"ما بيننا خصومة شريفة، عداء يقف عند حدّ، لا نتجاوزه بأي حال.. أليس كذلك؟"
هكذا أخبرني "مؤمن سالم" حينما التقاني قبل مغرب أمس بقليل، وأنا في طريقي إلى مقهى «الحريف».
لقد تحاشيتُ السلام عليه، تجهمتُ في وجهه، أعرف أنه يبادلني كراهيتي الصريحة له بمثلها وزيادة.
قد اتفقتُ معه فيما قال، وزدتُ: أرحب دومًا بالخصوم الشرفاء، أولئك الذين يتقيدون بشرف اللعبة، يجيدون الطعن من الأمام، يرون الإجهازَ على الضحية من الخلف خِسّةً ونذالةً لا تليق بشريف.
عبث بحبات مسبحته ببطء، وهزّ رأسه مؤمّنًا على قولي.
"مؤمن" لا يسمع وشايةً في أحد، لم أسمع أنه أسلم أذنيه أبدًا لكاره، هو خصم أصيل، ورث الخصومة وكراهية الناس عن آبائه.
يعلن عداوته كلّ فترةٍ في جداول ورقيةٍ يُلصقها على لوحة إعلانات خشبيةٍ، أقامها على أحد جانبي كوبري " مرزبان"، استأجر موضعها من الإدارة الحكومية المختصة، تشتمل على أسماء الجُدد؛ كلّ مرة يضيف أسماءً، لا يحذف أبدًا إلّا من غيّبه الموت فقط — إذ يضع ملحوظةً بجانب الفقيد منهم بخطٍّ صغير: «رحمه الله».
أخبرني «مؤمن» أنه يكرهني جدًا، وأنه لا يعرف السبب وراء ذلك، ثم أردف بعدما هرش في ذقنه النابتة: لا يهمني الوقوف على السبب.
لذلك قاطعته، قلت: فماذا تريد؟ كسرَ الهدنة، أم توسعة رقعة الخلاف؟
قال: بل أرغب أن نجدد العهد، أن نحافظ على الحد الأدنى من الخصومة، ألا ننجرف وراء أهواء الصغار ممّن يريدونها حربًا ضروسًا.
"مؤمن" قصير، شاحب اللون، أبيض البشرة بميلٍ ملحوظٍ للصفار، هو واضح في كلّ شيء حتى أن ما بأعماقه يطفو بسهولة على وجهه.
ظللتُ أنظر إليه، أتفحصه من رأسه إلى أخمص قدميه، أستعيد تاريخ الصراع معه، محاولًا الوقوف على نقطة البدء، غير أن ذاكرتي لم تسعفني — كما تفعل معي منذ فترة ليست قليلة.
لذلك عدتُ إليه، قلت: حسنًا. مددتُ يدي فاقترب منها بأصابع مرتعشةٍ حتى كادت الأنامل أن تلتقي، قال: حسنًا، نتفق على ذلك.
كانت الشمس تشهد الحدث الجاري بيننا، غير أنها كانت تستتر وراء سحابةٍ رماديةٍ كبيرة، بدا أنها تكره رؤية طرفيّ اللقاء، إن لم يمنعها حبّ الاستطلاع أن تتلصص كما تفعل مع الخصوم.
هكذا أخبرني "مؤمن سالم" حينما التقاني قبل مغرب أمس بقليل، وأنا في طريقي إلى مقهى «الحريف».
لقد تحاشيتُ السلام عليه، تجهمتُ في وجهه، أعرف أنه يبادلني كراهيتي الصريحة له بمثلها وزيادة.
قد اتفقتُ معه فيما قال، وزدتُ: أرحب دومًا بالخصوم الشرفاء، أولئك الذين يتقيدون بشرف اللعبة، يجيدون الطعن من الأمام، يرون الإجهازَ على الضحية من الخلف خِسّةً ونذالةً لا تليق بشريف.
عبث بحبات مسبحته ببطء، وهزّ رأسه مؤمّنًا على قولي.
"مؤمن" لا يسمع وشايةً في أحد، لم أسمع أنه أسلم أذنيه أبدًا لكاره، هو خصم أصيل، ورث الخصومة وكراهية الناس عن آبائه.
يعلن عداوته كلّ فترةٍ في جداول ورقيةٍ يُلصقها على لوحة إعلانات خشبيةٍ، أقامها على أحد جانبي كوبري " مرزبان"، استأجر موضعها من الإدارة الحكومية المختصة، تشتمل على أسماء الجُدد؛ كلّ مرة يضيف أسماءً، لا يحذف أبدًا إلّا من غيّبه الموت فقط — إذ يضع ملحوظةً بجانب الفقيد منهم بخطٍّ صغير: «رحمه الله».
أخبرني «مؤمن» أنه يكرهني جدًا، وأنه لا يعرف السبب وراء ذلك، ثم أردف بعدما هرش في ذقنه النابتة: لا يهمني الوقوف على السبب.
لذلك قاطعته، قلت: فماذا تريد؟ كسرَ الهدنة، أم توسعة رقعة الخلاف؟
قال: بل أرغب أن نجدد العهد، أن نحافظ على الحد الأدنى من الخصومة، ألا ننجرف وراء أهواء الصغار ممّن يريدونها حربًا ضروسًا.
"مؤمن" قصير، شاحب اللون، أبيض البشرة بميلٍ ملحوظٍ للصفار، هو واضح في كلّ شيء حتى أن ما بأعماقه يطفو بسهولة على وجهه.
ظللتُ أنظر إليه، أتفحصه من رأسه إلى أخمص قدميه، أستعيد تاريخ الصراع معه، محاولًا الوقوف على نقطة البدء، غير أن ذاكرتي لم تسعفني — كما تفعل معي منذ فترة ليست قليلة.
لذلك عدتُ إليه، قلت: حسنًا. مددتُ يدي فاقترب منها بأصابع مرتعشةٍ حتى كادت الأنامل أن تلتقي، قال: حسنًا، نتفق على ذلك.
كانت الشمس تشهد الحدث الجاري بيننا، غير أنها كانت تستتر وراء سحابةٍ رماديةٍ كبيرة، بدا أنها تكره رؤية طرفيّ اللقاء، إن لم يمنعها حبّ الاستطلاع أن تتلصص كما تفعل مع الخصوم.