أحمد رجب شلتوت - "الأدب المرئي": حين تتحوّل اللغة إلى صورة

في كتابها "الأدب المرئي"، تخوض الدكتورة سميرة أبوطالب رحلة نقدية ثرية لتفكيك العلاقة الملتبسة والخصبة بين الأدب والسينما، مستندةً إلى نماذج بارزة من أعمال يحيى حقي ويوسف إدريس. لا تنظر الكاتبة إلى الفيلم بوصفه ظلًّا باهتًا للنص الأدبي أو مجرد مرآة تعكسه، بل باعتباره قارئًا مبدعًا له، يعيد تأويله بلغة مغايرة: لغة الضوء والحركة والصوت.
ينقسم الكتاب إلى ستة فصول، تبدأ بالتأصيل النظري لمفهوم "الأدب المرئي"، ثم تنتقل إلى تحليل تحولات النص حين يعبر إلى الشاشة، وصولًا إلى قراءة تطبيقية دقيقة لأمثلة من السينما المصرية المقتبسة عن نصوص حقي وإدريس. وفي كل فصل، تتبنى الكاتبة رؤية ترفض "قدسية النص" التي تُكبّل التحويل السينمائي، وتؤكد على أن كل اقتباس هو خلق جديد، يولد من رحم النص لكنه لا يبقى أسيرًا له.
استقلالية الفيلم
من أبرز أطروحات الكتاب أن الفيلم السينمائي ليس نسخة مصغّرة من النص الأدبي، بل عمل فني مستقل له منطقه الخاص. ترى أبوطالب أن المخرج، بصفته قارئًا للنص، يضيف إليه طبقات جمالية ودلالية، وقد يضيء زوايا ظلّت في الظل أو يغيّر ترتيب الأولويات السردية، وتستشهد الكاتبة بأمثلة لافتة، منها في "الحرام" ليوسف إدريس، يركّز النص على أزمة الضمير ومعاناة البطلة "عزيزة"، بينما يضيف الفيلم بعدًا بصريًا قويًا عبر لقطات لعمال التراحيل وهم يغنون، مما يمنح الحكاية طابعًا جمعيًا. وفي "قنديل أم هاشم" ليحيى حقي، يعتمد النص على الحوار الداخلي لصياغة الصراع بين التقاليد والحداثة، بينما يوظّف الفيلم الرموز البصرية ( ومنها مشهد "الزار") لإبراز الجانب الطقوسي في هذا الصراع.
هكذا، تتحول عملية الاقتباس إلى حوار نقدي مفتوح بين وسيطين، لا إلى تبعية أحادية الاتجاه، أيضا تقف الكاتبة كثيرا عند الفارق الجوهري في وظيفة اللغة بين الأدب والسينما، ففي الأدب: اللغة أداة إنشائية تُنتج العالم من المجاز والاستعارة والتأمل، بينما في السينما: اللغة تتحوّل إلى تعيين حسي، حيث تُرى الأشياء وتُسمع، لا تُوصف فقط.
فالصمت في الرواية قد يكون فكرة أو فضاءً للتأمل، أما في الفيلم فيصبح مشهدًا محسوسًا: جسد ساكن، عين زائغة، ظل يزحف على الجدار. وفي هذا التحوّل، لا يضيع المعنى، بل يُعاد تشكيله بصريًا وصوتيًا، وعلى سبيل المثال، في قصة "علي ورق سيلوفان" ليوسف إدريس، يُترجم الإحساس بالانتظار في الفيلم إلى لقطات طويلة وإيقاع موسيقي بطيء، دون حاجة إلى أي وصف لفظي.
بين السطر والكادر
تخصّص سميرة أبوطالب مساحة واسعة لحقّي وإدريس، فالأول كان ناقدًا للسينما بقدر ما كان أديبًا، يكتب عنها برؤية جمالية ووعي بحدودها وإمكاناتها. والثاني انخرط في صناعة الفيلم مباشرة، كاتبًا للسيناريو والحوار، وموفرًا مادة قصصية جذبت المخرجين. هذا الانخراط المزدوج منح أعمالهما قابلية عالية للتأويل السينمائي، وأتاح للكاتبة أرضية ثرية للتحليل.
وتُفرد فصلًا مهمًا لمقاربة معالجة الزمن والذاكرة في الأدب والسينما، ففي الأدب: يبنى الزمن عبر السرد الخطي أو المتقطع، وتُستعاد الذاكرة من خلال المونولوج أو التداعي الحر، وفي السينما: يعاد تشكيل الزمن بالمونتاج، وتتحوّل الذاكرة إلى صورة متحركة تُجسَّد أمام العين، كما في رواية "الحرام"، يستخدم إدريس الاسترجاع النصي لربط الماضي بالحاضر، بينما يعرض الفيلم ذلك الماضي في مشاهد فلاش باك مكثفة. وفي "النداهة"، تتحوّل ذكريات البطلة إلى صور متداخلة، تحمل أثرها البصري والنفسي في نفس الوقت.
كذلك يؤكد الكتاب أن النص الأدبي عمل فردي غالبًا، بينما الفيلم نتاج جهد جماعي، يشارك فيه المخرج والمصور والموسيقي ومصمم الديكور… إلخ. هذه الجماعية تفرض تخفيضًا لغويًا لمساحات من النص، مقابل إفساح المجال للغة السينما: الإضاءة، الملابس، الإيماءات، التكوينات البصرية، والموسيقى. هذا التخفيض ليس نقصًا، بل إعادة توزيع للمعنى على وسائط جديدة. وتُوجز الكاتبة موقفها النهائي في أن الفيلم ليس تابعًا للنص، بل قارئًا خلاقًا له. حين يقتبس الفيلم نصًا، فإنه يفتح أمامه أفقًا جديدًا، ويعيد طرح أسئلته بوسائط مغايرة، ويضيف إليه ما لا تسمح به الكلمة وحدها. وبهذا المعنى، فإن التحويل السينمائي لا يطمس أصالة النص، بل يكشف عن طاقته الكامنة، ويضاعف طرق تلقيه.
واخيرا فإن كتاب "الأدب المرئي" ليس مجرد دراسة مقارنة بين وسيطين، بل هو حوار جمالي وفكري يعيد تعريف معنى القراءة حين تتحول من فعل ذهني إلى تجربة حسية. بلغة نقدية رصينة، وقدرة على الموازنة بين النظرية والتطبيق، تمنح سميرة أبوطالب القارئ فرصة لإعادة التفكير في علاقة الأدب بالسينما، ليس باعتبارها علاقة سلطة أو تبعية، بل باعتبارها تفاعلًا خصبًا يثري كليهما. وتكمن قيمة الكتاب في قدرته على الجمع بين الصرامة الأكاديمية واللمسة الجمالية، إذ يوازن بين التأصيل النظري الدقيق وبين الأمثلة التطبيقية الحية المستقاة من أعمال يحيى حقي ويوسف إدريس، وهو ما يجعل قراءته ممتعة للقارئ العام، وثرية للباحث المتخصص على السواء. وبفضل هذا التوازن، يتحول النص إلى جسر يربط بين القارئ والناقد والمبدع، ويفتح أمامهم جميعًا مساحة مشتركة للتأمل والحوار.
كما أن الكتاب، وهو يبرز الفوارق بين الوسيطين، لا يقع في فخ المفاضلة أو الانحياز، بل يكشف أن الاختلافات بين الأدب والسينما هي مصدر إلهام وثراء، إذ يمنح كل وسيط الآخر فرصة لإعادة اكتشاف ذاته. فالسينما تُعيد صياغة الحكاية بما تمتلكه من أدوات الضوء والحركة والإيقاع، بينما يظل الأدب محتفظًا بقدرته الفريدة على الغوص في أعماق النفس، واستنطاق المسكوت عنه عبر الكلمة.
في نهاية المطاف، يترك الكتاب القارئ أمام سؤال أعمق من مجرد "كيف يتحول الأدب إلى سينما؟"، ليصل إلى "كيف تتحول القراءة نفسها – أيًّا كان وسيطها – إلى فعل إبداعي؟". وبهذا المعنى، فإن "الأدب المرئي" ليس فقط دراسة عن الاقتباس، بل هو بيان جمالي وفكري عن قدرة الفن على التحول، وعن إمكانية أن تتحول اللغة إلى صورة، والصورة إلى لغة، في حوار لا ينتهي.












تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى