قيل الكثير عنه الشاعر والرسام" الرسام والشاعر " الإيراني سُهراب سبهري " 1928-1980 " الكثير الكثير وأكثر منه، أي إن هناك الكثير مما يمكن،أو مما يجاز قوله، فشاعرُ توأم الكلمة والصورة الفنية، والذي عمّر نصف قرن ونيّف، أظهر في عمره العضوي الكثير مما يتعداه من خلال عمره الإبداعي" العقلي- الروحي " بحيث يشفع له زمانه بالفعلي بالديمومة المؤثرة الملهمة في زمان يلينا ويلي التالين علينا، تجاوباً مع مأثرته الشعرية " شعر لا يقول إلا ما هو منتظَر بأصوات عدة، أصوات لا تحصى، أصوات لم تُسمَّ بعد، وتلك ذائقتها التي تمنحه حياة من نوع آخر " وتلك الفنية" اللونية " التي تفصح روحياً وتصرح بصداقتها مع المتردد لغوياً، كما لو أنها تتكلم لونياً، تجعل العين ناطقة، والأذن رائية، وبقية الحواس مأخوذة بجماع قواها في هذا الوهْب الإبداعي والمؤاسي لكمل روح مصابة ".
لقد ترجمتْ أعماله الشعرية إلى العربية، عدا عن نصوص وقصائد لها يسهل قراءتها في منابر مختلفة، تعبيراً عن تدفق اسمه عطاءات تترى وتُثرى في نقاء المركَّب روحياً، وثمة براعة الريشة، أداة الرسم في مصادقة الطبيعة وإبرازها في نماذج تشهد له على خاصية " الخل الوفي " داخله، وثمة صوت ولون، لون وصوت، ثمة الماء المرسوم وتدفقه لونياً في حالاته، ثمة الشجر المحموم بالقطف الداني، والكائنات التي تؤتنس، أو تتعايش معاً، كما لو أنها تحتفي بما هو روحي عابر للحدود المرسومة أيضاً .
في بنية الصداقة بين الكلمة واللون، وبالعكس، ينتفي الظل الشخصي، رغم حضوره النافذ جهة السؤال عنه اسماً ومسماً ونسباً، لكنها الصداقة التي تحيل المؤطر في الشخص القابل للقياس، إلى المحرر من ظله ونوره، مفسحة المجال لمتخيل المستمع/ الناظر في أن يتفاعل روحياً، ويعيش متعة المقيم الصوتي واللوني في الجملة واللوحة، ما يجعله أكثر حضوراً بأنسيته في الحالة هذه .
وإذا كنت أشير إلى نصوص شعرية له، ومن خلال الفرنسية، فإنني أحاول تسمية الجسور اللامرئية والمقامة بمسافات واسعة، وفي أعماق مرئية، جسور تمكّن مقتفي أثر كل من الصوت المودع شعرياً، واللون المودع فنياً، من التصعيد بروحه خارج أسرها العضوي.
في الحسية الملموسة لديه شعراً ولوناً، ما يلفت النظر، إنها حالة توحد معها، إلى درجة تجاوزها، كما لو أنها العتبة التي لا بد من عبورها دخولاً في المطلق الذي يحون الروح. هكذا يصبح المكان شاهداً حسياً في مجموعه لهذا الشغف به، ومجرد خطوة، قفزة في اللامتناهي تعبيراً عن استماتة دفعاً للمادي الضيق ومن يراهن عليه، وضمان ديمومة للأصفى والأكثر رحابة.
التعبير بإيجاز وبامتياز
يتحدث عن شخصه ليس تعريفاً هوياتياً به، إنما مجرد تنوير لرقعة شهدت ولادته، رقعة شهدت عذاباته، رقعة شهدت تحليقه خارجاً، إذ مع قراءة المسطور شعرياً، وهو بتدفق كونيّه، والمتماوج لونياً، لا يعود سوى ما يمكن لقارئه تخيله، لمشاهده تصوره نفسياً:
حياتي، في المجمل، ليست صعبة.
لديّ ما يكفي لأعيش به، قليل من الذكاء، وموهبة ضئيلة.
أمّي ألطف من أوراق الشجر.
أصدقاءٌ أنقى من الماء الجاري.
وإلهٌ حاضرٌ في مكانٍ ما، قريبٌ جدًا:
بين أوراق زهرة الجدار،
عند سفح هذه الصنوبرة الشامخة،
على وجه الماء الواعي،
في قوانين عالم النبات.
أنا مسلم.
وردةٌ هي وجهتي إلى مكة.
نبعٌ كسجادة صلاتي.
نورٌ كختم صلاتي.
السهل سجادة صلاتي.
أتوضأ عند نوافذ النور النابضة.
يتدفق القمر خلال صلاتي.
تتدفق ألوان قوس قزح.
يتألق الحجر خلال حماسي.
كم هي شفافة بلورات صلاتي.
أبدأ صلاتي حين تُثير الريح صوت المؤذن على مئذنة السرو.
أبدأ صلاتي حين يُنادي العشب بسم الله الأعلى،
حين يرتفع الموج بآذان الله.
كعبتي على حافة الماء.
كعبتي تحت أشجار السنط.
كعبتي نسيمٌ يهب من حديقة إلى حديقة، من مدينة إلى مدينة.
حجري الأسود هو نور أحواض الزهور الساطع.
إن تسمية معتقده ودينه، لا تعني تمايزه عن الاخرين في معتقداتهم وأديانهم أو مذاهبهم، وإنما تسمية ما يكون اختلافاً وليس خلافاً، تمييز يثري التنوع الإنساني، بقدّر ما يكون له إسهام لجعل المرئي أبعد مما يُرى فيه، وأن المحسوس أعمق مما يؤخَذ منه أو عنه بداية.
هكذا الحال مع ما هو مكاني، أو الجهة الجغرافية، أعني مسقط الرأس، أعني حيث يكحون الأبوان، الأهل، جماعة الأقران، أو الأتراب، والأهم ضمناً، حيث تكون البيئة في جماع عناصرها التي تمنحها قابلية حياة وخصوبة في الصميم، تفاعلاً مع بعضها بعضاً.
ماذا يعني من بين ما يعنيه قوله التصريحي الشعري " سرده " الرمزي عن كاشان وما تمثله تربوياً واستهدافاً روحياً له:
أنا من أرض كاشان
لكن مسقط رأسي ليس كاشان.
لقد فقدت، يا للأسف، مدينتي.
مُتعالٍ ومُحموم،
بنيتُ بيتًا في آخر الليل.
هنا، في هذا البيت، أنا قريب جدًا من رطوبة العشب المجهولة. أسمع طقطقة أنفاس الحديقة،
صوت الظلام وهو يتدفق من الورقة،
صرير سعال النور خلف الشجرة،
عطسة الماء في شقوق الحجارة،
قطرات السنونو من سقف الربيع،
رفرفة نوافذ الوحدة وهي تُفتح وتُغلق،
همسة الحب النقية وهي تخلع جلدها سرًا،
الرغبة الشديدة في الأعالي تتلألأ في الجناح،
صرير شق يخدش سيطرة العقل.
أسمع شغفًا يسير،
وطء الدماء الذي لا يلين في العروق،
نبض الصباح في الآبار التي تطير منها الحمامات.
حمى المساء في قلب أيام الجمعة. أسمع تدفق القرنفل في منعطفات الفكر،
صهيل الحقيقة الواضح في البعيد.
أسمع اهتزاز المادة الخفي.
وتآكل نعال الإيمان في شارع النشوة. وصوت المطر:
على أجفان الحب الرطبة،
على موسيقى البلوغ الحزينة،
على أنشودة الرمان الأرجوانية.
وضجيج نوافذ الفرح المتفجرة في الليل.
وتمزيق رق الجمال،
ونفخة الريح التي تملأ جسد المنفى وتفرغه.
أنا قريب من جذور الأرض.
أشعر الآن بنبض الأزهار.
أستمع إلى مصير الماء المتدفق، وخضرة الشجرة.
لقد قيل عن جانب تيتّمه بكاشان، تلك الجغرافية الآهلة بذخائرها المتدفقة جمال تنوع وهيبة تنوع في التضاريس براً وماء، كما لو أنه ينسّب روحه الملهمة، روحه المحررة كثيرة من الرقعة الضيقة مكانياً، إلى الأبعد منها، وفي ضوئها إلى كاشان، وزخم ألق المكان، في شعره ورسمه، وكأن هذين يوليان اهتماماً فائضاً بالدلالات للمكان الكاشاني إيقاعاً وإمتاعاً، اعترافاً بالمعلّم المضمر داخله .
إنها ذاكرة المكان، وما يخص المسمى بـ " واجب الذاكرة " المكانية وجلاء نفوذ غوايتها المعتبَرة في صقل روح المقيم فيها، فلا يعود المسكن مجرد تطويب خارجي للمكان، مجرد بناء جدار، أو تشييد مبنى وخلافه، وإنما تفعيل مأثرة ذاكرة مكانية لا تبلى ، حيث يكون السكن متعدياً ما يؤتى منه حسياً، لأن الجذر المضاعف إخصاباً لمقام الروح، هو في المسكن المتنامي مناعة وشبوبية روحياً.
إنها سردية شعرية وأبعد
سبهري مأخوذاً بهواه الاقدر على إبقائه حياً في الذاكرة المكانية،يسمّي كائناته، من هم لامرئيون بالنسبة لعامة الخلْق، من يصعب تلمسهم، وسماع أصواتهم الفعلية، وقراءة حركات أيديهم، وسيماء وجوههم، تلك التسمية التي تنقل لمن يهمه العميق الصامت والبليغ معنى، وهو ضمن جملة الكائنات هذه، ليس كشخص، وإنما كروح تهب نفسها لطبيعتها، للعالَم، ليعرف العالَم هذا أن معادلة كهذه تمنح تلك المتعة الفريدة محتوى لمن يتأهل ويرتقي إلى مستواها، وأن المقرَّر في شعره ولوحته يعايَن في المتدفق نهرياً وينبسط خارج المؤطر:
لقد عمدني سكر الخشخاش بالفعل في دوار الوجود.
كجناح حشرة، أعرف وطأة الفجر.
كإناء للزهور، أستمع إلى همس النمو. كسلة مليئة بالفاكهة، أشهد حمى التحولات.
كحانةٍ مهجورة، أتوقف على حافة الملل.
وكبيتٍ على الشاطئ،
أتأمل الأمواج التي تدعوني إلى إيقاعها الأبدي.
كم من شمسٍ تشاء! كم من اتحادٍ تشاء! كم من وفرةٍ تشاء!
أتمسك بتفاحةٍ بسهولة.
وكذلك برائحة البابونج.
أكتفي بالمرآة، بتعلقٍ خالص.
لا أضحك حين ينفجر بالون.
لا أضحك حين تقسم فلسفةٌ القمرَ نصفين.
أعرف حفيف أجنحة السمان.
لون ريش الحبارى، وآثار خطوات الغزال. أعرف جيدًا أين ينمو الراوند، حين يأتي الزرزور،
حين يغني الحجل، حين يموت الصقر.
أعرف كيف يشرق القمر في حلم الصحراء.
أعرف حضور الموت في جذع الرغبة، ولذة العناق الجسدي بنكهة التوت.
الحياة، في النهاية، عادة جميلة.
للحياة أجنحة واسعة كالموت،
تحليق مذهل كالحب.
الحياة ليست ذلك الشيء الذي ننساه، أنا وأنت،
بعد أن أضعناه ذات مرة في محراب العادة. الحياة هي تلك اليد الممدودة التي تستعد لقطف
أول تين أسود في فم الصيف اللاذع،
الرؤية التي تقدمها الشجرة لعيون الحشرات المتعددة،
الشعور الغريب الذي ترهب به الطيور المهاجرة،
صفير قطار يتحول إلى حلم جسر،
(...)
الحياة انعكاسٌ مضاعفٌ بالمرآة،
زهرةٌ "بقوة الخلود"،
إنها: أرضٌ تُضخّمها دقات قلوبنا،
هندسة تنفسنا البسيطة والرتيبة.
ما الذي يمكن تبيّنه، ولو بإشارات، ولو بعبارة " ضيقة " مقابل رؤية " متسعة "، إن جاز التوصيف والاقتباس؟
بين الأسود والأبيض، حيث لا أبيض ولا أسود إلا في حكم الإجراء، لا فصل بين الليل والنهار، إلا لأن كلاً منهما يتنفس الآخر. أن الأسود هذا الذي يأتمن على عموم الألوان، وأن الأبيض هذا الذي يحتضن عموم الألوان، ويغيغيّبها في معطفه المخفي لها، حيث لا يبقى إلا ما ليس لوناً باسمه: الأبيض، حيث لا يكون ما لا ينظَر فيه لوناً كسواه: الأسود، يمكن مد النظر والبصيرة معاً، إفساحى المجال لمعاينة روحية إلى ما وراء الممتد في الطبيعة عينها، وكيف تكون الألوان من جنسها، من عرْقها، من صُلبها ومخاضها المستمر، حيث لا تكون الطبيعة كما هو الملفوظ والمبخس للكلمة حقَّها: الطبيعة، في " المنظر الطبيعي " كما لو أن الطبيعة هي في منظرها، أن المتعة تتوقف عن نسَب لونية، قادرة على نزع الاعتراف مما يستحيل الجزْم بحكمْه أو حقيقته، كون الطبيعة لا تقاس هكذا، والمنظر الطبيعي استسهال الاسم في استصال الرسم مما يَسِمه، ويُسمى به، إنها ليست خلاصته، أنما بالطريقة هذه" خلا ما " على الفعلي في الطبيعة، فما في الطبيعة وكما هم شهود عيانها من متصوفة يشتهون أن يشتهوا، بتعبير أحدهم، باعتبارهم يمتلئون حيوات طبيعة، كما في لوحات فان غوخ عن الليل وزهرة عبّاد الشمس، وحقل القمح، والمزهرية، والليل المضاء بالنجوم...إلخ فهذه إرسال معان لا تنفتح على أسمائها، بقدر ما تحفّز الناظر على الناظر إلى مدى تأثيرها في نفسه، وإيقاظه الروحي تبعاً لنوعية حساسيته وذائقته.
سبهري ببساطة لوحاته، والعمق النافذ الأثر فيها، يمضي بنا إلى ماوراء المرئي في الوجه، في الشجر، في الماء وغيره.
ذهبتُ إلى وليمة الدنيا،
ذهبتُ إلى سهل الحزن،
إلى أوراق المعرفة اليانعة،
إلى مصاطب المعرفة المضيئة.
عبرتُ درجات الدين.
ذهبتُ إلى زقاق الشك،
إلى هواء العزلة المنعش.
إلى ليل الحنان الرطب. ذهبتُ لأرى من في الطرف الآخر من الحب.
ذهبتُ إلى المرأة،
حتى مصباح الجسد،
حتى انطفاء الرغبة،
حتى رفرف جناح الرحيل.
***
كم من الأشياء لم أرَها على هذه الأرض!
رأيتُ طفلاً استنشق عبير القمر.
رأيتُ قفصاً بلا بابٍ يمرح فيه النور،
سلماً غامضاً صعده الحبّ
ليصل إلى سقف عالم الملكوت.
رأيتُ امرأةً تدقّ النور في هاون.
في الظهيرة، رأى المرء مُمدداً على مفرش المائدة
خبزاً، وخضراوات، وطبق ندى، ووعاء حبّ دافئ.
رأيتُ متسولاً يجوب من بابٍ إلى باب
يستجدي غناء القبرات،
وعامل نظافةٍ يسجد أمام قشرة بطيخ.
رأيتُ خروفاً يرعى الطائرات الورقية،
حماراً يُشارك في سرّ الشعير،
بقرةً شبعت من كثرة الرعي على "المجالس".
بين الفرشاة والقلم وبالعكس
سبهري هبَة إبداعيْن، متآلفين، بينهما تنعدم خطوط التماس، كما هي الأرض التي تتنوع سهولاً وجبالاً، أنهاراً وبحاراً وينابيع، شِعاباً وهضاباً، حقولاً ومراع، صحارى وغابات تتحاور مع بعضها بعضاً . ثمة السائل والصلب، ولكل منهما مناقبه، لكل منهما ما يفتقده ويجد بغيته في الآخر، اللون بفضيلة تكوينه بصرياً والمقدَّر طي تموجاته عميقاً، والكلمة بتغريبة المتنسل منها جامداً ومشتقاً، اسماً وفعلاً، وتلك الجمل التي تتسع كما هي الدائرة البحرية وتنفسها ظاهراً وباطناً، إثماراً لحقيقة النابض بما يثري المأخوذ بها روحياً، وللون وفيه ما لا يُترجَم، لأن العين الناظرة وهي بقدرة ذاكرتها تتولى مثل هذه السردية بناء خاصية، وثراء قيمة، والكلمة تغتني بمثل هذا التجاذب.
لا بأس في أن يجد الشعر من يترجمه، إنما من يمكنه إقامة علاقة روحية معه مسبقاً، ليأتي المؤتى به ترجمياً، كما لو أنه هو نفسه، وتلك القيمة المثلى للشعر الدال على روعته، وهو رحالة من لغة إلى أخرى.
سبهري لا يخفي رهاناً، وهو صعب في مثل هذا " الاستثمار " القاعدي العريض لكل من الكلمة واللون، القلم والريشة، أو الفرشاة، ثمة اللسان المفترض في كمل منهما، وثمة ما يتدفق من خلالهما رقراقاً أو دفاقاً، ماضياً بنبضه إلى الأمام، إنه يمحو ذاته التي يعرَف بها، ليكون اللاذات، اللااسم، المنبثق من حيث يصعب التحديد الجهوي، اختباراً لذائقة المتلقي أو المعايِن بصرياً:
التاريخ 1975
تلك صورة شخصية له، وهو فوتوغرافية، إنما ماذا تقدم للناظر في لقطتها، وفي زمانها، حيث مساحتان تتداخلان، ولا علْم لأحد، حتى لو كان هو نفسه، بنوعية الألوان المتسربة إلى الداخل، أو المعتملة بخصائصها في انتثار الأبيض والأسود.
قضى سبهري طفولته في إحدى أكبر حدائق كاشان، التي ورثها عن عائلته من ملاك الأراضي الأثرياء، في حي آتا. أصبحت هذه الحديقة، بطبيعتها البكر ، محور حياة سهراب، ولعبت دورًا بالغ الأهمية في حياته الفنية، سواءً في قصائده أو لوحاته.
أو حين ينظر في مشهد وجهي وفوتوغرافي آخر له:
الهيئة مختلفة، والمكتسى به مختلف، لكن التعابير تومض في صمت لا يدع الناظر على حاله جهة الأسود الفاحم، والأبيض المأخوذ بخطوط وتعريجات تضمحل وتتلاشى في الجهتين.
أي انطباع لا يحاط به، يتشكل في ضوء المقروء له وعنه، في لوحه مركَّبة فوتوغرافياً كهذه:
ليس من حياد في الملتقَط، إنما هو حياد جهة الممكن المضي إلى ما وراء تقاطعات اللوحة، المصير المتوقف على تاريخ لحظة مجمَّدة، في مكان لا يفصَح عنه، وفي الخلفية التي تخرج الفنان الشاعر في وقفته وطريقة النظر عن ثباتها بغية الدخول في " ذمة " اللقطة ؟
وماذا يمكننا مكاشفته داخلياً في لوحة دون عنوان، لوحة فنية، الخطوط محركتها، والخطوط هي جملة النقاط التي توزعت في اتجاهات، لترينا خاصية لوحة، وما فيها من فراغات، وهذه ليست مجرد متاهة، أو حيوات مسطحة، إنما أحاسيس تفيض على اللوحة ذاتها، إذ إن الناظر من خلال الممتد خطوطاً، والمنبسط مساحات متعرجة وإهليلجية ومائلة، وغيرها، رسم بياني خاص لما هو رؤيوي للذات:
رسم لسهراب سبهري، بدون عنوان
وليس في مقدور أي كان، أن يتحدث قطعياً عن نوعية التداخل بين الخطوط في اللوحة، والناظر ومن يكون، وماذا يعتمل فكرياً وتعبيرياً داخله. إنه تجريد من نوع آخر، تجريد لمجرَّد في الطبيعة، إعمالاً لذهنية قابضة على ما هو معزز في الخفاء، وهنا يكون رسيس المعنى!
وماذا يمكننا ليس قوله، وإنما التفكير فيه، في تلك اللوحات التي لا تخفي خاصية طفلية في سردها اللوني، وما فيها من مفارقات؟ إنما هي رقصة ألوان، فيض إشاراتها على السطح الذي يستند إلى عمق متروك التعرف عليه للناظر؟:
للطبيعة أن تقول شهادتها، إنما الشهادة التي تقصي عنها بداية ونهاية مألوفتين، مكتفية بالتأثير الشلالي من عل، أو المنساب عميقاً إلى داخل الناظر، ولعبة المسافات الظلية في المرئي، وأي لعبة " غميضة" إن جاز التعبير، يمارسها الشاعر الفنان، أو الفنان الشاعر، أي قرابة لونيه وجمالية يطلقها بأجنحة يراها المأهول بقدرات الفن طبعاً؟
في المرئي نجد أنفسنا إزاء تنوع، كما لو أنه مجتمع بكامل عدده وعتاده حياتياً، كما لو أن عقد صداقة أبدياً، يقيمه فناننا هنا، وهو بمتخيله الشعري، مع طبيعة لا يجب النظر إليها كأفق بمفرده، أو شاقولي حصراً، إنما ما يصلهما ببعضهما بعضاً، حيث الناظر إلى اللوحات ، ومن باب الدقة، يمضي إليها بروحه، كما لو أنه يريد التوحد معها، يصالح روحه، ويتهذب بما نعمت به عيناه وبصيرته.
ثمة ترجمة بصرية بما هو لغوي، وترجمة لغوية بما هو لوني، رغبة في نزع الخطوط القائمة، إيماناً بوحدة القوى في الإنسان، وبالموهبة التي تسمّي كلاً منا، إن كان هناك إخلاص لها، ووفاء بدَين المعنى الحصيف والرهيف فيها، ترجمة من وإلى الطبيعة، تعبيراً عن مأساة روح يعيشها الإنسان أنّى كان ويكون، ونشداناً لحياة قائمة حولنا وفينا ما يضعفها، وفي البساطة ما يأتي العمق، ما يأتي " الوحشي " والأهلي، ما يكون النبات والحيوان والإنسان والجماد في كل واحد ائتلافاً.
ولسبهري الكثير مما نسِج شعراً مصطحَباً بما هو لوني، ومن ذلك ما تردد بلسانه، ووقَع عليه بروحه:
كان والدي يرسم أحيانًا، ويصنع القطران، ويلعب به على طريقته.
كان متفوقًا في فن الخط.
امتدت حديقتنا إلى الجانب المظلم من المعرفة.
حيث تشكّل تحالف الوجود والحياة النباتية.
كانت حديقتنا المركز الذي التقت فيه النظرة، والقفص، والمرآة
ربما كانت حديقتنا القوس
الموصوف بدائرة السعادة الخضراء.
في ذلك اليوم، في حلمي، قضمت ثمرة الرب النيئة.
شربت ماءً، نقيًا من كل فلسفة.
قطفت توتًا أسود، نقيًا من كل علم.
عندما انفجرت قشرة رمانة،
أصبحت اليد انفجار رغبة.
عندما بدأ القبرة بالغناء،
احترق الصدر حبًا متقدًا.
أحيانًا كانت العزلة تضغط بوجهها على النوافذ.
أضفت وخزة الرغبة جوهرًا على الإحساس. انغمس الفكر في ألعاب مسلية.
لم تكن الحياة في تلك الساعة سوى موكب من الدمى والنور،
حفنة من الحرية.
لم تكن الحياة في تلك الساعة سوى حوض موسيقى.
ابتعد الطفل بخطوات خفيفة واختفى في درب اليعاسيب.
حزمتُ حقائبي، تاركًا مدينة أحلام اليقظة،
امتلأ قلبي بحنين اليعاسيب.
(...)
رأيتُ كتاباً بكلماتٍ من بلورات،
ورقةً من الربيع.
بعيدًا عن الخضرة، رأيتُ متحفًا
وبعيدًا عن الماء، مسجدًا.
على سرير عالم دين يائس
رأيتُ إبريقًا فخاريًا يفيض بالأسئلة.
رأيتُ بغلًا مثقلًا بأطروحاتٍ تافهة،
جملًا يحمل على ظهره سلةً مليئةً بتعاليم جوفاء،
صوفيًا يجرّ في حقيبته اسم الإله الغائب.
رأيتُ قطارًا يحمل نورًا.
رأيتُ قطارًا يحمل اللاهوت كله،
وكم كان حمله ثقيلًا! رأيتُ قطارًا محملًا بالسياسة
(وكم كان حمله ثقيلًا!)
رأيتُ قطارًا محملًا ببذور اللوتس، وتغريد الكناري،
وعلى ارتفاع آلاف الأقدام،
لمحتُ وجه الأرض من خلال نافذة طائرة:
تاج الهدهد.
بقع أجنحة الفراشات.
انعكاسات الضفادع في البركة.
سرب ذباب في شارع الوحدة.
ومن شجرة الدلب إلى الأرض المُرحّبة، رغبة العصفور الصافية.
بلوغ الشمس
وزواج الفجر والدمية
خطواتٌ قادت إلى دفيئات الشغف،
خطواتٌ هبطت إلى أقبية النشوة،
خطواتٌ اخترقت قانون الوردة الفاسد،
التي قادت إلى الإدراك الرياضي للحياة،
التي ارتقت إلى سقف المعرفة. خطواتٌ استقرت على قمم الوجود المُشرقة.
كانت أمي، في القاع، تغسل الكؤوس في ذكرى النهر.
كانت المدينة ظاهرةً في الأسفل:
نموٌ هندسيٌّ من الإسمنت والحديد والحجر.
أسقفٌ بلا طيورٍ لمئات الحافلات.
بائعو زهور يبيعون أزهارهم في مزاد.
في وسط نبتتي ياسمين،
كان شاعرٌ يُنصب أرجوحة.
كان تلميذٌ يرمي الحجارة على جدار المدرسة.
كان طفلٌ يبصق نواة مشمش.
على مفرش المائدة البالي حيث كان والده يصلي.
وعلى خريطة جغرافية،
عنزة تشرب من مياه بحر قزوين.
حمالة صدر ترفرف في الريح على حبل الغسيل.
عجلة العربة تريد أن يتوقف الحصان.
الحصان يريد أن ينام السائق.
السائق يريد أن يأتي الموت.
كيفما كان الوجه، بطريقة تلوينه أو هيئته، بالكاميرا أو بالريشة، فإن المشهد في الحالات كافة، كما نرى، يخرجنا عما هو متداول، عما هو قطيعي تماماً، ويخاطب فينا ما هو جانبي، ما هو تجزيئي، أو ماضوي، متآكل اسماً ومسمى، ويعدُنا بما هو بعيد عن مرمى النظر، أي في الغد الذي يمكن النظر فيه، يمكن التحرك فيه، يمكن عبور الجسد الذي ينوء بكلكله على ما هو روحي، إن تمكنّا من جعل عجينة الروح تختبر بإرادة الرغبة في الارتقاء، حيث تكون الطبيعة، حيث تكون الحياة على أهبة الاستعداد للترحيب بنا، ولاحتضاننا، والطبيعة تتكفل بـ" تغطية " المصاريف ، جهة المكافأة المرتقبة والمحتملة جداً.
اللوحات إيحات وإحالات إلى ما وراء المرئي بالمرئي نفسه، مع اختلاف المكشَف في الحالتين، لأن كل رؤية، ومن زاوية معينة، لتقط خبيئاً، وتضيء عتمة، أو تنوّه إليها من خلالنا، وكأن جسدنا الحامل والمحمول وهو حصيلة قواه كثيرة، على انتظار دائم لما يمكن رؤيته وهو داخلنا، من خلال إيماءة قائمة بالصوت والصورة، كأننا نعيش انغلاقاً والمشاهَد يوقظنا بطريقته.
إنها في تناهي المرئي والمسموع في النص واللوحة، استشرف لنا وبنا، وبتحفيز منهما للمضي إلى اللاتناهي فينا، لنكون أكثر مما نحن عليه من قبل، وأكثر صواباً في خياراتنا المصيرية، أي انتقالاً وانطلاقاً مما يشغلنا في ذاكرتنا التي تدحرجنا معها دون حساب، إلى التاريخ الذي يمتلك امتياز كتابة أسمائنا فاعلين لا منفعلين، أي شركاء في كتابته تحديداً !