أدب السجون أ. د. عادل الاسطة - الكتابة والسجن... عالم الكتابة في السجن...

عن كتاب كميل ابو حنيش الذي صدر مؤخرا عن منشورات طباق للنشر والتوزيع
في حلقاته السبعة والعشرين التي عكف السجين الكاتب والروائي كميل أبو حنيش على كتابتها عن تجربته في الكتابة ما يذكر بكتب مهمة في الأدب العربي الحديث أتى أصحابها فيها على تجاربهم في الكتابة وعلى كتاباتهم وعوالمها ، ما أفاد كثيرا من الدارسين ، ومن هؤلاء الكتاب حنا مينة " كيف حملت القلم ؟ " ونجيب محفوظ " نجيب محفوظ ... يتذكر " الذي أعده الروائي المصري جمال الغيطاني ، وسحر خليفة في " روايتي لروايتي " .
بدأ كميل أبو حنيش حياته نشيطا سياسيا قبل أن يبدأها أديبا ، ولكن السياسة في حياة الفلسطينيين غالبا ما ترتبط بالأدب وقد تفضي إليه ، كما قد يقود الأدب الأديب إلى عالم السياسة ، وقد يتداخل الجانبان معا جنبا إلى جنب منذ البداية ليتغلب في النهاية أحدهما على الآخر .
ولنا أن نتأمل في تجارب غسان كنفاني واميل حبيبي ومحمود درويش . بدأ الأول أديبا ثم انخرط في السياسة ولم يعد يفصل بينهما ، ومع أن الثاني دلف إلى السياسة من باب القصة القصيرة ، ولكنه سرعان ما تحول إلى ناشط سياسي وكاتب مقال سياسي حتى نسي القصة القصيرة وصار يعرف رجل سياسة فقط ، وبعد حوالي عشرين عاما من اشتهاره سياسيا عاد إلى الأدب فكتبه جامعا بين العالمين ؛ الأدب والسياسة ، حتى إذا ما امتد به العمر انسحب من عالم السياسة معبرا عن أسفه أنه لم يتفرغ منذ بداية مشواره الكفاحي إلى الأدب ، إذ لو فعل ذلك ، كما أفصح في آخر أيامه ، لأفاد قضيته أكثر . أما الثالث - أي درويش - فقد بدأ يكتب في مراهقته الشعر ، حتى إذا ما بلغ العشرين عاما انضوى تحت لواء الحزب الشيوعي ، فجمع بين الشعر والسياسة ، وظل العالمان مرتبطين ببعضهما ارتباطا وثيقا إلى أن فك عراه في العام ١٩٧١ بخروجه من الأرض المحتلة ، ليغلب الشاعر فيه على السياسي ، دون أن يتحلل نهائيا من السياسة .
كميل أبو حنيش سجن في العام ٢٠٠٣ وحكم عليه بأكثر من مؤبد ، وما زال يقبع في سجون الاحتلال الإسرائيلي ، وفي السجن بدأ يجمع بين العالمين ؛ الكتابة والسياسة ، فأصدر كتبا عديدة في الأدب والسياسة ، هي الكتب التي يكتب عنها كتابه هذا " الكتابة والسجن " وهو كتاب أنجزه في سبع وعشرين حلقة نشرها على صفحات التواصل الاجتماعي ( الفيس بوك ) وتابعها وتفاعل معها قراء عديدون .
الكتابة في السجن وعنه موضوع لفت أنظار الدارسين ؛ في فلسطين وخارجها ، وفي فلسطين كتبت عشرات النصوص الأدبية ؛ شعرا وقصة قصيرة ورواية ورسائل ، وقد صدرت هذه أكثرها في كتب ، وفي مرحلة متأخرة نسبيا كتب سجناء كثر تحرروا من الأسر تجاربهم الشخصية ومن أبرزهم عائشة عودة وخالد الزبدة وقبل هؤلاء كلهم الشاعر معين بسيسو .
في كتابه " الكتابة والسجن " الكتاب المهم لمن يدرس أدب السجون يضيء لنا المؤلف عالم الكتابة في السجن ، وهو عالم يعاني فيه الكاتب الأسير معاناة هائلة منذ لحظة التفكير بالكتابة إلى لحظة تحققها وتجسدها وطباعتها وانتشارها ، ولا يقلل من هذه المعاناة ويدفع الأسير إلى إعادة التجربة إلا تلقيه خبر صدور كتابته في كتاب ، إن هذا لا يقلل من المعاناة وحسب ، بل يقلب المعاناة إلى شعور بالرضا والاقتناع بأن نضاله لم يذهب سدى . وإذا ما تلقيت كتابات الأسير واحتفل بها قراءة وكتابة ونقاشا ازداد تفاؤلا وثقة ؛ بقضيته وبدور الكلمة وأهميتها في الانتصار على عالم السجن .
يتتبع كميل أبو حنيش تجربته في الكتابة مرحلة مرحلة ، ويكتب عن كتبه كتابا كتابا ، لعل هذا يسهم في تفهم النص واستيعابه وتقدير جهد كاتبه .
هناك مقولة نقدية لأصحاب المنهج النفسي تقول " لكي نتذوقه فنانا علينا أن نعرفه إنسانا " وهي جزء من مقولة أخرى تقول لكي نثمن عملا أدبيا علينا أن نحيط بظروف نشأته ، وقد أخذ الشهيد غسان كنفاني في أثناء دراسته أدب المقاومة بها ، فلم يدرس النصوص بمعزل عن دراسة الواقعين ؛ الاجتماعي والثقافي لفلسطينيي فلسطين الباقين فيها بعد تأسيس دولة إسرائيل . ولم يكن كنفاني الكاتب الوحيد الذي ثمن أدب الأرض المحتلة ، فهناك نقاد عرب مثل رجاء النقاش أخذوا بما أخذ به كنفاني وصار هؤلاء يكيلون المديح لكل ما يكتب في الأرض المحتلة ، ما رأى فيه محمود درويش أمرا سلبيا قد يضر بالأدب نفسه وبمعاييره الجمالية الخاصة به .
عبارة محمود درويش هذه تحضر في ذهن كميل أبو حنيش إذ إنه يبدأ هو أولا ، في مرحلة لاحقة ، بانتقاد أعماله الأولى ، ثم إنه يطلب من النقاد صراحة أن يسجلوا مآخذهم على كتابته ، حتى يطور نفسه ، فلا يعلو الأدب ويزدهر ويتقدم بالمجاملات والتثمين المجاني .
وأنا أتابع الحلقات السبعة والعشرين حلقة حلقة كنت أعقب على قسم منها مبديا ملاحظاتي عليها ، وفي أثناء الحديث مع كميل كنت أتوسع في ملاحظاتي ، لعل الكتاب يصدر بشكله الأفضل . كنت أنبه إلى هنات هنا وهناك وأذكر أسماء كتب يمكن أن يحذو حذوها أو يفيد منها وأقترح عليه أن يعطي وقتا أكثر لهذه الحلقة أو تلك ، فهو كان أحيانا يطنب وأحيانا يوجز .
هذا الكتاب هو خلاصة تجربة كتابية وسياسية امتدت على مدى ثمانية عشر عاما ، وفيها نعرف عن السجن ومعاناة السجين ، وهذا الكناب مهم لإضاءة تجربة الكاتب الكتابية أيضا .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى