عبد علي حسن - النقد العربي المعاصر... إشكالية المنهج والهوية

لم يكن النقد العربي المعاصر وليد فراغ، بل انبثق من أرضية راسخة بناها النقد البلاغي القديم الذي شكّل منذ العصر الجاهلي وحتى القرون الوسطى، المرجع الرئيس في النظر إلى النصوص الأدبية. فقد انشغل النقاد الأوائل أمثال الجاحظ، وقدامة بن جعفر، وعبد القاهر الجرجاني بمفاهيم البيان والبديع والنظم، وأرسوا بذلك أسسًا نظرية ظلّت حاضرة في الوعي النقدي العربي لقرون طويلة، ومع بدايات القرن العشرين وتحديدًا مع حركة النهضة وجد النقد العربي نفسه في مواجهة تحولات معرفية كبرى قادمة من الغرب، حيث برزت المناهج السياقية التي تربط النص بظروفه التاريخية والاجتماعية والسياسية. لقد تبنّى طه حسين المنهج التاريخي، واستلهم العقاد والمازني بعض ملامح النقد النفسي والاجتماعي، بينما حاول محمد مندور لاحقًا تطوير هذه الرؤية بالاستناد إلى المدارس الغربية. وهكذا تبلورت إشكالية المنهج والهوية: كيف يستوعب النقد العربي تلك المناهج الوافدة وفي الوقت نفسه يحافظ على خصوصيته المتجذّرة في تراث بلاغي عريق .؟
فما زال النقد الأدبي العربي يعاني من إشكالية عميقة تتعلق بتبعيته المستمرة للمناهج الغربية، دون أن ينجح في صياغة مشروع نقدي عربي متكامل ينطلق من خصوصية الثقافة العربية وتراثها الجمالي، ورغم تعدد المحاولات والاجتهادات الفردية، فإن المشهد النقدي العربي يبدو إلى اليوم تابعًا في أدواته ومفاهيمه ورؤاه للمنتج الغربي، مما يطرح تساؤلات ملحة حول أسباب هذا الارتهان وإمكانات تجاوزه ، ويمكن ردّ هذه التبعية إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة، أولها الصدمة الحداثية التي تلقاها العقل العربي منذ أواخر القرن التاسع عشر، حين اصطدم بمنتجات الحضارة الغربية المتقدمة، فوقع في أسر الانبهار بها، وبدأ باستيراد مناهجها دون فحص أو تكييف هذه المناهج، من المناهج السياقيةو البنيوية إلى التفكيك والنقد الثقافي وا السيميائيات وما بعد البنيوية، دخلت السياق العربي غالبًا عبر بوابة الترجمة، من دون أن تمر بمرحلة غربلة معرفية أو تأصيل محلي، ما جعلها تبدو في كثير من الأحيان مقحمة على النصوص العربية، أو غير قادرة على النفاذ إلى عمقها الثقافي والدلالي.
ثانيًهما يرتبط الأمر بمشكلة المنهجية الأكاديمية في المؤسسات العربية، التي كرّست نمطًا من التلقي السلبي للنظرية الغربية، دون أن تنتج فضاءً حيويًا يسمح بتوليد نظريات نقدية نابعة من بنية النصوص العربية ذاتها، أو من أنساقها الثقافية ، وبذلك تحوّلت النظرية الغربية إلى مرجعية مطلقة لا تقبل المساءلة، وأضحى النقاد العرب يلهثون خلف الحداثة الغربية دون أن يمتلكوا مشروعًا نقديًا ذاتيًا ، كما أن غياب الاستقلال المعرفي والنظر إلى الإبداع العربي من منظور الاستهلاك النظري، بدلاً من إعادة إنتاج المفاهيم من داخل التجربة العربية، قد عمّق من حالة العجز عن توليد منهج نقدي أصيل، فالنقد العربي غالبًا ما يوظف أدوات غربية في قراءة نصوصه دون الالتفات إلى ما في هذه النصوص من خصوصيات سردية، لغوية، وبلاغية نابعة من تراث طويل وثري.
لكن لا يمكن الحديث عن التبعية بمعزل عن سؤال الهوية الثقافية. فالنقد، بوصفه نشاطًا فكريًا وجماليًا، لا يمكن أن ينفصل عن السياق الحضاري الذي ينشأ فيه ، ومن هنا فإن المشروع النقدي العربي لا يمكن أن ينهض دون استعادة الوعي بالذات، وبلورة أسئلة تنبع من خصوصية الواقع العربي، لا من هواجس الآخر الغربي ، هذا لا يعني الانغلاق أو رفض المنجز الغربي، بل استثماره بشكل نقدي وخلّاق، بما يتيح إمكانية التفاعل معه دون الذوبان فيه .
فمنذ نشأته في الحضارة العربية الإسلامية، تميز النقد الأدبي بطابع سياقي يتداخل فيه الذوق الشخصي بالموقف الثقافي والديني والاجتماعي. فقد تشكل النقد العربي الكلاسيكي في ظل مركزية النص الشعري، وكان يعتمد غالبًا على المقارنة، والتفضيل والانتصار لتيارات معينة، كما ظهر في جدليات مثل تلك التي دارت حول "الأصمعي" و"أبي عمرو بن العلاء"، أو في "طبقات الشعراء" لابن سلام الجمحي. لقد غلب على هذا النقد طابع تقويمي أخلاقي أو بلاغي أكثر منه تحليل بنيوي أو تأويلي.
وبالرغم من محاولات التجديد التي شهدها النقد العربي في القرن العشرين مع ظهور رواد أمثال طه حسين، ومحمد مندور، وسهيل إدريس، فقد بقي هذا النقد أسير السياق الثقافي الغربي، حيث اعتمد النقاد العرب على المناهج النقدية المستوردة من الغرب دون إعادة إنتاجها في ضوء الخصوصية الثقافية والمعرفية العربية. وهكذا، ظل النقد العربي يدور في فلك التبعية، يستهلك المناهج دون أن يسهم في إنتاجها، ويكرر مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة دون أن يستوعبها ضمن مشروع نقدي مستقل.
وفي ضوء هذا التراكم، يمكن اليوم رصد اربع مشكلات مركزية يعاني منها النقد العربي المعاصر:
1. تبعية المناهج وغياب المشروع الفلسفي العربي، حيث لا تزال مناهج النقد الحداثي وما بعد الحداثي تُستخدم بآليات تلقين دون حوار فعّال معها، نتيجة افتقار الساحة الثقافية إلى خطاب فلسفي عربي يُؤسس لرؤية نقدية متماسكة ومستقلة.
2. استبدال النقد بالبحث الأكاديمي، فقد أدى هيمنة المؤسسات الجامعية إلى تحجيم الناقد الحر لصالح الباحث الذي يتعامل مع النصوص كأجسام جامدة قابلة للتحليل ضمن نماذج جاهزة، مما حول النقد إلى صناعة مدرسية محدودة التأثير.
3. شيوع النقد الزائف، حيث انتشر الادعاء بالمعرفة النقدية دون امتلاك الأدوات المعرفية أو المنهجية، سواء من قبل أكاديميين يعتمدون التلقين، أو من قبل كتاب يحاكون لغة النقد دون وعي نقدي حقيقي.
4-- إشكالية ترجمة المصطلحات النقدية الوافدة ، ولعلها مشكلة المشكلات أن جاز لنا التعبير ، نظرا لما تسببه من التباس واختلاط في استخدام المصطلح المترجم .
إذ يشهد النقد العربي المعاصر تداخلاً متزايداً مع المناهج النقدية الغربية، وهو تداخل مثمر من حيث إثراء الأدوات التحليلية، لكنه في الوقت ذاته أفرز مشكلات اصطلاحية معقدة، أبرزها الالتباس في ترجمة المصطلحات النقدية ، هذا الالتباس ليس مجرد ظاهرة لغوية، بل هو إشكال معرفي وثقافي يؤثر على وضوح الخطاب النقدي وفاعليته ، ومن الممكن رصد التحديات التي تواجه ترجمة المصطلحات النقدية، وبيان تجلياتها وآثارها السلبية في النقد العربي، مع تقديم مقترحات لمواجهتها .
*التحديات في ترجمة المصطلحات النقدية
1. تعدد المقابلات العربية للمصطلح الواحد
مثال ذلك: Narrative تُرجم إلى "سرد"، "قص"، "حكاية"، وكل منها له دلالاته الجزئية التي قد لا تغطي المعنى النظري للمصطلح .
2. اختلاف السياق الحضاري والمعرفي
بعض المصطلحات تستمد دلالاتها من سياقات غربية خاصة يصعب استنباتها في السياق العربي دون تكييف.
3. التأويل الشخصي للمترجم
بعض المترجمين يتدخلون في صياغة المصطلح بحسب اجتهادهم، ما يخلق انحرافاً دلالياً.
4. التسرع في نقل المصطلحات الجديدة
ففي ظل العولمة الأكاديمية يتم تبني مصطلحات لم تخضع للتجريب أو التمحيص النقدي، فتتحول إلى شعارات.
وقطعاً فإن لتلك التحديات الإصطلاحية أثرها السلبي في عملية مقاربة النصوص وحدوث الالتباس والاختلاط في استخدام المصطلح ، ومن الممكن الأخذ ببعض من المقترحات والحلول لمعالجة تلك التحديات ، وتتمثل بما يلي :--
1. التوحيد الاصطلاحي
إعداد قوائم موحدة للمصطلحات النقدية على مستوى الوطن العربي.
2. إعداد معاجم متخصصة
إصدار معاجم نقدية ثنائية اللغة تشرح المصطلحات في سياقها النظري.
3. اعتماد لجان علمية عربية للترجمة تتكون من مترجمين ونقاد ومختصين في فقه اللغة لضبط دقة النقل.
4. تفعيل العلاقة مع التراث النقدي العربي عن طريق البحث عن مقابلات تراثية للمصطلحات أو توليد مقابلات جديدة مستمدة من اللغة العربية .
ومن المشكلات الإضافية الأخرى التي تواجه النقد العربي المعاصر هي :--
* ضعف تكوين الناقد العربي معرفيًا: حيث يعاني كثير من النقاد من قطيعة مع الحقول المعرفية المجاورة (كالفلسفة، وعلم الاجتماع، واللسانيات)، ما يضعف قدرتهم على تطوير أدواتهم.
* غياب النقد التطبيقي العميق: إذ يغلب على النقد العربي الطابع التنظيري أو التقريري دون مقاربات تطبيقية دقيقة قادرة على النفاذ إلى عمق النصوص وتحليلها بصورة إنتاجية.
* تحوّل بعض الممارسات النقدية إلى مجاملة أو تسويق: مما أفقد النقد استقلاليته وهيبته، وأدى إلى تضخيم أسماء أدبية على حساب القيمة الفنية الحقيقية.
ونحن إذ نشير إلى بعض من المشكلات التي تواجه النقد العربي المعاصر ومنه العراقي ، فإننا نتلمس وجود مشاكل أخرى لم نأتِ عليها وهي ربما حاضرة في أذهان النقاد الٱخرين ، ولاشك بأن الإشارة إليها ومناقشتها تعكس حرصنا على أن يكون للنقد العربي مساهمة في الجهد النقدي العالمي عبر تشكّل هويته الخاصة ومناهجه الخاصة مثلما أسهمت وتسهم المجتمعات الأخرى في اجتراح هويتها النقدية والثقافية المؤثرة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى