توفيق بوعشرين - الدولة ليست غابة

هذه السنة، تحمل ذكرى اختطاف واغتيال المهدي بنبركة طعماً مختلفاً ورائحة زمن لا يريد أن يمضي.
رقم 60 يحرض الذاكرة على استرجاع شريط الأحداث:
كيف استُدرج الزعيم من جنيف إلى باريس من قبل مخرج سينمائي مزوّر،
ليُختطف في واضحة النهار من قبل شرطيين فرنسيين،
ويقاد إلى معتقل سري في ضواحي العاصمة،
حيث عُذّب حتى الموت على يد عصابة تجمع بين مخبرين ومجرمين من جنسيات متعددة… لحساب المخابرات المغربية والإسرائيلية… وربما الأمريكية أيضاً.
يجب ألا ننسى أن المهدي، قبل أن يُغتال في باريس، تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة في المغرب، وبالضبط في بوزنيقة، كان وراءها الجنرال الدموي محمد أوفقير.
ولا ينسى التاريخ أن المهدي، قبل اختطافه بسنوات، حُكم عليه بالإعدام في المحاكم المغربية مرتين… على يد قضاة مغاربة نعرف أسماءهم وتوقيعاتهم.
ولا تنسى الذاكرة السياسية أن أوفقير نفسه، وزير الداخلية القوي، أُدين سنة 1966 من طرف القضاء الفرنسي في قضية اغتيال بنبركة بالحجة والبرهان،
لكن الدولة المغربية رفضت تسليمه، بل أدانت الحكم الفرنسي علناً عبر الإذاعة والتلفزيون وصحف السلطة انذاك التي اعتبرت حكم القضاء مؤامرة على المغرب وعرشه !.
وتركت أوفقير على رأس وزارة الداخلية… إلى أن نزل عليه العقاب الإلهي سنة 1972 بعد تورطه في انقلاب الصخيرات ثم انقلاب الطائرة .
المطالبة اليوم بقبر وشهادة وفاة، والاعتراف بالجريمة، والاعتذار للضحية ولعائلته الصغيرة والكبيرة، ليست من باب العناد الحقوقي.
ولا من باب إحراج أي طرف كانت له يد في الجريمة.
ولا من باب تحميل المسؤولين الحاليين ذنب آبائهم وأسلافهم. أبداً.
المطالبة بقبر وشهادة وفاة هي من باب إعلاء قيمة الحياة البشرية،
ومن باب استرجاع الحقيقة التاريخية.
ومن باب منع الإفلات من العقاب.
لكل خطأ ثمن، ولكل جثة قبر، ولكل إنسان حقوق وكرامة — وأولها الحق في الحياة.
المعارضة السياسية ليست جريمة.
الاختلاف في الرأي لا يجوز أن يقود إلى القتل والتعذيب، ولا إلى إذابة الجثث بالأسيد أو إحراق العظام أو ما تبقى منها في الشوديير.
الصراع السياسي، مهما احتدم، له قواعد وأخلاقيات وضوابط.
الدولة ليست غابة، والمسؤولون ليسوا كواسر.
لذلك، على من يجتهدون اليوم في تبرير جرائم التعذيب والقتل التي تورط فيها أقاربهم بحجة أن المهدي لم يكن ديمقراطياً، أو أن الصراع كان حول السلطة وليس حول الأفكار والمشاريع، أن يراجعوا مواقفهم ويستغفروا ربهم.
لا شيء يبرر القتل خارج القانون.
لا شيء يبرر العبث بسلامة المواطنين وكرامتهم .
التعذيب والقتل ليستا وجهة نظر وليستا اداة من أدوات إدارة السلطة والدولة .
حقوق الإنسان ليست بذلة تليق بهذا ولا تليق بذاك..
الذي يبرر القتل والتعذيب والهمجية بدعوى حماية امن الدولة يشارك في الجريمة ولو بأثر رجعي.
لا المناخ الدولي، ولا الصراع على السلطة، ولا شدة المعارضة تبرر امتهان الكرامة الإنسانية أو المسّ بالحق في الحياة.
حياة كل إنسان مقدّسة.
وإلا سنصبح جميعاً جزءاً من منظومة العنف المحنون
: إذا كنت تعيش في غابة ليس ضروريا ان تصبح حيوان
الذين ما زالوا يقبضون على ملف المهدي — من عائلته ومن بقي من حزبه — يفعلون ذلك لأجل مستقبل أفضل لنا ولأبنائنا على هذه الأرض.
الغرض أولاً: إدانة الجريمة السياسية في العقول.
والغرض ثانياً: تكبيل يد السلطة، وجعل الحياة والحقوق والكرامة خطوطاً حمراء لا تُمس.
هل رايتم قصة بنبركة ليست قصة جريمة واختطاف وجواسيس وأعمال قذرة..
انها ايضا قضية سياسية وحقوقية وفكرية انها جزء من تاريخنا الأسود ..
ويجب ان نقرا كل صفحات التاريخ بكل ألوانها لان التاريخ ظل الانسان ظل الانسان على الجغرافيا بخيره وشره ..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى