" إلى عادل الأسطة " أسطى " تأريخ الألم الفلسطيني ما بعد العولمة وأهوالها، وغزة في متن هذا التأريخ "
يكفيني هذا التقديم للنصوص الشعرية التي اخترتها وهي تتكلم بلسان غزة، وتتفاءل بصمود غزة الفلسطيني!
أوليفيا إلياس: طفلُ غزة أنا
طفلُ غزة أنا
طفل الأنفاق
لستُ طفل النور
رصاصٌ متصلب في أذنيّ
ممنوعٌ من امتلاك دفتر
ممنوعٌ من امتلاك قلم رصاص
أشاهد التلفاز أحياناً
خيول خشبية، ملاهيّ
ينزلق أطفالٌ على الزلاجات
لا أدري، لا يهم في غزة
الخيال العلمي ليس سينما
مسابقات رعاة بوارج حربية، في البحر
طواقمٌ جاهزةٌ للصعود
وحوشٌ فولاذية، يرقاتٌ عملاقة
ركوب سيارات التصادم وسط البساتين
دباباتٌ تسحق المنازل
رمي أرائكٍ أطفالٍ صغارٍ وأسرّتهم في الهواء
طائراتٌ بدون طيارٍ تُصوّب وتُلدغ في ترقبٍ لفرائسها
في أبراجهم، فرسان العصر الجديد
ضرباتٌ، رشاشاتٌ، رشاشاتٌ تُطلق كل ما في طريقهم
هوذا ليلٌ في منتصف النهار
انفجاراتٌ مُميتةٌ للألعاب النارية
بامتداد الليل
الأحياء والجمادات
البشر والنباتات
الوحوش والطيور والأحجار
لا شيء يتحرك لألف ميل
مطر من القنابل، قنابل الفوسفور
قنابل عنقودية
أمواج بطول ١٤ مترًا، موجة تلو الأخرى
واحدة تلو الأخرى
زلزال بقوة ٩ درجات
ليل ونهار على البر والبحر والسماء
على البر والبحر والسماء
ليل ونهار، ليل ونهار
قنابل تمزق السماء
تمزق الأجساد
تنفجر قنابل عنقودية
آلاف الشظايا بحجم بضعة مليمترات
تحترق قنابل فوسفورية
كفتيل شحم
اللهب يصنع ألسنة ويترك جذوعًا
جذوعًا لم تُرَ من قبل
كفرسان العصر الجديد
حياة أحدهم، كما يقولون، أغلى من حياة مئة طفل في غزة.
فوكوشيما في غزة
جحيم على الأرض
لا مساعدة، لا تلفاز
الذي يتبختر على جميع منصات العالم
جاء مختبئًا في البرج
رأى كل شيء وقال
ما أطيبهم، ما أطيبهم
مريخيو العصر الجديد
طفل غزة أنا
كانت أرضًا حضارية راقية
كانت قبل جمال العالم
ماتت في غزة
قبل زمن المريخيين
اليوم كوكب خارج مداره
كوكب بلا اسم
لأن جحيم الأرض لا اسم له
مليون وستمائة ألف
رجال ونساء وأطفال
محاصرون كالجرذان
مجبرون على عبور الأنفاق
للوصول إلى الحياة الطيبة
الحياة التي تستحق أن تُعاش
حياة بلا أسلاك شائكة وسفن حربية
بلا طائرات مسيرة ولا مريخيين
غزة، شريط من الرمال المحروقة
عشرة كيلومترات في أربعين
بضعة سنتيمترات فوق سطح البحر
كم كانت رائعة في الماضي
للسباحة، وأكل البطيخ، والمشي
دمروا كل شيء، قبل الرحيل
حتى الحيوانات لم تعد تشرب ماء الآبار
لا قبو، ولا تلة
لا جسر مطار
فقط أنفاق و"ممر فيلادلفيا"
أربعة عشر كيلومترًا جنوب غزة
خرابٌ شامل
هناك في الولايات المتحدة، في السجون
مع حراسة أمنية مشددة، المحكوم عليهم بالإعدام
يسلكون الممر الذي يحمل الاسم نفسه
بعد تدخين سيجارتهم الأخيرة
بعد تلقيهم بركة الكاهن
ليذهبوا ويجلسوا على الكرسي الكهربائي
وداعًا لهذه الأرض
طفل غزة أنا
لستُ طفل النور
أحيانًا أجلس على شاطئ البحر
وأسافر إلى فوكوشيما
رسمتُ صورةً لأطفال فوكوشيما
أقول لهم: لستم وحدكم
أعرف، أعرف كل شيء
أعرف الرعب، الكارثة
المخيمات المدفونة تحت الأنقاض
الرصاص المتصلب في الآذان
الصراخ، العويل، القنابل، صفارات الإنذار
الدمار، الأرض الملوثة، المياه الملوثة
لمليارات السنين
أعرف كل شيء، لقد رأيت كل شيء
أقبلكم
طفل غزة أنا
مُهدى لأطفال غزة وفوكوشيما
أوليفيا إلياس، ٢٦ شباط ٢٠١٣
قصيدة من ديوان "أنا من هذا الشريط الرملي"، أوليفيا إلياس، مجموعة شعرية، باريس ٢٠١٣، ٤٠ صفحة.
(نفدت طبعتها)
"وُلدتُ في زمنٍ ثوريٍّ غيّر فيه بلدي اسمه. وُلدتُ في زمنٍ زلزاليٍّ اجتاح حتى اسم أبي وجدّ أبيه." (مقتطف من ديوان "نار الاحتراق").
أوليفيا إلياس إحدى شاعرات الشتات الفلسطيني. وُلدت في حيفا، فلسطين، ولاجئة مع عائلتها في لبنان، وأكملت دراستها الجامعية في كندا، ودرّست الاقتصاد حتى أوائل ثمانينيات القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين، أقامت في فرنسا، باستثناء الفترة ٢٠٠٥-٢٠٠٩ التي عاشت وعملت خلالها في سوريا ومصر. كُتبت القصائد الست عشرة في هذا الكتيب بين 8 تشرين الثاني و27 كانون الأول 2012. كانت القصيدة الأولى، " طفل غزة أنا"، نبوءة. بعد أربع سنوات من عملية "الرصاص المصبوب" - ثلاثة أسابيع من القصف المتزامن والمتواصل من قِبل الجيش الإسرائيلي وسلاح الجو والسفن الحربية، باستخدام أسلحة دمار محظورة وشديدة القوة - عادت الأهوال. في تشرين الثاني 2012، قبيل انتهاء المهلة الإسرائيلية الجديدة، تعرض سكان غيتو غزة المعذبون مرة أخرى لعملية عقابية جماعية استمرت سبعة أيام. أسفرت عمليتا "الرصاص المصبوب" و"عمود السحاب" عن مقتل 1600 فلسطيني، بينهم 450 طفلاً، وإصابة أكثر من 6000 آخرين في غضون أربعة أسابيع. يجب ضرب هذه الأرقام في 4.75 لتعكس عدد السكان الإسرائيليين، وهي لا تشمل من ماتوا متأثرين بجراحهم. تنبع هذه القصائد من شعور هائل بالسخط إزاء هذه الفضيحة المتجددة، وهو شعور... هذا يُعزز إرادة المقاومة وعيش حياة جميلة، بلا جدران وأسلاك شائكة، بلا محتلين وجنود ومستوطنين. «ستأتي الحرية على هذه الخطى المنتصرة»، غنّى لويس أراغون. (ص ٤٠).
بينما يسعى الناس حول العالم لبناء مستقبل أفضل، يُحرم الفلسطينيون من هذا الحق. في القرن الحادي والعشرين، على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط، وبعد خمسة وستين عامًا من النكبة، يفرض ديكتاتوريو العصر الجديد نظامًا إرهابيًا أسوأ من عهد السلاطين. تُعبّر القصائد المُجمّعة في هذا الكتيب عن سخطٍ شديد إزاء هذه الفضيحة المُتجدّدة، ولكنها تُعبّر أيضًا عن أملٍ راسخٍ بحياةٍ جميلةٍ على أرض آبائهم. (الغلاف الخلفي).
من بين القصائد الست عشرة: " غزة طفل أنا "، "امشِ في القدس"، "لأنه لن يكون الأمر هكذا دائمًا"...
أوليفيا إلياس تُدير مدونةً على موقع ميديابار. وقد ذُكر اسمها في مجلة ريتيمو لمقالاتٍ نُشرت في مجلة "كراسات الصحافة" عام ٢٠١٣.
Olivia Elias: Je suis un enfant de Gaza
====
زياد مدوخ: غزة مدمرة، لكنها صامدة
زياد مدوخ أستاذ لغة فرنسية وباحث في علوم اللغات بجامعة الأقصى بغزة. تعرضت الجامعة، شأنها شأن جميع مؤسسات التعليم العالي في القطاع الفلسطيني، للاستهداف والتدمير على يد القوات الإسرائيلية. اختار زياد مدوخ، الشاعر والكاتب الملتزم، البقاء في غزة. تنشر مجلة "الثقافة والديمقراطية" بانتظام مقالاته وقصائده التي يكتبها بقوة ودقة من مدينة غزة.
08-07-2025
في غزة المحاصرة والجائعة، التي مزقها الموت والصمت المتواطئ، لا يزال شعب كريم يقاوم، حاملاً الأمل والذاكرة رغم الرعب. قصيدة بقلم زياد مدوخ
المدينة المحاصرة مدمرة، ممزقة، ومفككة.
تعيش فوضى عارمة.
أخبار مروعة تحمل في طياتها نصيبها من المذبحة،
رعبٌ منزوع الاسم،
كابوسٌ لامتناه محال تصوّره.
يسكنها صمتٌ رهيب.
مدفونةٌ بلا كفنٍ أو رفات
تحت أنقاض الوعي.
على قبرها، وردةٌ من ذكرى كاذبة.
في ملامحها ألمٌ شديد.
جرحٌ ينزف على الرمال.
دموعٌ تغسل وجع السماء.
جنونٌ قاتلٌ بلا مساءلة.
أمام آذانٍ صماء من شركائها.
وحيدةً تواجه الظلام الغريب.
أطفالها ينامون بلا طعام.
وجوهٌ هزيلةٌ قلقة.
أمهاتٌ يخفين دموعهن.
من ألم الجوع.
صوت الرصاص يعلو.
صوت الحياة
وفخاخ الموت منصوبة.
للأبرياء.
في المفتاح، ارتعاشات
من الناجين
على وجوه الأبطال،
شمس لا تغيب على شجرة الزيتون
بقايا حلمٍ مكسور
تمحو دموع الألم
هنا، تولد الذاكرة من أرض الخوف
من أعماق الانتماء
لمن الكرامة
يرفعون رؤوسهم،
يرفضون الذل.
أشجار نخيل مهيبة تواجه الرياح
في كل زاوية قصص كفاح
شعب لا يعرف طعم الهزيمة
كل قلب حزين يؤلف ألحان فرح
تقبض على عقرب الزمن
بأصابع لا ترتجف
تنقش على جبينك خريطة الأمل
تزرع الحياة في رماد الأيام
لن يصل الرعب واليأس
أغنية الأطفال
لتشع أملاً بزمن أفضل.
Ziad Medoukh: Gaza dévastée, mais debout
=====
رينيه غاودي: رضا غزة
لغزة وأهلها، ليس لدي سوى الشعر، أداة صغيرة.
ضد المحو.
المسافة.
ليس لدي سوى الحبر، الورق، الكلمات.
كتل، توقفات، تدفقات، أجهزة راديو، تلفزيونات، صور.
في الليل، تحت المطر، صواريخ تضرب، حوادث، نيران، لهيب، طائرات، انفجارات، قنابل، سقوط.
دخان يتصاعد.
يغطي العالم.
صمت.
***
اقترب.
وجوه، مناظر طبيعية، تطرق نافذتي المغلقة بإحكام.
انظر إلى فلسطين الدامية.
ثقوب سوداء في الواجهات، عيون مفقوءة.
أرض ممزقة، حفر، ظلام.
غبار.
كتل خرسانية محطمة.
كتل رماد، أنقاض، نفايات.
جلد الشوارع جرح.
أسرة ممزقة.
كتبٌ ملطخةٌ بالدماء على الأرض.
أين الطيور والأسماك؟
خلف نافذتي أراك.
تصرخ، تتحرك.
صوت دبابة، رشاش، صاروخ، نيران، نيران.
شظايا في رأسي.
لا شيء يُخدّر، يُطهّر.
مبتورو الأطراف، مُعمّى البصر، مختنق، مُختنق، مدفون، آلاف.
أرى الأرض تمتلئ بجثث الشهداء.
ظلال، أنقاض.
لا مكان للقبور.
قبورٌ مُتثائبة.
صمت.
أنت جاث على ركبتيك، في محجر، شبه عارٍ، معصوب العينين، مُقيّد اليدين. خلفك الجنود. أنت جاث على ركبتيك، في الشارع، شبه عارٍ، أحذيتك متناثرة. خلفك الجنود. مُكدّسون في شاحنات، في حقائب عائدين إلى غزة. أنت واقف، يداك في الهواء، تُلوّح بقطعة قماش بيضاء. مُصابٌ برصاصة. دمٌ على بياض. تركض، نعش على كتفيك، نقالة على بُعد ذراع، وزوايا بطانية ملطخة. عائشة، لم يعد لمنزلك سقف. دميتي، كنتِ مختبئة، يا فتاة شقية، ها أنتِ.
أنتِ حقل من الأشكال البيضاء مربوطة، من أعلى إلى أسفل، بلا رثاء، بلا رخام.
مجرد اسم مكتوب على الورقة.
***
من بيت لاهيا إلى رفح
من جباليا إلى القريا
تمشي مستقيمًا
خلف نافذتي أراك
أنت نحيف
لا تُظهر شيئًا
أقدامك في الماء، وطفل بين ذراعيك
على عربة الأطفال، فراش
تمشي مستقيمًا
من بيت لاهيا إلى رفح
من جباليا إلى القريا
صفر منازل، مدارس، مستشفيات، متاحف، مكتبات، كنائس، مقابر
تدنيس، نبش جثث، طرد، إعدام
إبادة
صفر ذاكرة، صفر كل شيء، صفر المسجد الأقصى، صفر فلسطين
في الليل، دخان رمادي
لا طيور، صواريخ
في الليل، لا نجوم، لهيب
أردت الخروج لاستنشاق بعض الهواء النقي، نزهة قصيرة
في هذا الجو، هذا الرعب، هذي المذبحة
كان يجب أن أخرج معك
في هذا الجو، هذا الرعب، هذي المذبحة
كان يجب أن أبقى هناك مع أنتَ
أُعانق ملاءةً
دماء الأطفال
دموع الناجين
***
انظر في أعيننا مباشرةً
الموت أطفأ كل النيران
نحنُ مُلقون وسنبقى مُلقون
تحت الكتل الخرسانية المُحطمة
في الحفر التي حفرناها
جثث مُتفحمة، قلوب مُحطمة
تحت الأنقاض
كانت غزة
انظر في البعيد، هناك أزرق
أرى زوجين مُتحابين
غزة واقفة مُواجهة البحر
غزة الصامدة، الفخورة
انظر في البعيد، هناك أخضر
الأخضر هو الأمل، إنها أرضنا
أنتِ جميلة، وأتخيلكِ
أخيرًا تحررتِ ونهضتِ من بين الأنقاض
فلسطين أجمل بكثير
رينيه غاودي، ٣ شباط
René Gaudy: Raza Gaza
==
يكفيني هذا التقديم للنصوص الشعرية التي اخترتها وهي تتكلم بلسان غزة، وتتفاءل بصمود غزة الفلسطيني!
أوليفيا إلياس: طفلُ غزة أنا
طفلُ غزة أنا
طفل الأنفاق
لستُ طفل النور
رصاصٌ متصلب في أذنيّ
ممنوعٌ من امتلاك دفتر
ممنوعٌ من امتلاك قلم رصاص
أشاهد التلفاز أحياناً
خيول خشبية، ملاهيّ
ينزلق أطفالٌ على الزلاجات
لا أدري، لا يهم في غزة
الخيال العلمي ليس سينما
مسابقات رعاة بوارج حربية، في البحر
طواقمٌ جاهزةٌ للصعود
وحوشٌ فولاذية، يرقاتٌ عملاقة
ركوب سيارات التصادم وسط البساتين
دباباتٌ تسحق المنازل
رمي أرائكٍ أطفالٍ صغارٍ وأسرّتهم في الهواء
طائراتٌ بدون طيارٍ تُصوّب وتُلدغ في ترقبٍ لفرائسها
في أبراجهم، فرسان العصر الجديد
ضرباتٌ، رشاشاتٌ، رشاشاتٌ تُطلق كل ما في طريقهم
هوذا ليلٌ في منتصف النهار
انفجاراتٌ مُميتةٌ للألعاب النارية
بامتداد الليل
الأحياء والجمادات
البشر والنباتات
الوحوش والطيور والأحجار
لا شيء يتحرك لألف ميل
مطر من القنابل، قنابل الفوسفور
قنابل عنقودية
أمواج بطول ١٤ مترًا، موجة تلو الأخرى
واحدة تلو الأخرى
زلزال بقوة ٩ درجات
ليل ونهار على البر والبحر والسماء
على البر والبحر والسماء
ليل ونهار، ليل ونهار
قنابل تمزق السماء
تمزق الأجساد
تنفجر قنابل عنقودية
آلاف الشظايا بحجم بضعة مليمترات
تحترق قنابل فوسفورية
كفتيل شحم
اللهب يصنع ألسنة ويترك جذوعًا
جذوعًا لم تُرَ من قبل
كفرسان العصر الجديد
حياة أحدهم، كما يقولون، أغلى من حياة مئة طفل في غزة.
فوكوشيما في غزة
جحيم على الأرض
لا مساعدة، لا تلفاز
الذي يتبختر على جميع منصات العالم
جاء مختبئًا في البرج
رأى كل شيء وقال
ما أطيبهم، ما أطيبهم
مريخيو العصر الجديد
طفل غزة أنا
كانت أرضًا حضارية راقية
كانت قبل جمال العالم
ماتت في غزة
قبل زمن المريخيين
اليوم كوكب خارج مداره
كوكب بلا اسم
لأن جحيم الأرض لا اسم له
مليون وستمائة ألف
رجال ونساء وأطفال
محاصرون كالجرذان
مجبرون على عبور الأنفاق
للوصول إلى الحياة الطيبة
الحياة التي تستحق أن تُعاش
حياة بلا أسلاك شائكة وسفن حربية
بلا طائرات مسيرة ولا مريخيين
غزة، شريط من الرمال المحروقة
عشرة كيلومترات في أربعين
بضعة سنتيمترات فوق سطح البحر
كم كانت رائعة في الماضي
للسباحة، وأكل البطيخ، والمشي
دمروا كل شيء، قبل الرحيل
حتى الحيوانات لم تعد تشرب ماء الآبار
لا قبو، ولا تلة
لا جسر مطار
فقط أنفاق و"ممر فيلادلفيا"
أربعة عشر كيلومترًا جنوب غزة
خرابٌ شامل
هناك في الولايات المتحدة، في السجون
مع حراسة أمنية مشددة، المحكوم عليهم بالإعدام
يسلكون الممر الذي يحمل الاسم نفسه
بعد تدخين سيجارتهم الأخيرة
بعد تلقيهم بركة الكاهن
ليذهبوا ويجلسوا على الكرسي الكهربائي
وداعًا لهذه الأرض
طفل غزة أنا
لستُ طفل النور
أحيانًا أجلس على شاطئ البحر
وأسافر إلى فوكوشيما
رسمتُ صورةً لأطفال فوكوشيما
أقول لهم: لستم وحدكم
أعرف، أعرف كل شيء
أعرف الرعب، الكارثة
المخيمات المدفونة تحت الأنقاض
الرصاص المتصلب في الآذان
الصراخ، العويل، القنابل، صفارات الإنذار
الدمار، الأرض الملوثة، المياه الملوثة
لمليارات السنين
أعرف كل شيء، لقد رأيت كل شيء
أقبلكم
طفل غزة أنا
مُهدى لأطفال غزة وفوكوشيما
أوليفيا إلياس، ٢٦ شباط ٢٠١٣
قصيدة من ديوان "أنا من هذا الشريط الرملي"، أوليفيا إلياس، مجموعة شعرية، باريس ٢٠١٣، ٤٠ صفحة.
(نفدت طبعتها)
"وُلدتُ في زمنٍ ثوريٍّ غيّر فيه بلدي اسمه. وُلدتُ في زمنٍ زلزاليٍّ اجتاح حتى اسم أبي وجدّ أبيه." (مقتطف من ديوان "نار الاحتراق").
أوليفيا إلياس إحدى شاعرات الشتات الفلسطيني. وُلدت في حيفا، فلسطين، ولاجئة مع عائلتها في لبنان، وأكملت دراستها الجامعية في كندا، ودرّست الاقتصاد حتى أوائل ثمانينيات القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين، أقامت في فرنسا، باستثناء الفترة ٢٠٠٥-٢٠٠٩ التي عاشت وعملت خلالها في سوريا ومصر. كُتبت القصائد الست عشرة في هذا الكتيب بين 8 تشرين الثاني و27 كانون الأول 2012. كانت القصيدة الأولى، " طفل غزة أنا"، نبوءة. بعد أربع سنوات من عملية "الرصاص المصبوب" - ثلاثة أسابيع من القصف المتزامن والمتواصل من قِبل الجيش الإسرائيلي وسلاح الجو والسفن الحربية، باستخدام أسلحة دمار محظورة وشديدة القوة - عادت الأهوال. في تشرين الثاني 2012، قبيل انتهاء المهلة الإسرائيلية الجديدة، تعرض سكان غيتو غزة المعذبون مرة أخرى لعملية عقابية جماعية استمرت سبعة أيام. أسفرت عمليتا "الرصاص المصبوب" و"عمود السحاب" عن مقتل 1600 فلسطيني، بينهم 450 طفلاً، وإصابة أكثر من 6000 آخرين في غضون أربعة أسابيع. يجب ضرب هذه الأرقام في 4.75 لتعكس عدد السكان الإسرائيليين، وهي لا تشمل من ماتوا متأثرين بجراحهم. تنبع هذه القصائد من شعور هائل بالسخط إزاء هذه الفضيحة المتجددة، وهو شعور... هذا يُعزز إرادة المقاومة وعيش حياة جميلة، بلا جدران وأسلاك شائكة، بلا محتلين وجنود ومستوطنين. «ستأتي الحرية على هذه الخطى المنتصرة»، غنّى لويس أراغون. (ص ٤٠).
بينما يسعى الناس حول العالم لبناء مستقبل أفضل، يُحرم الفلسطينيون من هذا الحق. في القرن الحادي والعشرين، على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط، وبعد خمسة وستين عامًا من النكبة، يفرض ديكتاتوريو العصر الجديد نظامًا إرهابيًا أسوأ من عهد السلاطين. تُعبّر القصائد المُجمّعة في هذا الكتيب عن سخطٍ شديد إزاء هذه الفضيحة المُتجدّدة، ولكنها تُعبّر أيضًا عن أملٍ راسخٍ بحياةٍ جميلةٍ على أرض آبائهم. (الغلاف الخلفي).
من بين القصائد الست عشرة: " غزة طفل أنا "، "امشِ في القدس"، "لأنه لن يكون الأمر هكذا دائمًا"...
أوليفيا إلياس تُدير مدونةً على موقع ميديابار. وقد ذُكر اسمها في مجلة ريتيمو لمقالاتٍ نُشرت في مجلة "كراسات الصحافة" عام ٢٠١٣.
Olivia Elias: Je suis un enfant de Gaza
====
زياد مدوخ: غزة مدمرة، لكنها صامدة
زياد مدوخ أستاذ لغة فرنسية وباحث في علوم اللغات بجامعة الأقصى بغزة. تعرضت الجامعة، شأنها شأن جميع مؤسسات التعليم العالي في القطاع الفلسطيني، للاستهداف والتدمير على يد القوات الإسرائيلية. اختار زياد مدوخ، الشاعر والكاتب الملتزم، البقاء في غزة. تنشر مجلة "الثقافة والديمقراطية" بانتظام مقالاته وقصائده التي يكتبها بقوة ودقة من مدينة غزة.
08-07-2025
في غزة المحاصرة والجائعة، التي مزقها الموت والصمت المتواطئ، لا يزال شعب كريم يقاوم، حاملاً الأمل والذاكرة رغم الرعب. قصيدة بقلم زياد مدوخ
المدينة المحاصرة مدمرة، ممزقة، ومفككة.
تعيش فوضى عارمة.
أخبار مروعة تحمل في طياتها نصيبها من المذبحة،
رعبٌ منزوع الاسم،
كابوسٌ لامتناه محال تصوّره.
يسكنها صمتٌ رهيب.
مدفونةٌ بلا كفنٍ أو رفات
تحت أنقاض الوعي.
على قبرها، وردةٌ من ذكرى كاذبة.
في ملامحها ألمٌ شديد.
جرحٌ ينزف على الرمال.
دموعٌ تغسل وجع السماء.
جنونٌ قاتلٌ بلا مساءلة.
أمام آذانٍ صماء من شركائها.
وحيدةً تواجه الظلام الغريب.
أطفالها ينامون بلا طعام.
وجوهٌ هزيلةٌ قلقة.
أمهاتٌ يخفين دموعهن.
من ألم الجوع.
صوت الرصاص يعلو.
صوت الحياة
وفخاخ الموت منصوبة.
للأبرياء.
في المفتاح، ارتعاشات
من الناجين
على وجوه الأبطال،
شمس لا تغيب على شجرة الزيتون
بقايا حلمٍ مكسور
تمحو دموع الألم
هنا، تولد الذاكرة من أرض الخوف
من أعماق الانتماء
لمن الكرامة
يرفعون رؤوسهم،
يرفضون الذل.
أشجار نخيل مهيبة تواجه الرياح
في كل زاوية قصص كفاح
شعب لا يعرف طعم الهزيمة
كل قلب حزين يؤلف ألحان فرح
تقبض على عقرب الزمن
بأصابع لا ترتجف
تنقش على جبينك خريطة الأمل
تزرع الحياة في رماد الأيام
لن يصل الرعب واليأس
أغنية الأطفال
لتشع أملاً بزمن أفضل.
Ziad Medoukh: Gaza dévastée, mais debout
=====
رينيه غاودي: رضا غزة
لغزة وأهلها، ليس لدي سوى الشعر، أداة صغيرة.
ضد المحو.
المسافة.
ليس لدي سوى الحبر، الورق، الكلمات.
كتل، توقفات، تدفقات، أجهزة راديو، تلفزيونات، صور.
في الليل، تحت المطر، صواريخ تضرب، حوادث، نيران، لهيب، طائرات، انفجارات، قنابل، سقوط.
دخان يتصاعد.
يغطي العالم.
صمت.
***
اقترب.
وجوه، مناظر طبيعية، تطرق نافذتي المغلقة بإحكام.
انظر إلى فلسطين الدامية.
ثقوب سوداء في الواجهات، عيون مفقوءة.
أرض ممزقة، حفر، ظلام.
غبار.
كتل خرسانية محطمة.
كتل رماد، أنقاض، نفايات.
جلد الشوارع جرح.
أسرة ممزقة.
كتبٌ ملطخةٌ بالدماء على الأرض.
أين الطيور والأسماك؟
خلف نافذتي أراك.
تصرخ، تتحرك.
صوت دبابة، رشاش، صاروخ، نيران، نيران.
شظايا في رأسي.
لا شيء يُخدّر، يُطهّر.
مبتورو الأطراف، مُعمّى البصر، مختنق، مُختنق، مدفون، آلاف.
أرى الأرض تمتلئ بجثث الشهداء.
ظلال، أنقاض.
لا مكان للقبور.
قبورٌ مُتثائبة.
صمت.
أنت جاث على ركبتيك، في محجر، شبه عارٍ، معصوب العينين، مُقيّد اليدين. خلفك الجنود. أنت جاث على ركبتيك، في الشارع، شبه عارٍ، أحذيتك متناثرة. خلفك الجنود. مُكدّسون في شاحنات، في حقائب عائدين إلى غزة. أنت واقف، يداك في الهواء، تُلوّح بقطعة قماش بيضاء. مُصابٌ برصاصة. دمٌ على بياض. تركض، نعش على كتفيك، نقالة على بُعد ذراع، وزوايا بطانية ملطخة. عائشة، لم يعد لمنزلك سقف. دميتي، كنتِ مختبئة، يا فتاة شقية، ها أنتِ.
أنتِ حقل من الأشكال البيضاء مربوطة، من أعلى إلى أسفل، بلا رثاء، بلا رخام.
مجرد اسم مكتوب على الورقة.
***
من بيت لاهيا إلى رفح
من جباليا إلى القريا
تمشي مستقيمًا
خلف نافذتي أراك
أنت نحيف
لا تُظهر شيئًا
أقدامك في الماء، وطفل بين ذراعيك
على عربة الأطفال، فراش
تمشي مستقيمًا
من بيت لاهيا إلى رفح
من جباليا إلى القريا
صفر منازل، مدارس، مستشفيات، متاحف، مكتبات، كنائس، مقابر
تدنيس، نبش جثث، طرد، إعدام
إبادة
صفر ذاكرة، صفر كل شيء، صفر المسجد الأقصى، صفر فلسطين
في الليل، دخان رمادي
لا طيور، صواريخ
في الليل، لا نجوم، لهيب
أردت الخروج لاستنشاق بعض الهواء النقي، نزهة قصيرة
في هذا الجو، هذا الرعب، هذي المذبحة
كان يجب أن أخرج معك
في هذا الجو، هذا الرعب، هذي المذبحة
كان يجب أن أبقى هناك مع أنتَ
أُعانق ملاءةً
دماء الأطفال
دموع الناجين
***
انظر في أعيننا مباشرةً
الموت أطفأ كل النيران
نحنُ مُلقون وسنبقى مُلقون
تحت الكتل الخرسانية المُحطمة
في الحفر التي حفرناها
جثث مُتفحمة، قلوب مُحطمة
تحت الأنقاض
كانت غزة
انظر في البعيد، هناك أزرق
أرى زوجين مُتحابين
غزة واقفة مُواجهة البحر
غزة الصامدة، الفخورة
انظر في البعيد، هناك أخضر
الأخضر هو الأمل، إنها أرضنا
أنتِ جميلة، وأتخيلكِ
أخيرًا تحررتِ ونهضتِ من بين الأنقاض
فلسطين أجمل بكثير
رينيه غاودي، ٣ شباط
René Gaudy: Raza Gaza
==