الشعر الذي يستفزّ قناعاتنا ويتحدّى خياراتنا ويدعونا الى قراءته من وقتٍ الى آخر هو شعر جدير بالاهتمام والمتابعة ، وأذكر كيف كنت منقاداً في مقتبل حياتي الأدبية الى شعراء معدودين والى قصائد بعينها أرى فيها ما لا أراه في شعر آخرين ، ما اضطرّني وأنا في تلك السنّ الصغيرة الى أن أختار منها ما يلائم ذائقتي لأدوّنه في دفتر كبير ، وكان أن جمعت فيه العديد من قصائد الرواد ومَن جاء بعدهم ، وهذا الشغف بما هو جميل ومختلف في الشعر العربي الحديث هو الذي قادني الى شعر أستاذي الكبير محمود البريكان ، فما كان منّي إلّا أن أفرد لقصائده المنشورة في فترات متباعدة دفتراً آخر أكبر من سابقه ، وأن أواظب على تدوين جميع ما توفّر لي من شعره المنشور في الصحف والمجلات ابتداءً من بداياته العمودية المنشورة في مجلة (الأديب) البيروتية و(البيان) النجفية و(الفارس) البصرية الى قصائده الأحدث والمنشورة في المجلات والصحف الأخرى ، فكان أن جمعتها كلها ، وهي نحو تسعين قصيدة باستثناء قصيدتين أو ثلاث . وأحسب أنّ هناك مَن شاركني ، من أصدقائي الأدباء ، هذا الشغف بشعر البريكان ، ولكن لكلّ منّا أسبابه بالتأكيد ، إلّا أننا جميعاً نتّفق على أهميّة هذا الشاعر وفرادته ، ولكن ثمّة فرق كبير بين أن نكتفي بقراءة شعره المنشور وحسب ، وبين أن نطّلع على تجربته الشعرية ، المنشور منها وغير المنشور ، في مدوّناته الأصلية أو حسبما وفّرها لنا ديوانه الكبير [محمود البريكان - الأعمال الشعرية] والصادر أخيراً بجزئين كبيرين عن وزارة الثقافة العراقية وبتحقيق عدد من الأدباء العراقيين . ويقيناً أنّ الاطّلاع على هذه الأعمال سيعيننا كثيراً على الاحاطة الكاملة بأبعاد هذه التجربة فنيّاً وفكريّاً ونفسيّاً .
ثمّة محطّات كثيرة في هذه التجربة يمكن للقارئ المتابع رصدها منذ البواكير الأولى في أربعينيات القرن الماضي الى آخر قصيدة كتبها هذا الشاعر المجدّد والمختلف قبل جريمة اغتياله عام ٢٠٠٢. ومازلت الى الآن أنظر بدهشة الى هذا العدد الكبير من القصائد والنصوص وهي تتأبّى عن الامتثال لطريقة واحدة في فن الشعر . لقد جرّب شاعرنا البريكان أنواعاً مختلفة من الكتابة الشعرية ، فعلى امتداد نصف قرن من تجربته الشعريّة بدأها بكتابة قصيدة العمود ، ثمّ قصيدة التفعيلة ، وقصيدة النثر ، والنص الوجيز ، والقصيدة الطويلة ، والمطوّلة ، مع ميل لافت لمسرحة القصيدة وإعطائها بعداً دراميّاً ، فضلاً عن محاولة يتيمة في كتابة القصيدة المدوّرة ، وهو في جميعهنّ الشاعر المُجيد والمجدّد ، والرائد في اثنتين منهنّ في الأقلّ ، بلغته المتوترة حيناً ، والهادئة النبوئية حيناً آخر ، والمُحكمة في كليهما . إنه شاعر نسيج وحده ، لا يشبه أحداً من شعراء الحداثة في العراق ، وإنّما يذكّرك بالكبار من شعراء العالم : غوته ، المعرّي ، دانتي ، وايتمان ، طاغور ، إذ لا تليق بموهبته الفذّة مقارنة أخرى غير هذه .
قبيل رحيله المؤسف بأيام زرته للمرّة الأخيرة ، وأذكر أنّني سألته يومها عن أوّل قصيدة كتبها على نظام (الشعر الحرّ) كما أصطُلِح على تسميته في بدء ظهوره ، وبدلاً من أن يحدّثني عن ذلك ، ذهب الى الحديث عن محاولاته المُبكّرة عام ١٩٤٩ في كتابة قصيدة النثر ، وهو تاريخ يُعَدّ بعيداً في أرخنَة هذا النوع من الشعر . لهذا بقيت حائراً إزاءه ، خاصة هو لم ينشر من هذه المحاولات المُبكّرة شيئاً في حياته ، ومستغربا كذلك من عزوفه عن الحديث حول مشاركته في ريادة القصيدة الحديثة أو ما اصطلح عليها في العقود الأخيرة ب(قصيدة التفعيلة) . ولكن بعد اطّلاعي على شعره غير المنشور في (مدوّناته الثمان) وجدت أنّ الرجل كان صادقاً بشأن دوره الرياديّ في كتابة قصيدة النثر ، وله مجموعة كاملة تحت عنوان [أشعار منثورة] تتضمن نماذج متقدمة في هذا النوع من الشعر مُقارنةً مع تجارب أخرى جاءت بعدها بسنوات (دون أن ننسى تجربة الشاعر حسين مردان في نثره المركّز : مجموعته "عزيزتي فلانة" في ١٩٥١ ) . فضلاً عن نماذج أخرى من هذه القصيدة لشاعرنا البريكان أكثر نضجاً نجدها مبثوثة في مدوّناته الشعرية الثمان ، وتحديداً في ديوانه الكبير [عوالم متداخلة] والذي يشكّل الجزء الأوّل من أعماله الشعرية .
كما فوجئت بأنّ تجربته في كتابة قصيدة التفعيلة تعود الى العام نفسه (١٩٤٩) وهي محاولات ريادية لا تبتعد كثيراً عن محاولات مجايليه : نازك والسياب والبياتي وبلند ، بل وتتقدم على المحاولات الريادية للشعراء العرب والتي بدأ ظهورها في النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي ، كمحاولات خليل حاوي ، عبدالصبور ، أدونيس ، الفيتوري ، حجازي ، نزار قباني ، فدوى طوقان ، وشوقي بغدادي ، وآخرين .
أما نصيبه من المسرح الشعري فلا نجد لديه محاولات شعرية مكرّسة للمسرح حصراً كما لدى الشاعر صلاح عبد الصبور مثلاً ، ولكنّنا سنعثر له حتماً على محاولات عديدة في إدخال المسرح الى الشعر، وليس العكس ، بل أنّ بعض قصائده اقتربت كثيراً من عالم المسرح من دون أن تذوب فيه : مطولته [سقوط بغداد] مثالاً واصفاً إيّاها ب(القصيدة الدرامية)
وأمّا تجربته اليتيمة في كتابة القصيدة المدوّرة ، والتي جاءت على شكل مقاطع بعد أن وضع لها عنواناً صريحاً : [قصيدة من أربعة مقاطع مدوّرة] فلم نره شغوفاً بهذا النوع من الشعر كفايةً ، وهذا يفسّر لنا عدم تكراره لهذه المحاولة في قصائد أخرى مستقلة ، إلّا أنّنا نجد ملامحها أحياناً في عدد من المقاطع والجمل الشعرية الطويلة نسبياً في العديد من القصائد . وأرى أنّ عزوفه عن تكرار هذه التجربة يعود الى عدد من الموانع التي حالت دون ذلك ، وهذه الموانع هي ما يميّز التجربة البريكانية في الشعر ، إذ أنها تتوفّر على متن فكري ومعرفي خصب المحتوى ما يستدعي بذل جهد فائق لجعل إيقاعها قابلاً للاستمرار بلا توقف ، أو الدوران بسلاسة في حلقات صغيرة أو كبيرة ، ذلك أنّ القصيدة المدوّرة بحاجة الى لغة حسّية ومتاحة ، فيها شيء من الطراوة والخفّة والتلقائية الميسّرة ، تتحدّث عمّا هو عياني ومشترك ، لا تنشغل كثيراً بما هو أبعد من ذلك ، وقصيدة البريكان ، بمتنها المخصّب فكراً وفلسفةً ومعرفةً، ليست كذلك ، فهي بحمولتها الثقيلة هذه يصعب إدارتها وتدويرها . وهذا الانشغال الفكري والمعرفي قد رافق تجربته الشعرية منذ بواكيرها الأولى ، وتجذّر مع الوقت ، وغالباً ما يأتي على شكل أسئلة وجودية لا يتوانى عن تكرارها ، في العديد من القصائد والنصوص متى ما لزم الأمر وبأشكال مختلفة تتعلّق بالمصائر النهائية للموجودات ، إذ يقع المصير الانساني في القلب منها ، وقد لا يهمه كثيراً من أين جاء هذا الانسان قدر ما يهمه تحديداً الى أين سيذهب أخيراً ، هذه هي الفكرة المركزية في شعره كلّه ، بعد أن جاءت بأوضاع مختلفة منذ قصائده العمودية المبكّرة . وما ساعد على تكريس الاشتغال الفكري هذا شعريّاً لدى البريكان ، فضلاً عن قراءاته النوعية ، هو تلك العزلة المختارة التي أتاحت له مساحة كبيرة في قول ما يريد ، في الوقت الذي ضاقت كثيراً على آخرين . وكذلك في نشر ما يراه مناسباً ، وهي خيارات مشروطة قلّصت كثيراً من فرص النشر في الوقت الذي وسّعت فيه من فرص الكتابة وتنوّعها . إنّ شعراً يضجّ بالأسئلة الكبرى والممضّة لن يكون من السهل فهمه وقبوله بأريحية ، وربما يساء الى مقاصده كثيراً من قبل الآخرين ، لهذا نجد أنّ الغاطس من شعره يكبر مع الوقت ولا يظهر منه للعيان سوى القليل . ولا يعني في ما تقدّم من حديث حول إشكاليات الكتابة والنشر عند شاعرنا البريكان أنه قد أدار ظهره للهمّ اليومي والمباشر ، إذ أنّ هناك العديد من القصائد التي انحاز فيها الى أحلام الناس وآلامهم ومعاناتهم اليومية معتمداً في ذلك على الواقعة المباشرة حيناً ، وعلى مطويّات التاريخ ، برموزه واقنعته الكثيرة ، حيناً آخر ، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُعدّ ، وكثيراً ما يبدأ من القريب والمُتاح لينفذ بعد ذلك الى ما هو أبعد ، الى المصائر النهائية للإنسان والوجود على وجهٍ أعمّ ، ولكن بطريقة فنيّة ذكيّة لا يشعر المتلقّي معها بأيّ انقطاع أو قطيعة قد حصلت في النسيج الشعري العام للقصيدة ، وهذه من أميَز أسرار قوّة هذه التجربة وتفرّدها ، ومن أمثلة ذلك : مطولته المدهشة والنبوئية [سقوط بغداد] ١٩٧٠ ، وكذلك [قصّة التمثال من آشور] ، [قانون النقر] ، [جلسة الأشباح] ، [سفينة الجذام] ، [احتفاء بالأشياء الزائلة] ، [الكائن المزدوج] ، [كنز العجوز] ، [حارس الفنار] ، وقصيدته الهائلة والطويلة [الشِعر الخام]...وعشرات القصائد الأخرى التي تضمّنها هذا الباب ، وهي تمثّل في تقديري ذروة ما وصلته هذه التجربة .
ولشاعرنا البريكان أربع مطوّلات شعريّة : المجاعة الصامتة ، أعماق المدينة ، سقوط بغداد ، القوّة والأغلال . عثرنا على الثلاث الأولى منها ، وفقدنا أثر الرابعة . وقد ساعدت وحدة الموضوع ونزعة السرد في هذه المطوّلات على جعلها قريبة الى مزاج القارئ وفهمه ، وهي تبدأ في العادة من بؤرة مركزيّة لتؤثّث ، مع الوقت ، بالتفاصيل . فلحظة سقوط بغداد ، مثلاً ، على يد المغول عام ١٢٥٨ في مطولته [سقوط بغداد] تمثل هذه البؤرة التي تشظّت منها جميع الوقائع الأخرى التي حدثت إثر ذلك وهي تفاصيل إضافية أغنت الحدث ، ومنحته الصفة التي عُرِفَ بها لاحقاً ، وكلّ مطوّلة من هذه المطوّلات هي عمل شعري قائم بذاته يستحقّ أن يقف عنده الناقد والقارئ على السواء وقفة جادّة ، لا لدواعٍ فنيّة حسب ، بل من أجل استلهام ما ينطوي عليه من رسالة إنسانيّة عابرة للزمن . وما هو جدير بالذكر هنا هو العلاقة النصيّة المُلتبسة بين مطولة البريكان [أعماق المدينة] ومطولة السيّاب [المومس العمياء] فهما تتصاديان مبنىً ومعنى ، خاصة وقد كتبتا في زمنين متقاربين (مطلع خمسينيات القرن الماضي) ، وهذا وحده يستدعي التساؤل ، وسيلهب فضول المهتمين بمنجز الشاعرين الرائدين .
ويمكننا القول هنا أنّ أعمال البريكان الشعرية هذه ستكون سبباً في إعادة النظر الى بعض الثوابت ، أو ما كنّا نعتقدها كذلك ، في الدرس النقدي المعنيّ بالشعر العراقي والعربي خلال نصف القرن الماضي ، وربما أبعد من ذلك .
وأخيراً ما الذي يجعل من تجربة هذا الشاعر فريدة ومؤثّرة الى هذا الحدّ ؟ في الوقت الذي نجد فيه شعراء كثر قد وقعوا تحت سطوة السائد ، تحدّثوا من خلاله عن كلّ شيء ، عن ماضي الناس وحاضرهم ، وما ينتظرونه من نكبات في المستقبل المنظور وغير المنظور ، ولكن من النادر أن نجد شاعراً منهم قد وظّف كلّ هذا في قصائد ونصوص مُحكمة لا تقبل الدحض مع معرفتي بمدى خطورة ذلك في عالمٍ غير مؤتمن ، ولشاعر لم يكتف بنقد الحاضر حسب وإنما جعل من شعره منصّةً يستشرف من خلالها المستقبل البعيد . وإذا قيّض لي أن أعدّ مختارات شعرية من هذا (النادر والمحكم) في شعرنا العربي فسيكون للبريكان حصّة الأسد .
وإذا اعتبرنا اللغة الشعرية بنسختها الأصفى والأمثل والأبلغ تأثيراً هي الحاضنة للنصّ الشعري والحامية له من عثّ الزمن فسوف تنهض أمامنا لغة البريكان بكل بريقها الفنيّ الأخّاذ مثالاً مبهراً على ذلك بلا ريب .
قليلون هم الشعراء الذين كرّسوا حياتهم كلّها للشعر ، ومن هؤلاء شاعرنا البريكان ، إذ لم نشهد أنه انشغل بما سواه ، وهذا ما يعزّز فكرة انحيازه المطلق للشعر ومدى شغفه به ، فهو لم يجعل منه مجرّد مرحلة ما لينقطع عنها بعد ذلك الى كتابة النقد أو الرواية أو الترجمة أو غير ذلك كما فعلها ويفعلها شعراء آخرون . ولست هنا في مورد الانتقاد لشعراء بعينهم ، فهم أحرار في ما يختارون ، ولكن فقط لوصف الحال كما هو لا أكثر ، وليس في ذلك ميزة لشاعر ما . وما يجعل الشاعر خالداً في ذاكرة الأجيال هو القدرة الاستثنائية لكتاباته على الاضاءة والتأثير والعبور الى زمن أبعد . ثمة شعراء كثر فقد شعرهم هذا البريق وهذه القدرة وهم أحياء ، في الوقت الذي مازلنا نقرأ فيه بشغف لشعراء عاشوا قبلنا بألف عام أو أكثر .
إنّ ثمّة شعر كثير سيبقى لشاعرنا البريكان ما سيجعله الوديعة الأثمن في ذاكرة الأجيال القادمة ، وبمثل هذا الاعتقاد كنت أواصل البحث منذ سنوات عن هذا الكنز المغيّب الى لحظة العثور عليه في بيت من بيوتات مدينة الرياض صيف ٢٠٢٤ ، إيماناً منّي بأهميّته وقدرته الاستثنائية على البقاء والتأثير .
علي النويّر
مشاركتي في (ملتقى البريكان) المنعقد في البصرة يوميّ ٨ ، ٩ من هذا الشهر لمناسبة صدور أعماله الكاملة عن دار الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة العراقية . ورقتي كانت بعنوان (محمود البريكان والريادة المؤجلة) .
ثمّة محطّات كثيرة في هذه التجربة يمكن للقارئ المتابع رصدها منذ البواكير الأولى في أربعينيات القرن الماضي الى آخر قصيدة كتبها هذا الشاعر المجدّد والمختلف قبل جريمة اغتياله عام ٢٠٠٢. ومازلت الى الآن أنظر بدهشة الى هذا العدد الكبير من القصائد والنصوص وهي تتأبّى عن الامتثال لطريقة واحدة في فن الشعر . لقد جرّب شاعرنا البريكان أنواعاً مختلفة من الكتابة الشعرية ، فعلى امتداد نصف قرن من تجربته الشعريّة بدأها بكتابة قصيدة العمود ، ثمّ قصيدة التفعيلة ، وقصيدة النثر ، والنص الوجيز ، والقصيدة الطويلة ، والمطوّلة ، مع ميل لافت لمسرحة القصيدة وإعطائها بعداً دراميّاً ، فضلاً عن محاولة يتيمة في كتابة القصيدة المدوّرة ، وهو في جميعهنّ الشاعر المُجيد والمجدّد ، والرائد في اثنتين منهنّ في الأقلّ ، بلغته المتوترة حيناً ، والهادئة النبوئية حيناً آخر ، والمُحكمة في كليهما . إنه شاعر نسيج وحده ، لا يشبه أحداً من شعراء الحداثة في العراق ، وإنّما يذكّرك بالكبار من شعراء العالم : غوته ، المعرّي ، دانتي ، وايتمان ، طاغور ، إذ لا تليق بموهبته الفذّة مقارنة أخرى غير هذه .
قبيل رحيله المؤسف بأيام زرته للمرّة الأخيرة ، وأذكر أنّني سألته يومها عن أوّل قصيدة كتبها على نظام (الشعر الحرّ) كما أصطُلِح على تسميته في بدء ظهوره ، وبدلاً من أن يحدّثني عن ذلك ، ذهب الى الحديث عن محاولاته المُبكّرة عام ١٩٤٩ في كتابة قصيدة النثر ، وهو تاريخ يُعَدّ بعيداً في أرخنَة هذا النوع من الشعر . لهذا بقيت حائراً إزاءه ، خاصة هو لم ينشر من هذه المحاولات المُبكّرة شيئاً في حياته ، ومستغربا كذلك من عزوفه عن الحديث حول مشاركته في ريادة القصيدة الحديثة أو ما اصطلح عليها في العقود الأخيرة ب(قصيدة التفعيلة) . ولكن بعد اطّلاعي على شعره غير المنشور في (مدوّناته الثمان) وجدت أنّ الرجل كان صادقاً بشأن دوره الرياديّ في كتابة قصيدة النثر ، وله مجموعة كاملة تحت عنوان [أشعار منثورة] تتضمن نماذج متقدمة في هذا النوع من الشعر مُقارنةً مع تجارب أخرى جاءت بعدها بسنوات (دون أن ننسى تجربة الشاعر حسين مردان في نثره المركّز : مجموعته "عزيزتي فلانة" في ١٩٥١ ) . فضلاً عن نماذج أخرى من هذه القصيدة لشاعرنا البريكان أكثر نضجاً نجدها مبثوثة في مدوّناته الشعرية الثمان ، وتحديداً في ديوانه الكبير [عوالم متداخلة] والذي يشكّل الجزء الأوّل من أعماله الشعرية .
كما فوجئت بأنّ تجربته في كتابة قصيدة التفعيلة تعود الى العام نفسه (١٩٤٩) وهي محاولات ريادية لا تبتعد كثيراً عن محاولات مجايليه : نازك والسياب والبياتي وبلند ، بل وتتقدم على المحاولات الريادية للشعراء العرب والتي بدأ ظهورها في النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي ، كمحاولات خليل حاوي ، عبدالصبور ، أدونيس ، الفيتوري ، حجازي ، نزار قباني ، فدوى طوقان ، وشوقي بغدادي ، وآخرين .
أما نصيبه من المسرح الشعري فلا نجد لديه محاولات شعرية مكرّسة للمسرح حصراً كما لدى الشاعر صلاح عبد الصبور مثلاً ، ولكنّنا سنعثر له حتماً على محاولات عديدة في إدخال المسرح الى الشعر، وليس العكس ، بل أنّ بعض قصائده اقتربت كثيراً من عالم المسرح من دون أن تذوب فيه : مطولته [سقوط بغداد] مثالاً واصفاً إيّاها ب(القصيدة الدرامية)
وأمّا تجربته اليتيمة في كتابة القصيدة المدوّرة ، والتي جاءت على شكل مقاطع بعد أن وضع لها عنواناً صريحاً : [قصيدة من أربعة مقاطع مدوّرة] فلم نره شغوفاً بهذا النوع من الشعر كفايةً ، وهذا يفسّر لنا عدم تكراره لهذه المحاولة في قصائد أخرى مستقلة ، إلّا أنّنا نجد ملامحها أحياناً في عدد من المقاطع والجمل الشعرية الطويلة نسبياً في العديد من القصائد . وأرى أنّ عزوفه عن تكرار هذه التجربة يعود الى عدد من الموانع التي حالت دون ذلك ، وهذه الموانع هي ما يميّز التجربة البريكانية في الشعر ، إذ أنها تتوفّر على متن فكري ومعرفي خصب المحتوى ما يستدعي بذل جهد فائق لجعل إيقاعها قابلاً للاستمرار بلا توقف ، أو الدوران بسلاسة في حلقات صغيرة أو كبيرة ، ذلك أنّ القصيدة المدوّرة بحاجة الى لغة حسّية ومتاحة ، فيها شيء من الطراوة والخفّة والتلقائية الميسّرة ، تتحدّث عمّا هو عياني ومشترك ، لا تنشغل كثيراً بما هو أبعد من ذلك ، وقصيدة البريكان ، بمتنها المخصّب فكراً وفلسفةً ومعرفةً، ليست كذلك ، فهي بحمولتها الثقيلة هذه يصعب إدارتها وتدويرها . وهذا الانشغال الفكري والمعرفي قد رافق تجربته الشعرية منذ بواكيرها الأولى ، وتجذّر مع الوقت ، وغالباً ما يأتي على شكل أسئلة وجودية لا يتوانى عن تكرارها ، في العديد من القصائد والنصوص متى ما لزم الأمر وبأشكال مختلفة تتعلّق بالمصائر النهائية للموجودات ، إذ يقع المصير الانساني في القلب منها ، وقد لا يهمه كثيراً من أين جاء هذا الانسان قدر ما يهمه تحديداً الى أين سيذهب أخيراً ، هذه هي الفكرة المركزية في شعره كلّه ، بعد أن جاءت بأوضاع مختلفة منذ قصائده العمودية المبكّرة . وما ساعد على تكريس الاشتغال الفكري هذا شعريّاً لدى البريكان ، فضلاً عن قراءاته النوعية ، هو تلك العزلة المختارة التي أتاحت له مساحة كبيرة في قول ما يريد ، في الوقت الذي ضاقت كثيراً على آخرين . وكذلك في نشر ما يراه مناسباً ، وهي خيارات مشروطة قلّصت كثيراً من فرص النشر في الوقت الذي وسّعت فيه من فرص الكتابة وتنوّعها . إنّ شعراً يضجّ بالأسئلة الكبرى والممضّة لن يكون من السهل فهمه وقبوله بأريحية ، وربما يساء الى مقاصده كثيراً من قبل الآخرين ، لهذا نجد أنّ الغاطس من شعره يكبر مع الوقت ولا يظهر منه للعيان سوى القليل . ولا يعني في ما تقدّم من حديث حول إشكاليات الكتابة والنشر عند شاعرنا البريكان أنه قد أدار ظهره للهمّ اليومي والمباشر ، إذ أنّ هناك العديد من القصائد التي انحاز فيها الى أحلام الناس وآلامهم ومعاناتهم اليومية معتمداً في ذلك على الواقعة المباشرة حيناً ، وعلى مطويّات التاريخ ، برموزه واقنعته الكثيرة ، حيناً آخر ، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُعدّ ، وكثيراً ما يبدأ من القريب والمُتاح لينفذ بعد ذلك الى ما هو أبعد ، الى المصائر النهائية للإنسان والوجود على وجهٍ أعمّ ، ولكن بطريقة فنيّة ذكيّة لا يشعر المتلقّي معها بأيّ انقطاع أو قطيعة قد حصلت في النسيج الشعري العام للقصيدة ، وهذه من أميَز أسرار قوّة هذه التجربة وتفرّدها ، ومن أمثلة ذلك : مطولته المدهشة والنبوئية [سقوط بغداد] ١٩٧٠ ، وكذلك [قصّة التمثال من آشور] ، [قانون النقر] ، [جلسة الأشباح] ، [سفينة الجذام] ، [احتفاء بالأشياء الزائلة] ، [الكائن المزدوج] ، [كنز العجوز] ، [حارس الفنار] ، وقصيدته الهائلة والطويلة [الشِعر الخام]...وعشرات القصائد الأخرى التي تضمّنها هذا الباب ، وهي تمثّل في تقديري ذروة ما وصلته هذه التجربة .
ولشاعرنا البريكان أربع مطوّلات شعريّة : المجاعة الصامتة ، أعماق المدينة ، سقوط بغداد ، القوّة والأغلال . عثرنا على الثلاث الأولى منها ، وفقدنا أثر الرابعة . وقد ساعدت وحدة الموضوع ونزعة السرد في هذه المطوّلات على جعلها قريبة الى مزاج القارئ وفهمه ، وهي تبدأ في العادة من بؤرة مركزيّة لتؤثّث ، مع الوقت ، بالتفاصيل . فلحظة سقوط بغداد ، مثلاً ، على يد المغول عام ١٢٥٨ في مطولته [سقوط بغداد] تمثل هذه البؤرة التي تشظّت منها جميع الوقائع الأخرى التي حدثت إثر ذلك وهي تفاصيل إضافية أغنت الحدث ، ومنحته الصفة التي عُرِفَ بها لاحقاً ، وكلّ مطوّلة من هذه المطوّلات هي عمل شعري قائم بذاته يستحقّ أن يقف عنده الناقد والقارئ على السواء وقفة جادّة ، لا لدواعٍ فنيّة حسب ، بل من أجل استلهام ما ينطوي عليه من رسالة إنسانيّة عابرة للزمن . وما هو جدير بالذكر هنا هو العلاقة النصيّة المُلتبسة بين مطولة البريكان [أعماق المدينة] ومطولة السيّاب [المومس العمياء] فهما تتصاديان مبنىً ومعنى ، خاصة وقد كتبتا في زمنين متقاربين (مطلع خمسينيات القرن الماضي) ، وهذا وحده يستدعي التساؤل ، وسيلهب فضول المهتمين بمنجز الشاعرين الرائدين .
ويمكننا القول هنا أنّ أعمال البريكان الشعرية هذه ستكون سبباً في إعادة النظر الى بعض الثوابت ، أو ما كنّا نعتقدها كذلك ، في الدرس النقدي المعنيّ بالشعر العراقي والعربي خلال نصف القرن الماضي ، وربما أبعد من ذلك .
وأخيراً ما الذي يجعل من تجربة هذا الشاعر فريدة ومؤثّرة الى هذا الحدّ ؟ في الوقت الذي نجد فيه شعراء كثر قد وقعوا تحت سطوة السائد ، تحدّثوا من خلاله عن كلّ شيء ، عن ماضي الناس وحاضرهم ، وما ينتظرونه من نكبات في المستقبل المنظور وغير المنظور ، ولكن من النادر أن نجد شاعراً منهم قد وظّف كلّ هذا في قصائد ونصوص مُحكمة لا تقبل الدحض مع معرفتي بمدى خطورة ذلك في عالمٍ غير مؤتمن ، ولشاعر لم يكتف بنقد الحاضر حسب وإنما جعل من شعره منصّةً يستشرف من خلالها المستقبل البعيد . وإذا قيّض لي أن أعدّ مختارات شعرية من هذا (النادر والمحكم) في شعرنا العربي فسيكون للبريكان حصّة الأسد .
وإذا اعتبرنا اللغة الشعرية بنسختها الأصفى والأمثل والأبلغ تأثيراً هي الحاضنة للنصّ الشعري والحامية له من عثّ الزمن فسوف تنهض أمامنا لغة البريكان بكل بريقها الفنيّ الأخّاذ مثالاً مبهراً على ذلك بلا ريب .
قليلون هم الشعراء الذين كرّسوا حياتهم كلّها للشعر ، ومن هؤلاء شاعرنا البريكان ، إذ لم نشهد أنه انشغل بما سواه ، وهذا ما يعزّز فكرة انحيازه المطلق للشعر ومدى شغفه به ، فهو لم يجعل منه مجرّد مرحلة ما لينقطع عنها بعد ذلك الى كتابة النقد أو الرواية أو الترجمة أو غير ذلك كما فعلها ويفعلها شعراء آخرون . ولست هنا في مورد الانتقاد لشعراء بعينهم ، فهم أحرار في ما يختارون ، ولكن فقط لوصف الحال كما هو لا أكثر ، وليس في ذلك ميزة لشاعر ما . وما يجعل الشاعر خالداً في ذاكرة الأجيال هو القدرة الاستثنائية لكتاباته على الاضاءة والتأثير والعبور الى زمن أبعد . ثمة شعراء كثر فقد شعرهم هذا البريق وهذه القدرة وهم أحياء ، في الوقت الذي مازلنا نقرأ فيه بشغف لشعراء عاشوا قبلنا بألف عام أو أكثر .
إنّ ثمّة شعر كثير سيبقى لشاعرنا البريكان ما سيجعله الوديعة الأثمن في ذاكرة الأجيال القادمة ، وبمثل هذا الاعتقاد كنت أواصل البحث منذ سنوات عن هذا الكنز المغيّب الى لحظة العثور عليه في بيت من بيوتات مدينة الرياض صيف ٢٠٢٤ ، إيماناً منّي بأهميّته وقدرته الاستثنائية على البقاء والتأثير .
علي النويّر
مشاركتي في (ملتقى البريكان) المنعقد في البصرة يوميّ ٨ ، ٩ من هذا الشهر لمناسبة صدور أعماله الكاملة عن دار الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة العراقية . ورقتي كانت بعنوان (محمود البريكان والريادة المؤجلة) .