صائد للشاعر الأوردي مهدي حسن*... النقل عن الفرنسية مع التقديم: إبراهيم محمود

1760279618264.png

ق



تقديم المترجم:
لا يأتي قصيد الشاعر الأوردي" الباكستاني" مهدي حسن " 1927-2012 " كما نريد. إنما حيث يجب أن نمضي إليه، إخلاصاً لروح الشعر التي لا تعرف انتماء جنسياً محدداً وقطعياً. يمكن قراءته، سماعه في الجهات كافة، في الأزمنة كافة. الشرط الوحيد هو في كيفية الشعور بتدفقه وهو في أعماق سحيقة، هو في سماع صوته كما هو الرحيق في أفواف الورد.في مقدور الشعر أن يمارس تعريفاً بشاعره، أن يقودنا ويملؤنا حبور بذلك، بنا أنه يمضي بنا إلى ما هو فينا، إلى صوت من أصواته، عطر صامت وفواح من عطوره، وأن ينيرنا بما نعيشه ولسنا على دراية به، لأن ثمة عتمة تسكننا، ونفحة الشعري، في لحظة معينة، هي التي يمكنها أن تصل ما بين مسافات بعيدة، أن تفسح في المجال ، لتلتقي عيون ما كان لها أن تتقابل، وأن تتحاور في صمت، وأن تتنادم متحررة من وطأة الزمن، توقاً إلى المغايرة، إلى ما يثري الجسد الذي يتنفس بقوام روح.
لا تعود العين الناظر هي نفسها، لا الأذن المصغية هي نفسها، لا القلب النابض هو نفسه، لا الهواء الذي يتم استشاقه هو عينه، إنما هو ذا الهبوب المتسرب ماءً في مسامات رمل، وإشعاراً مباشراً أن هناك حياة أوسع وأرحب وأعمق وأجمل تالياً.
في صوت الشاعر الأوردي المقدر والغنائي، ثمة شعباً يتحدث على طريقته، بلسان الحب، وبتلك الزاوية المنفتحة على جهاتها، لإظهار مقام الطبيعة، كما هي كائناتها، كما لو أن وراء كل عبارة متهجاة، ولمسة يد، ونفضة مسام، ورفة جفن، وارتعاشة فم، وتنهيدة طارئة، تكون الطبيعة بقواها وكائناتها، إشهاراً بحقيقة تشير إلى أننا نكون حيث نعيش اعترافاً بحضور الطبيعة داخلنا، وكأن حضور المحبوب أو غيابه، لا يقدَّر أفراحاً أو أتراحاً إلا باستعارة ما يلزم من الطبيعة: من مائها، شجرها، وردها، طيرها، حيوانها، جمادها، وهوائها..إنها اسطقسات كونية، وكأن الشاعر يؤكد أهليته لأن يكون إنساناً بنسيج شعره بالمقاس هذا..
يتعمق حضور الشعر بمحتواه نوعياً حيث يتمازج الصوت مع الكلمة والموسيقي، في ثالوث يطرب الصمت!
وفي هذه الغزليات " الآسيوية/ الأوردية " ثمة ما يشدنا إلى عراقة فينا، إلى إشراقة تمضي بنا إليها " أماماً "، وما يترتب على لقاء نوعي كهذا، من تنمية لروح تنتظرها، لتردّ حسنة فاعلها بـ" عشرة أمثالها "!

في هذه النصوص المختارة، هناك روح الشاعر الأوردي، إنما روح على التخوم..والقراءة شاهدة:


الدرويش LE DERVICHE

طلبتُ منك صدقةً بنظرة،
فأشحت ِ بنظرك.
طلبتُ منك صدقةً بابتسامة،
فتصلب وجهك.
طلبتُ منك صدقةً بقبلة،
فأجبتني: امضِ في طريقك.
يا حجلتي، بلا نظرة، بلا ابتسامة، بلا قبلة، كيف لي أن أواصل رحلتي؟
وإلى أيِّ مَنبعٍ أتوقفُ إن كنتُ أشتاقُ إليكِ إلى الأبد؟

سيفه SAÏFAH
سيفه، يا روحي، لماذا ترتدين النقاب الشفاف حين تهبُّ الرياحُ عبر السهل وترفعُ حجارةً حادة؟

سيفه، يا تاج رأسي، لماذا يخفق صدرُك أسرعَ من ورقةِ الطائرةِ التي تهزُّها ريحُ السهل؟

سيفه، يا نورَ عيني، لماذا أصبحت نظراتُك الرقيقةُ أكثرَ جفافًا من السهلِ الذي جفَّته الرياح؟

*

* *

أُريدُ أن أطيرَ مع ريحِ السهلِ إلى أحضانِ من ينتظرني.
يخفقُ صدري بشدةٍ حتى أن روحي تتحطمُ - يا ملعون - لأن يدكَ الكاذبةَ كسرتْ دونَ همسةٍ كأسَ قلبي الصافي.
نظرتي جافةٌ - يا ملعون - لأني بذلتُ كلَّ دموعي لتُشكلَ الجدولَ الذي سيغرقني في السهل.

لماذا؟ POURQUOI ?

لماذا تُغني - يا بلبل - وقد سكت صوتُ حبيبتي؟
لماذا تُشرقين - يا شمس - وقد أغمضتْ عينا حبيبتي؟
لماذا تحلمين - يا عذراء - والسعادةُ سرابٌ أبدي؟

- ما زلتُ أُغني - يا باكية - لأن قلوبًا أخرى جذلى.
ما زلتُ أُشرق - يا باكية - لأن عيونًا أخرى تتألق.
وإذا حلمتُ - يا شاب - فربما تُحبني غدًا.

الحوض LA VASQUE

ينساب الماء منتشراً في الحوض،
وهي أنشودة الربيع.

تتساقط أوراق شجيرة الورد على الحوض،
وهي قرمزية الربيع.

تلعب الشمس على الحوض،
وهي ابتسامة الربيع.

*
*

يُفضّض القمر ماء الحوض،
هوذا وجهها، شاحبًا من الحب.

لكن الليل يُظلم الحوض،
ولم يعد قلبي يعرف إن كانت تُحبني.

هوس L’OBSESSION

أرى الشمس المُبهرة،
وهي عيناها.

أُداعب كهرمان مسبحتي،
وهي خدها.

ألمح شجرة السرو المُتغطرسة،
وهي طولها.

أستنشق وردة كاسفين،
وهي أنفاسها.

أسمع ماء الكانوت يُغني،
وهو صوتها.

وإن وطئتُ أفعى،
فإنها لا تزال تُطاردني.

الجرح LA BLESSURE

لم يكن الخنجر هو من سبّبه:
أعدائي كانوا في خيامهم.

ليس انتقامًا طال انتظاره:
أولئك ممن أسأتُ إليهم ماتوا بيدي.

ليس مصادفة عمياء:
المصادفة، حين تعترض طريقي، تُصبح مُبصرة.

إن انسكبت حياتي وتركتني
فذلك لأن عينيها جرحتاني حتى الموت.

وهي تُحبّ أخرى.

ضوء القمر CLAIR DE LUNE

يُزيّن القمر الحديقة، وفي الظلال، تُحلم زينة Zeineh. تجلس القرفصاء على حافة الجدول الصافي، وعلى شفتيها ياسمين، وروحها مُشرقة بالحب. كل نبضة قلبها تُنشد اسم حبيبها، وتُرددها لها أنشودة الماء. تبتسم زينة؛ وترفرف زهرة الياسمين.
تمر الساعة. تزداد الحديقة زرقة. غادر القمر شجرة النخيل المسننة وانسل خلف التل؛ يُعلن عندليب؛ تتساقط نغماته العاطفية واحدة تلو الأخرى في الليل المُنصت.

ترفع زينة وجهها وتضحك.
لكن زهرة الياسمين انزلقت من شفتيها. يلتقطها الجدول حيث لم يعد القمر ينعكس.
ترتجف زينة. تبحث بنظرها عن البتلات التي سقطها التيار. لكن التيار قد جرف زهرة الياسمين، وهناك، يبدو الضفدع الحزين وكأنه يبكي على فرحٍ تلاشى.
زهرة الياسمين نائية؛ تُعطر الماء المتراجع.
في قلب زينة، لا شيء يبقى، إلا ذكرى العطر.

الرمل LE SABLE

ينساب حُبّه الدافئ بين أصابعي كاللمسة،
وهكذا انسابت ابتسامة عائشة العذبة على روحي.
ألف ابتسامة أخرى مرّت على روحي.
إحداها تركت حرقةً، وأخرى لسعة.
أين أجد، في صحراء حياتي،
حبة الرمل التي كانت ابتسامة عائشة؟

حبها SON AMOUR

أشعلتَ عينيّ الغزاليتين.
رفعتَ نغم صوتي.
سكرتَ بربيع جسدي.
ثم وطئتَ قلبي.

الكبرياء ORGUEIL

للكون أجمع غنت سعادتها،
وأخبرت النحلة الباحثة الوردة بهذا الحب الفريد.
يوم خُنت، لم يشك أحد في ذلك،
وتنهد المهجورون، وهم يفكرون في قبرها:
"لقد كانت سعيدة."

ماتت... ELLE EST MORTE…

شربتْ من هذا النبع.
ماتت - ولم يجف النبع.
تذوقت هذا العسل.
ماتت - وظل العسل حلوًا كما هو.
انحنت على شجيرة الورد هذه.
ماتت - ولا تزال شجيرة الورد تزهر.
لكن قلبي، أخذته بين يديها.
ماتت - وقلبي يرقد في قبره.

العطش LA SOIF

تحت الخيمة – أنتظرك الليلة -يا حبيبتي
يا كريم Kérim! خذ رايتي وارفعها راية فرح على رأس خيمتي.
كم قمرًا كُتب في السماء منذ عطشت إليك - يا حبيبتي - لأن دماء أعدائي المسفوكة لم تُروِ عطش قلبي.
ينتظرالشفق اليومَ الأخير. الشمس تُودع وداعًا ملكيًا في موكب غيوم ملتهب. تُبسط حُجُب المساء، واحدًا تلو الآخر، على النهار المُنهك؛ تُغلّف في الظلام أفواه المحتضرين المُتشنّجة، وتجمع في طيّاتها الصامتة آخر صرخات غضب المهزومين.

يا كريم! على رأس الكثيب، تنهض القافلة، حارسةً لكنزي الحيّ!
هبت ريح الصحراء. احرص على أن تُحيي أنفاسها رايتي المُرفوعة.
يا قلبي، يا قلبي الذي قسّته المعركة، لقد أعادت دقّاتُك اكتشاف ربيع شبابي المُنهك.
يا كريم! ريح الصحراء تعصف. اخرج من الخيمة وانظر إن كانت رايتي تُقاوم أنفاسها المُضطربة. ترفرف الراية في الريح - يا شريف - وكلّ تموج يُخبر الأرض بانتصاراتك.
يا كريم! يا كريم! ريح الصحراء تهب كعاصفة. انطلق يا فتى، وادعم الراية المُنتصرة بذراعك القوية.

يُطيع كريم سيده.
يرفع باب الخيمة.
والرمال تعميه.
يعبر عتبة الخيمة
ويلفه الليل.
يتقدم ليرفع الراية
وتروي صفية المنتظرة عطشها بشفتيه.


لو قلت لي... SI TU M’AVAIS DIT

لو قلت لي: أعطني جوادك المفضل،
لقلت: خذي جوادي المفضل دون تردد،
وما الفرق! وأنتَ تُقيّديني على ركبتيك.
لو قلت لي: أعطني كل كنوزك.
لقلت: خذي كل كنوزي دون حساب.
وما الفرق! فأنا مدين لك.
لو قلت لي: أعطني كل دمك،
لقلت: خذي كل دمي دون ندم،
وما الفرق! وأنتَ تملكين روحي كاملة.
ولكن لو قلت لي: حطم خنجرك،
لقلت: يا امرأة، ليس قبل أن يُقطع رأسك!

الأسرار CONFIDENCES

قالت عائشة: أُفضّل الليل،
فكل شيء نائم، وأستطيع البكاء في صمت.

قالت زينة: أُفضّل النهار،
فكل شيء فرح، وحزني يبقى سراً.

ذكرى SOUVENIR

طعم العسل على شفتيّ:
قبلتها.
في روحي، انعكاس الجنة:
عيناها.
خنجر في قلبي:
أيمانها.

شجار QUERELLE
لماذا تسأليني يا جلنار عن اليوم الذي احترق فيه قلبي، وقلبي اليوم ليس إلا رمادًا منثورًا؟
لماذا تسأليني يا جلنار عن اليوم الذي تبادلت فيه ابتساماتنا، واليوم لم يكن للمخمور نفسه أن يعترف بشفتي؟
لماذا تسأليني يا جلنار عن اليوم الذي وطأت فيه خطواتي الأرض دون أن تلامس النملة، واليوم تتمنى قدمي أن تسحق كل ما يتنفس؟
ولماذا تسأليني يا جلنار عن اليوم الذي أزهرت فيه روحي منذ أن رمت أصابعك الوردة المتفتحة في الريح؟
وستخبرني يا محمود عن اليوم الذي سرقت فيه عائشة نبضة من قلبك؟
هلّا أخبرتني يا محمود، في أي يومٍ صدمت عائشة بابتسامتك العارفة؟
هلّا أخبرتني يا محمود، في أي يومٍ حملتك خطواتك من تلقاء نفسها إلى نبع اللطيف؟
وهلّا أخبرتني يا محمود، في أي يومٍ ارتجفت روحك أمام عائشة، متكئةً على النبع العذب؟
ولكن ما فائدة ربط حلقات العذاب معًا؟
اطمئن يا منحرف، هذا المساء ستتمكن من مداعبة خد متهوراً بلا ذنب، لأني، أقسم بزهرة الحد، لن تلوّث دموعي ماء النبع المقيت الصافي أبدًا.
قالت هذه الكلمات، واختلطت نظراتهما، وكان صباح صيفٍ من جديد.

كما هو TELLE QU’ELLE EST

عندما تمشين يا عزيزة، يظنّ الغزال نفسه ثقيلًا والظبي مُعرجًا.
عندما تبتسمين يا عزيزة، تفقد اللآلئ اتجاهها فورًا، وتتساقط الورود بتلاتها، منزعجة من زفير هذا العطر الخشن.
عندما تغنيين يا عزيزة، ينتقد الطائر المغرد الشحرورَ، ويصمت البلبل.
ولكن عندما تتشاجرين يا عزيزة، يتجادل الوزير والتقويم، وتشك البشرية جمعاء في الخير.

كما هو الحال TELLE QU’IL S’EN RENCONTRE
عندما تفتحين فمك يا كَل سياه Gul-i-siah * أرى كهفًا مبطنًا باللآلئ يحتقره التلال.
عندما تصلني أنفاسك يا كل سياه، أرفع الوردة فورًا إلى أنفي.
عندما تبدأين حكاية يا كل سياه، تهسهس الأفاعي في الهواء، وتقتل العقارب بعضها بعضًا.
وعندما يخيم الصمت يا مهجور، لا يكون العالم سوى مستنقع نعقت على حافته.
*- Gul-i-siah، يعني هذا الاسم بالفارسية: الوردة السوداء " المترجم "

قراءة الصفحة PAGE LUE

لم أكن قد رأيته بعد
عندما - بالفعل - وجدني جميلة.

لم أكن قد ابتسمت له بعد
عندما - بالفعل - شعر أنه يحبني.

لم أكن قد تحدثت إليه بعد
عندما - بالفعل - أقسم لي بالحب الأبدي.

وعندما - بعد - نظرت إليه،
أدار بصره.

وعندما - بعد - ابتسمت له،
شعرت براحة قلبه.

وعندما - بعد - تلعثمت "أحبك"
أجابني: كفى! عزيزة تُرضيني أكثر.

الياسمين المزدوج LE JASMIN DOUBLE
صنعت عائشة منه عقدًا لفته حول رقبتها، لكن إصبعها المتلهفة قطعت خيط الحرير.

انسكب الياسمين في مطر عطر؛ قطرة عالقة في شعرها المنسدل، وأخرى انزلقت على الأرض، وأخرى بين نهديها أشد ثباتًا من شليلات شهر أمرداد.
فماذا عسى منصور أن يكون الزهرة التي تستقر في وادي الحب هذا!
لكن قلب الفتاة نبعٌ لم ينفجر بعد، ولم تأت الساعة بعد لتضع شفتا العاشق عقدًا من القبلات على عنق عائشة الرقيق.

قليل جدًا TRÈS PEU DE CHOSE

حبة رمل في نعله
ما الذي يتطلبه الأمر أكثر من ذلك لإشعال غيرة أفراسياب؟

مهدي حسن (بالأوردية: مہدی حسن)، الملقب بخان صاحب أو شاهنشاه غزال ("ملك الغزل")، هو غزلي باكستاني ومغني موسيقى أفلام في لوليوود (لاهور).
وُلِد في لونا، راجستان، الهند، عام ١٩٢٧، لعائلة ثرية من الموسيقيين التقليديين، من الجيل السادس عشر من سلالة كالاوانت (فنان). تُوفي في ١٣ حزيران ٢٠١٢.
تلقى تعليمه الموسيقي في سن السابعة من والده، الأستاذ عظيم خان، وعمه، الأستاذ إسماعيل خان، اللذين كانا يُغنيان "درباد". تعلم جميع أنواع الموسيقى الهندوستانية: ثمري، ودرباد، وخيال، ودادرا. خلال تقسيم الهند، هاجرت عائلته إلى باكستان، حيث عمل ميكانيكيًا لفترة.
أُتيحت له فرصة غناء "ثمري" على إذاعة باكستان عام ١٩٥٢، لكن شغفه باللغة الأردية قاده إلى الغزل.
اشتهر بسرعة في الستينيات والسبعينيات، وأصبح رمزًا وطنيًا. للأسف، أجبره المرض على اعتزال المسرح في أواخر الثمانينيات. حاز على العديد من الجوائز، وعاش متقاعدًا في كراتشي.

ملاحظة من المترجم: الصورة المنشورة للشاعر مهدي حسن، من اختياري ووضعي !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى