي تشبه موتك
التي تجمعكما في الموت
حبيبي
ينفد من الحياة
ينفد من الخطأ
وحدة فأر في المستنقع
كنت أتمنى
كنت أتمنى أن تجتمعا في عذاب
الفأر
حبيبي ميت إلى الأبد
***

أغوصُ من جديد، فينحسر الماء، ويتطاير الرمل.
ثم نُسكبُ الانحدارَ الذي لم يعد ينتظر شيئًا من الحياة.
نكشفُ خوفَ الأحلامِ المضطربة.
جوعُ الأفواهِ العارية.
حزنُ الوجوهِ المُنهَكة.
ضبابُ الأراضي.
رطوبةُ المسام.
الغضبُ الذي لا يفيض.
حدودُ الأجساد.
أنا أيضًا ضدك.
أُصرُّ عليك.
لأجدَ في لعابي رياحَ الشمالِ وغبارَ الشرق.
ومن هنا الخونةُ، ومن هنا الماعزُ، ومن هنا الضباعُ.
الروبلُ ولحمُ الخنزيرِ المقدد.
من كان يعرفُ أين يجدُ الموادَّ الصلبة؟
أين يجدُ الفكوكَ؟
لملءِ القبورِ ومحاجرِ العيون.
نحنُ أيضًا، عندما يأتي اليومُ،
سنصطدمُ بالشعبِ بأكمله.
من سيكونُ لديهِ جوعٌ يسبقُ الحلم.
تبقى النعمةُ على طرفِ اللسانِ ولكن لا يُمكنُ تسميتها.

***

مقتطفات من "في قاع قاربي "

بينما آكل الأرض
تبصقني الأرض
يُلحّني الماء
للعودة إلى ارتعاشاتنا الأولى
كهذا السائل الذي يمرّ
دون توقف في دواماته

أنت أيضًا، دع نفسك تنطلق
وتساقط
تساقط هذه الحلاوة
قبل أن يبتلعك ضفدع
قبل أن يبتلع نورس الضفدع
في رمال اللسان المتحركة

كما يمشون على الماء
سيسحقهم الماء وهم يمشون

***
أنت ترى اللحظة. لا ترى العواقب
كظهرك للقمر
كصرخة لن تُقلّدها أبدًا
لكن ماذا تفعل عندما ينبح كلبٌ في البعيد، عندما تدخل سمكةٌ نومك مفزوعةً،
عندما يكون الثعبان حلمًا لن تبلغه أبدًا،
عندما يكون التعريشة جسرًا سيتركني في منتصف الطريق إلى حلمك

على أي صخرةٍ تريدني أن أتخلى عن العواقب حتى لو لم تعد ما أقوله
في جوعٍ للغة التي تسرقها مني

***

من
مجرد جسر بلا ضوء .

سنأكل الأحمر. سنأكل الأرز
لنضحك أمام ماكينات بيع الزهور
التي قد تخرج من جلدك
تغير جلدك
مباشرةً إلى الجوهر
لكن، في الأسفل، تحت السماء
التي قد تأخذ لون شعرك كله
تستقر في جنتها
بين كاحليك ووردة العسل

* ~ *~ * ~

أي، للوصول إلى الفراغ، عليك عبور الجسد،
دون إنذارات
معلقًا في طرف خيط
يترك طرفه الآخر يتدلى في الفراغ
ظننت أنني قد وصلت، ظننت أنني أعرف
للعودة والانتهاء
للعودة مكتملًا
كعيب
***


الأرض، السماء، السماء، الأرض
الأرض، السماء، الأرض
السماء، الأرض، السماء ... الأزقة
موتي في موت الآخرين
عند النوافذ التي تُحدّ حياتي
في حيوات أخرى، أرنب
تحت أسنان أرنب أخرى
كذكرى جحر
/
هذا الأنبوب
الذي سيربطنا
بالأرض

***

لسانٌ ملدوغ

هذي سمكة قرش. هوذا أنا الذي رأيتموه هناك. لم تتعرفوا عليّ. هي ذي سمكة قرش عارية. بالطبع، لقد خلقنا الإنسان. انظروا، عار ٍ هو! والآن سيرتدي ملابسه. سيبتلع شرابه. ها هو ذا، ليس لديك رداء. لقد ثبّته في مكان محدد.

لا، ليس رداءً. إنها عوامة ينفخها القرش بزعانفه.

مثل أسلافنا قبل الذئب. بين الماء وبيننا. بلا استمرار.
تليهم القرع والمستنقعات، والفكوك غارقة في الماء
خلف العربات، مغطاة ببضع شعيرات ونجوم.

لا، إنها ليست زينة. ظننتم أن أسماك القرش قابلة للذوبان
في العالم. ظننتم أن الذئب امتداد للقرش. هذه
حفنة رمل. فصلنا الماء عن الليل ليسكن كلٌّ في بيته، كلٌّ على حجره.
هناك، أرجوحةٌ تُثير الليل والشهوات.
وهناك، رأس القرش يدور حول الأرجوحة.
لا تنظر. مثل أسلافنا.

أُحرّك شعر مريم بالفقاعات التي تتسرب من جسدي لتمنحني ذريةً من كل الألوان، كصموئيل الخارج من ترابٍ ولسانه قوس قزح.
***
أنا عطشانٌ جدًا
أنا عطشانٌ فحسب
أنا مرآةٌ تُكسرني على عطشك
أنا زمنٌ يُخلّعني في عطشك
أنا شجرةٌ لا تُفلت من عطشك
أنا جسدٌ لا يبحث إلا عن عطشك في كل نقطة انقسام
كهذا السقف الذي يُصنع، لن يصبح إلا شعرًا
هذا الشعر الذي يُصنع، لن يصبح إلا قماشًا
قطرة ماء
في الكلمة
***
ألوان السماء المتشابكة (المقتطف الأول)

علينا أن نختار، كما قالت لي، بدلًا من أن نترنح من ضفة إلى أخرى.
أجد مأوى دافئًا وهادئًا لنباتاتي الباردة.
أبقَ، منصهرًا في جذورها.
تحت هذه السماء الصافية نفسها، تخترقها نبضاتٌ توسّعت مع الأيام.
جنةٌ شامخة تحت قدميّ، عالقةٌ في البعيد.
عيناي اليوم ترمقان قلبي غدًا.
مأوى، فراشٌ من القش، فراشٌ من الخشخاش.
كأسٌ وجذور. الحب والفساد على نفس المستوى المتدني
علينا أن نختار، قالت لي، من ضفة إلى أخرى
سيعود هذا القلب لينحني بنفس الكلمة
عاد هذا القلب من كل جانب، عاد من كل شيء
كالمرارة، بداية تذوب باستمرار في قلب الصيف العنيد
حياتي تتلاشى، وذريتي تتسلل إلى نباتات أجدادي الذابلة
هذا الضحك كشظية حجر، كهزة ضحك تقفز من رأسي
من ضفة إلى أخرى، والحياة، والضجيج، والدخان، وبعض زهور عباد الشمس ملتصقة بشكل فضفاض بقمر رأسي الغارب، من جديد
وعكة ما، في غير موضعها في العالم. هذا الظفر، في غير مكانه. مُكرر، مُعاد، مُبالغ فيه، مُلغى في مكانه
هذه الكلمة، لم تُمس في طريقي
من شاطئ إلى آخر، كما لو كنت أُبقي البحر في قبري
كما لو كنت أُشقّ قلب مقطعي
طعم ليمون، شاي فاسد، نعناع باهت
وهنا نعود، نتتبع خطواتك
هذا السعال الذي يطفو على السطح في فكرة عمتي الراحلة
طعم لا يُوصف للتمر، الكمثرى، الموز، التفاح
دخان بلا جمر، تبغ تحت الجمر
هذه الفقاعات، هذه الضوضاء
هذا الطعم المُنتشر للتمر في القلب، في خرخرة مقطعي
خفيف، هش، مُغطى بدخان التبغ تحت الجمر
هذا موكب الأرقام. هذه عودة الكلمة
والبحر دائمًا عند قدميّ
من شاطئ إلى آخر، قليل من الجنون
ريفٌ مفتوح، أصل الكلمة
من حين لآخر، صرخةٌ أجشّة، آيس كريم، آيس، ألماس
إطارٌ داخلي
وها نحن ذا ننطلق من جديد، تعود الحياة
ضجيج، حكّ
ويبدأ من جديد

ها أنا ذا، بين أقراني، هنا شعرٌ متدلي، رماديّ. عيون، شفاه، ابتسامة، جذع، أيادٍ في شعر
الكسوف، الغياب
الغرق، التشوهات، الألغام الأرضية
قارب التابوت، الانفجارات، الجثث المحترقة
حطام السفن، قارب الحراسة، جزيرة الكنز
تصفيق، كلماتٌ تمر، عيونٌ تعود
يستمر الغياب، والقصة تُغيّر اللغة
روحي، ورأسي أيضًا، يودّان الاتكاء على هذه النعومة، هذه الوفرات السخية من ثديي هذه المرأة، يُجبران سترتها ويُجبران عينيّ. يودُّ عقلي وروحي أن يتأرجحا من ضفة إلى أخرى في حلاوة هذه الوفرة.
في الجانب الآخر، يتحدثون عن القوة، والأيديولوجيا الرسمية، والاتحاد الأوروبي، والديمقراطية، والاستبداد.
يودُّ عقلي أن يغرق في هذا الرخاء. وروحي، والابتسامة، واليد في الشعر، تعود وتختفي.
تُعطى أمثلة على حالات الاختفاء، وتُذكر مقالات صحفية، وغرامات، وسجون. نتحدث عن عام الغرامات، ومصادرة الكتب.
وتمنيتُ أن تتجه يداي، وأطرافي، نحوكِ، نحو ثدييكِ العريضين، نحو ذراعكِ التي تسند رأسكِ، نحو رأسكِ الذي يُؤكد ما يُقال، نحو مرفقكِ الذي يسند صدركِ، نحو يدكِ التي تُمسك سماعة الأذن، نحو يديكِ التي تُصفّقين، التي تُعيدين عصابة الرأس إلى مكانها، التي تُداعبين شعركِ.
ونتحدث عن البرلمان، عن الجماعات، عن الأعضاء، عن تضامن الشعب، عن شعبي، عن إخوتي البشر.
ويميل قلبي نحوكِ، نحو رأسكِ المنحني الذي يُنصت إلى المتحدثين، إلى الخطب.
نتحدث عن التأثير على السياسات، عن الاتحادات الجمركية، عن رؤساء الدول، عن وضع المُرشّحين، عن شراكات العضوية.
وتفتحين دفتر يومياتكِ، وتُمسك أسنانكِ بغطاء قلمكِ، وتسقط خصلة من شعركِ على خدكِ، وترسم قدمكِ دوائر في الهواء، وتضعين رأسكِ على يدكِ، وتهزين رأسكِ للتأكيد.
نتحدث عن المخارج، عن عن الهجران، عن الخداع، عن الغموض. نتحدث عن الأقليات، عن الحقوق، عن بناء دولة يحكمها القانون. نتحدث عن عمليات الاختطاف، عن الاغتصاب، عن دور الجيش في حياة المخطوفين والمغتصبين. تعود الأعداد: الجياع، والنازحون، والموجودون، والذين ينتظرون مكانهم في قلوب الموجودين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى