سأل عبد السلام ابنه عمر عن سبب الضجيج القادم من الخارج.. وهل عاد صخب المظاهرات إلى الشارع من جديد.
أجابه عمر وهو يرتدي حذاءه الرياضي:
ـ نعم.. ولكن الأمر مختلف الليلة.. الناس تخرج إلى الشارع احتفالا بقرار مجلس الأمن حول مغربية الصحراء..
كان قد تابع الأخبار وسمع بالقرار، لكنه لم يتصور بأن الناس ستخرج الى الشارع وتحتفل به.. خانه الحدس هذه المرة..
كلما سمع شيئا عن قضية الصحراء تعود به الذاكرة الى ماض سحيق.. يرى الشبان والأطفال يمرون من أبواب سور المدينة القديم كل صباح ومساء.. وهم ذاهبون أو قادمون من المدرسة، يتفرجون على عشرات الحافلات والشاحنات القادمة من القرى والمدن البعيدة، تتجمّع بالساحة، قبل أن تنطلق نحو الجنوب..
متطوعون ومتطوعات من مختلف الأعمار، يُغنون ويُلوّحون بالأعلام الحمراء، أغلبهم بوجوه باسمة، وأجساد نحيفة، لا تخطئ العين انتماءها للقاع الشعبي. ينزلون لأخذ قسط من الراحة، وتناول القليل من الطعام..
مشهد يشبه رحلة البحث عن الذهب.. ذهب اسمه وحدة الوطن..
عادت صور الماضي تجري أمام عينيه كأنها تحدث الآن..
قال علوان:
ـ كان أشبه بمعجزة! في كل مرة أسأل نفسي إلى أين سأذهب مع هؤلاء المجانين؟ كيف سنواجه البنادق والمدافع والطائرات بالمصاحف والأعلام والصلاة والزغاريد والقليل من الطعام؟
أضاف علال:
ـ مع الجنود وعشرات الآلاف من أبناء وبنات الوطن كنا نشعر بأننا أقوياء، يُمكن أن نواجه العالم أجمع بصدور عارية..
قال عبد السلام:
ـ كان والداي غاضبين علي بسبب البطالة والنوم إلى وقت متأخر من النهار. عندما أخبرتهم بأني سأشارك في المسيرة الخضراء، غمرتهم سعادة لا توصف.. رغم تراجع دخل الوالد، فقد اقتنى لي جلبابا صوفيا وحذاء وحقيبة، ومدّني بمبلغ من المال لا أعلم كيف تدبّره. بكت أمي بشدة في تلك الليلة، وهي تدعو الله أن يحفظني من كل الشرور.. ضمتني إلى صدرها وقبلتني، ثم وضعت في جيبي ورقة من فئة خمسين درهما، جمعتها بعد أربعة أشهر من العمل في الخياطة..
ثم أضاف:
ـ تخيل أكثر من ثلاث مائة الف مواطن ومواطنة يتيمّمون بالرمل، ويصلون في صحراء لا متناهية الأطراف.. ثم يرفعون المصاحف إلى أعلى، ويجتازون الأسلاك الشائكة، وينطلقون راكضين نحو البنايات التي ينتصب في أعلاها أعلام الإسبان..
حلّقت فوق رؤوسنا الطائرات.. لم نخف، ولم نهرب.. التقطنا الحجارة ورميناها.. غدونا مثل أطفال يطاردون فراشات معدنية..
أقسم محمد بأنه كان من الأوائل الذين ثبتوا العلم الوطني فوق البناية التي تسلّق سُلّمها العشرات..
قال بافتخار:
ـ احسست كأني نزلت من مركبة فضائية، وثبّتت علم الوطن فوق سطح القمر..
نهض عبد السلام بصعوبة وفتح صندوقا خشبيا قديما.. طلب من زوجته ان تمده بالمصباح.. ضعف بصره، ولم يعد قادرا على التمييز بين الوثائق والأوراق..
ثم اتكأ على الجدار، وأخرج بطاقة خضراء تظهر فيها صورته بالأبيض والأسود وهو في العشرينات من عمره.. الدراعة الزرقاء والعمامة السوداء التي كان يغطي بها وجهه من غبار الصحراء نظيفتان ومطويتان بعناية، كأنهما تنتظران هذا اليوم.. ارتداهما بمساعدة زوجته.. جاءت له بالمرآة.. وهو ينظر إلى وجهه، سقطت دمعة من عينه.. أحس كأنه يولد من جديد.. أخذ عكازه ونزل رفقة زوجته بصعوبة إلى الشارع..
مراكش 01 نونبر 2025
أجابه عمر وهو يرتدي حذاءه الرياضي:
ـ نعم.. ولكن الأمر مختلف الليلة.. الناس تخرج إلى الشارع احتفالا بقرار مجلس الأمن حول مغربية الصحراء..
كان قد تابع الأخبار وسمع بالقرار، لكنه لم يتصور بأن الناس ستخرج الى الشارع وتحتفل به.. خانه الحدس هذه المرة..
كلما سمع شيئا عن قضية الصحراء تعود به الذاكرة الى ماض سحيق.. يرى الشبان والأطفال يمرون من أبواب سور المدينة القديم كل صباح ومساء.. وهم ذاهبون أو قادمون من المدرسة، يتفرجون على عشرات الحافلات والشاحنات القادمة من القرى والمدن البعيدة، تتجمّع بالساحة، قبل أن تنطلق نحو الجنوب..
متطوعون ومتطوعات من مختلف الأعمار، يُغنون ويُلوّحون بالأعلام الحمراء، أغلبهم بوجوه باسمة، وأجساد نحيفة، لا تخطئ العين انتماءها للقاع الشعبي. ينزلون لأخذ قسط من الراحة، وتناول القليل من الطعام..
مشهد يشبه رحلة البحث عن الذهب.. ذهب اسمه وحدة الوطن..
عادت صور الماضي تجري أمام عينيه كأنها تحدث الآن..
قال علوان:
ـ كان أشبه بمعجزة! في كل مرة أسأل نفسي إلى أين سأذهب مع هؤلاء المجانين؟ كيف سنواجه البنادق والمدافع والطائرات بالمصاحف والأعلام والصلاة والزغاريد والقليل من الطعام؟
أضاف علال:
ـ مع الجنود وعشرات الآلاف من أبناء وبنات الوطن كنا نشعر بأننا أقوياء، يُمكن أن نواجه العالم أجمع بصدور عارية..
قال عبد السلام:
ـ كان والداي غاضبين علي بسبب البطالة والنوم إلى وقت متأخر من النهار. عندما أخبرتهم بأني سأشارك في المسيرة الخضراء، غمرتهم سعادة لا توصف.. رغم تراجع دخل الوالد، فقد اقتنى لي جلبابا صوفيا وحذاء وحقيبة، ومدّني بمبلغ من المال لا أعلم كيف تدبّره. بكت أمي بشدة في تلك الليلة، وهي تدعو الله أن يحفظني من كل الشرور.. ضمتني إلى صدرها وقبلتني، ثم وضعت في جيبي ورقة من فئة خمسين درهما، جمعتها بعد أربعة أشهر من العمل في الخياطة..
ثم أضاف:
ـ تخيل أكثر من ثلاث مائة الف مواطن ومواطنة يتيمّمون بالرمل، ويصلون في صحراء لا متناهية الأطراف.. ثم يرفعون المصاحف إلى أعلى، ويجتازون الأسلاك الشائكة، وينطلقون راكضين نحو البنايات التي ينتصب في أعلاها أعلام الإسبان..
حلّقت فوق رؤوسنا الطائرات.. لم نخف، ولم نهرب.. التقطنا الحجارة ورميناها.. غدونا مثل أطفال يطاردون فراشات معدنية..
أقسم محمد بأنه كان من الأوائل الذين ثبتوا العلم الوطني فوق البناية التي تسلّق سُلّمها العشرات..
قال بافتخار:
ـ احسست كأني نزلت من مركبة فضائية، وثبّتت علم الوطن فوق سطح القمر..
نهض عبد السلام بصعوبة وفتح صندوقا خشبيا قديما.. طلب من زوجته ان تمده بالمصباح.. ضعف بصره، ولم يعد قادرا على التمييز بين الوثائق والأوراق..
ثم اتكأ على الجدار، وأخرج بطاقة خضراء تظهر فيها صورته بالأبيض والأسود وهو في العشرينات من عمره.. الدراعة الزرقاء والعمامة السوداء التي كان يغطي بها وجهه من غبار الصحراء نظيفتان ومطويتان بعناية، كأنهما تنتظران هذا اليوم.. ارتداهما بمساعدة زوجته.. جاءت له بالمرآة.. وهو ينظر إلى وجهه، سقطت دمعة من عينه.. أحس كأنه يولد من جديد.. أخذ عكازه ونزل رفقة زوجته بصعوبة إلى الشارع..
مراكش 01 نونبر 2025