غدت الصحافة في هذا الزمن المغربي الرمادي مغامرة بلا تأمين.
وصار البحث عن الحقيقة طريقاً محفوفاً بالمخاطر والمؤامرات والتشهير والمثول أمام المحاكم كل أسبوع واحيانا اكثر من مرة في الأسبوع .
صارت مهنة جمع الأخبار، التحقق من صحتها، تحليلها، والتعليق عليها بادوات النقد المتعارف عليها في المهنة في مغرب اليوم … مهنة خطرة وخطيرة جدا .
مشروع الإعلام الحر أصبح مشروعاً خاسراً لا يغطي تكاليفه…
خاسراً مالياً… وخاسراً سياسياً… وخاسراً لصحة الأعصاب وحرية الإنسان واستقراره الأسري أيضاً.
ومن يشكّك في هذا الواقع، فليلجأ إلى محاضر الشرطة، وبلاغات النيابة العامة، وأرقام اعتقال الصحافيين في سجلات محمد صالح التامك وأحكام القضاء الجالس وتقارير المنظمات الدولية…
ومن أراد ان يزيد بيتا من الشعر إلى هذه الملحمة السوداء فليراجع في هذا الباب منجزات آلة التشهير القذرة التي تعمل لحساب الأخ الأكبر، في السر والعلن وتهديدات رئيس جمعية حديثة الاستنساخ باغلاق افواه البودكاست التي تزعج تجارته وراحته وبوحه .
قبل أكثر من خمسين سنة، كانت الصحافة الأمريكية تخوض معركة وجود مع الإدارة الأمريكية .
صحيفة واشنطن بوست (The Washington Post) قررت نشر وثائق مشمولة السرية ستُغضب البيت الأبيض وتخالف احكام القضاء الذي حكم بوقف النشر إلى غاية البث في الموضوع ( الموضوع كان هو هل يحق للصحافة الأمريكية نشر معلومات سرية مصنفة من قبل البانتغون Top Secret قد يتسبب نشرها في تهديد حياة الجنود في ارض المعركة ) .
الوثائق كانت معروفة باسم: أوراق البنتاغون (Pentagon Papers)، سنة 1971.
وثائق كشفت أن الحكومة الأمريكية كذبت على شعبها بشأن حرب فيتنام.
كذبت على الكونغرس…
وكذبت على الجنود الذين ذهبوا إلى الموت…
وكذبت على عائلات أرسلت أبناءها إلى الحرب باسم “الديمقراطية” و”الشرف” و”العلم الوطني المخطط ”.
محامي الجريدة آنذاك حذّر رئيس التحرير بن برادلي (Ben Bradlee) قائلاً:
– إن تمسكتم بنشر هذه الوثائق… قد تذهبون إلى السجن بتهمة ازدراء احكام القضاء .
فأجابه بن برادلي بجملة علقت في ذاكرة الصحافة الحرة إلى اليوم :
“إذا كان ثمن قول الحقيقة هو السجن، فمن العار على كل صحافي أمريكي أن يبقى خارجه اليوم.”
قالها أمام الناشرة الحديدية للجريدة كاثرين غراهام (Katharine Graham)،
امرأة واجهت الدولة، والمخابرات، والمحاكم… ولم تتراجع عن احترام الخط التحريري المستقل للجريدة التي ورثتها عن عائلتها .
ومع غراهام خاضت الواشنطن بوست أخطر معارضة صحفية ضد إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون (Richard Nixon)، المسؤول عن واحدة من أظلم فترات تقييد الصحافة في تاريخ الولايات المتحدة.
لكن النهاية كانت سعيدة لان روح الديمقراطية كانت ماتزال حية في بلاد الحرية :
انهزم السياسيون… وانتصر الإعلام الحر، وانتصرت روح القانون… وانتصر الحق في نشر الحقيقة واطلاع الجمهور عليها
بعد اشهر اقرت المحكمة الفدرالية بحق المواطن الأمريكي دافع الضرائب في الاطلاع على كل معلومة تخص ماله ودمه حتى وان رأت الإدارة ان هذه المعلومات سرية !.
هذه ليست قصة من “هوليوود”.
هذه قصة الصحافة حين تكون صحافة.
وحين يكون للصحافي موقف… وقلم… وضمير وقارئ يحسب حسابه وليس سلطة يرتعد منها وياكل من يدها القليل او الكثير .
اليوم، ونحن نرى انقراض الصحافة الحرة والمستقلة واختفاء جنس التحقيق تماما وازدهار التشهير ونشر الرعب وارهاب اي صاخب رأي
يصبح من المشروع أن نعيد نشر جملة بن برادلي رحمه الله التي بقيت عالقة في ذاكرة الصحافة :
(من العار أن يبقى صحافي خارج السجن إذا كان هذا هو ثمن قول الحقيقة؟)
لكن في نفس الوقت يجب ان نقلب هذه الجملة ونقول :من العار أن يصبح السجن هو الثمن الوحيد لقول الحقيقة…
(الصورة من فيلم the post للمخرج العبقري ستيفن سبيلبرغ Steven Spielberg
حيث لعبت دور غراهام: ميريل ستريب
ولعب دور بن برادلي: توم هانكس Tom Hanks )
- الحلقة الجديدة من بودكاست كلام في السياسة
وصار البحث عن الحقيقة طريقاً محفوفاً بالمخاطر والمؤامرات والتشهير والمثول أمام المحاكم كل أسبوع واحيانا اكثر من مرة في الأسبوع .
صارت مهنة جمع الأخبار، التحقق من صحتها، تحليلها، والتعليق عليها بادوات النقد المتعارف عليها في المهنة في مغرب اليوم … مهنة خطرة وخطيرة جدا .
مشروع الإعلام الحر أصبح مشروعاً خاسراً لا يغطي تكاليفه…
خاسراً مالياً… وخاسراً سياسياً… وخاسراً لصحة الأعصاب وحرية الإنسان واستقراره الأسري أيضاً.
ومن يشكّك في هذا الواقع، فليلجأ إلى محاضر الشرطة، وبلاغات النيابة العامة، وأرقام اعتقال الصحافيين في سجلات محمد صالح التامك وأحكام القضاء الجالس وتقارير المنظمات الدولية…
ومن أراد ان يزيد بيتا من الشعر إلى هذه الملحمة السوداء فليراجع في هذا الباب منجزات آلة التشهير القذرة التي تعمل لحساب الأخ الأكبر، في السر والعلن وتهديدات رئيس جمعية حديثة الاستنساخ باغلاق افواه البودكاست التي تزعج تجارته وراحته وبوحه .
قبل أكثر من خمسين سنة، كانت الصحافة الأمريكية تخوض معركة وجود مع الإدارة الأمريكية .
صحيفة واشنطن بوست (The Washington Post) قررت نشر وثائق مشمولة السرية ستُغضب البيت الأبيض وتخالف احكام القضاء الذي حكم بوقف النشر إلى غاية البث في الموضوع ( الموضوع كان هو هل يحق للصحافة الأمريكية نشر معلومات سرية مصنفة من قبل البانتغون Top Secret قد يتسبب نشرها في تهديد حياة الجنود في ارض المعركة ) .
الوثائق كانت معروفة باسم: أوراق البنتاغون (Pentagon Papers)، سنة 1971.
وثائق كشفت أن الحكومة الأمريكية كذبت على شعبها بشأن حرب فيتنام.
كذبت على الكونغرس…
وكذبت على الجنود الذين ذهبوا إلى الموت…
وكذبت على عائلات أرسلت أبناءها إلى الحرب باسم “الديمقراطية” و”الشرف” و”العلم الوطني المخطط ”.
محامي الجريدة آنذاك حذّر رئيس التحرير بن برادلي (Ben Bradlee) قائلاً:
– إن تمسكتم بنشر هذه الوثائق… قد تذهبون إلى السجن بتهمة ازدراء احكام القضاء .
فأجابه بن برادلي بجملة علقت في ذاكرة الصحافة الحرة إلى اليوم :
“إذا كان ثمن قول الحقيقة هو السجن، فمن العار على كل صحافي أمريكي أن يبقى خارجه اليوم.”
قالها أمام الناشرة الحديدية للجريدة كاثرين غراهام (Katharine Graham)،
امرأة واجهت الدولة، والمخابرات، والمحاكم… ولم تتراجع عن احترام الخط التحريري المستقل للجريدة التي ورثتها عن عائلتها .
ومع غراهام خاضت الواشنطن بوست أخطر معارضة صحفية ضد إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون (Richard Nixon)، المسؤول عن واحدة من أظلم فترات تقييد الصحافة في تاريخ الولايات المتحدة.
لكن النهاية كانت سعيدة لان روح الديمقراطية كانت ماتزال حية في بلاد الحرية :
انهزم السياسيون… وانتصر الإعلام الحر، وانتصرت روح القانون… وانتصر الحق في نشر الحقيقة واطلاع الجمهور عليها
بعد اشهر اقرت المحكمة الفدرالية بحق المواطن الأمريكي دافع الضرائب في الاطلاع على كل معلومة تخص ماله ودمه حتى وان رأت الإدارة ان هذه المعلومات سرية !.
هذه ليست قصة من “هوليوود”.
هذه قصة الصحافة حين تكون صحافة.
وحين يكون للصحافي موقف… وقلم… وضمير وقارئ يحسب حسابه وليس سلطة يرتعد منها وياكل من يدها القليل او الكثير .
اليوم، ونحن نرى انقراض الصحافة الحرة والمستقلة واختفاء جنس التحقيق تماما وازدهار التشهير ونشر الرعب وارهاب اي صاخب رأي
يصبح من المشروع أن نعيد نشر جملة بن برادلي رحمه الله التي بقيت عالقة في ذاكرة الصحافة :
(من العار أن يبقى صحافي خارج السجن إذا كان هذا هو ثمن قول الحقيقة؟)
لكن في نفس الوقت يجب ان نقلب هذه الجملة ونقول :من العار أن يصبح السجن هو الثمن الوحيد لقول الحقيقة…
(الصورة من فيلم the post للمخرج العبقري ستيفن سبيلبرغ Steven Spielberg
حيث لعبت دور غراهام: ميريل ستريب
ولعب دور بن برادلي: توم هانكس Tom Hanks )
- الحلقة الجديدة من بودكاست كلام في السياسة