قرأتُ مرةً في كتاب فيزياء عن (القزم الأبيض)، وظلَّ في ذاكرتي مصحوبًا بسؤال: هل تحتمل الفيزياء المجاز؟ ثم قلتُ: وهل يستطيع الإنسان أن يفهم الكون إلا بالمجاز؟ وسجّلتُ في دفتري آنذاك: "كلُّ ما يفعله الفيزيائيون المُحدَثون هو اختراع أسماء تروي لنا ماذا يجري في السماء"، فالذي قال (الانفجار العظيم) أراد أن يمنح البدء شكلًا لغويًا يمكن تخيله، والأدهش من هذا حين نسمع الفيزيائي يقول (الثقب الأسود)، وهو يريد أن يُعطي العدم شكلًا، وقد ذكرني هذا بسؤالي لامرأة كبيرة في السن: "إيش العدم"؟ فقالت لي مستنكرة ونافرة: "إيش هالسؤال؟" فزدتُ الطين بلة وقلت: "يعني اللا شيء إيش هو؟" فقالت لي: "يعني أنك ما عاد تسيّر علي".
ابتسمتُ واعتبرتها طردة من المنزل وتعريف في آنٍ واحد؛ لأني بعدما خرجتُ من بيتها قلتُ ربما تقصد أنَّ اللاشيء هو الموت، لأنَّها تعرف أني لن أنقطع عنها إلا بموتي أو موتها، والمهم من حواري معها أنَّ اللغةَ سيدة الموقف بيني وبينها، وسيدة الموقف بيننا وبين الفيزيائي الذي ابتكر مصطلح (القزم الأبيض)، إذ في العشرينيات من القرن الماضي كان صاحبنا الفيزيائي يُحدّق بنجمٍ غريب في مجموعة كوكبيّة، واكتشف أنَّ هذا النجم صغير الحجم جدًا إلا أنَّ ضوأه الأبيض يسطع بدرجةٍ تفوق جرمَه، وحين أجروا الفيزيائيون قياساتهم وجدوا أنَّ كتلته تُوازي كتلةَ الشمس، فقال صاحبنا: "نحن أمام مادةٍ بكثافةٍ لا يمكن أن يتصورها العقل". ومن هنا ولد الاسم الذي سيُخلد الظاهرة وهو (القزم الأبيض)، والمهم في هذه الظاهرة -وكلها مهم- أنَنا إذا وصفنا النجم بالقزم الأبيض فهذا يعني أنه ميّت،والسؤال: ما دام النجم ميتًا فمن أين يأتي ضوؤه؟ افترض الفيزيائيون أنَّ هناك ضغطًا خفيًا داخل النجم يمنعه من السقوط الكامل، لكن من أين يأتي هذا الضغط؟ قالوا إنه يأتي من نظام داخلي نابع من قانون اسمه (ضغط الانحلال) وهو أنَّ الجسيمات من نوع (الفرميونات) لا يمكن لها أن تحتلّ الحالةَنفسها في اللحظة نفسها، يعني كل إلكترون داخل القزم الأبيض يُطالب بموقعه الخاص وإذا حاولت الجاذبية أن تجمعهم معًا ازداد تمردهم وولّدوا ضغطًا يصدها. وهو ما يُمكن أن نسميه قانون (الكرامة الكونية) فكما لا يمكن لإنسانين أن يعيشا في الموقع الاجتماعي نفسه دون صراع لا يمكن للإلكترونين أن يتطابقا دون أن ينفجر النظام.
إذن النجم الحي يعيش بالاشتعال أما القزم الأبيض فيعيش بالممانعة، وهو نوع آخر من الحياة، حياةِ القوانين بعد موت الطاقة.
حياة القزم الأبيض يمكن أن تُقرأ بوصفها استعارة كونية للمجتمعات التي أنهكها الاستعمار؛ فهي كائنات فقدت حرارةَمشروعها الذاتي وانطفأت فيها شرارة المعنى، لكنها ما تزال قائمة بفضل قوانين قديمة تحكمها تُشبه ضغطَ الانحلال الاجتماعي: (شبكة من الطقوس الإدارية والموروثات السلطوية المتبادلة التي ولدت في حضن قلق الهوية ، بالإضافة إلى الذاكرة الاستعمارية والخوف من الفوضى، والاعتياد على التبعية واعتبار منجزات المستعمر القديم هي المقياس بالتقدم…). فهي تُضيء لأنها تُقاوم السقوط الكلي، وكل طاقتها مكرّسة للتماسك في إبقاءِ الشكل. وقد تكون مصر -تاريخ اسمها وتحوّلات هويتها- النموذج الأوضح لمفهوم نجم القزم الأبيض الاجتماعي؛ فالمصري المعاصر حين يقول: (أنا كِميتي)، أي من نسل (كِمت) القديمة، إنما يستعيد بقايا نجمٍ قديمٍ احترق منذ آلاف السنين، ليبحث في رماده عن دفء المعنى. هذه الهوية الكِميتية فعل مقاومةٍ ضد حاضرٍ فقدَ حرارته كأنَّه النجم الميت وهو يُقاوم انهياره بالضغط الداخلي، لكنَّ المفارقة أنَّ هذا الضغط نفسه هو ما يُبقي الجسد صلبًا، لهذافالمصريون الذين يقاومون (الكِميتيين) يمارسون عملا يُشبه ما فعلته الإلكترونات في نجم القزم الأبيض، أي التنافر لمنع الانهيار لكنها لا تملك طاقة جديدة لتُشعل النجم. ومن هنا فكلا الفريقين -الكميتيين وأضدادهم من الإسلاميين والعروبيين والمصري المتدين البسيط- يتحرّك في فلك نجمٍ فقدَ حرارته الأولى؛ ولهذا يبدو المتحف المصري الكبير -الذي افتُتح مؤخرًا كأكبر متحف في العالم لحضارةٍ واحدة- كأنَّه نصبٌ تذكاريٌّ للهوية الميتة، وقد توقفتُ مليًّا عند مقولةٍ وردت في كلمةِ افتتاح المتحف مفادها: "نكتب فصلا جديدًا من تاريخ الحاضر والمستقبل"، وهي عبارة كاشفة للإشكالية، ومشحونة بتناقض وجودي؛ إذ القول يَعد بالمستقبل والفعل يُثبّت الماضي المبتور، وهذا عين ما يفعله القزم الأبيض في الفيزياء: إنه يواصل البريق بعد موته. وما المتحف -إذن- إلا محاولة لاختراع حرارة رمزية من بقايا طاقة منطفئة، وهنا تتجلّى المفارقة المدهشة: فمبدأ باولي الذي يمنع الجسيمات من التطابق التام هو نفسه الذي يُبقي الأمم المتعبة متماسكة رغم خمودها؛ لأنه يمنحها تمايزا كافيًا لتستمر لكنه لا يهبها حياة جديدة.
إلا أنَّ السؤالَ الذي لا يُمكن الهروب منه هو: إلى متى يمكن لقانون البقاء السلبي أن يُعوّض عن الطاقة الخلّاقة؟ يقول الفيزيائيون: "إن القزم الأبيض سيأتيه يومٌ يفقد فيه ضغطه الداخلي وينهار إلى ثقبٍ أسود يبتلع ذاته" ومن هنا فالأمم -التي أطفأها الاستعمار ومازال رمادها يضيء- تواصل البقاء بالقصور الذاتي لأنَّ قوانين الاستعمار القديمة تعمل بداخلها كأنها نظام دعمٍ حيوي بعد الموت، لكنَّ علماء الاجتماع أجبن من أن يجزموا بالموت الكامل كعلماء الفيزياء.
التفاتة:
حين قال الرئيس السوري أحمد الشرع -في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض- كلمةً عابرة مسّت سؤال الهوية، اهتزّ الإعلام المصري غضبًا، ولم أفهم هذا الغضب إلا من زاوية أنه لمس جرحَ النجم الميت.
ابتسمتُ واعتبرتها طردة من المنزل وتعريف في آنٍ واحد؛ لأني بعدما خرجتُ من بيتها قلتُ ربما تقصد أنَّ اللاشيء هو الموت، لأنَّها تعرف أني لن أنقطع عنها إلا بموتي أو موتها، والمهم من حواري معها أنَّ اللغةَ سيدة الموقف بيني وبينها، وسيدة الموقف بيننا وبين الفيزيائي الذي ابتكر مصطلح (القزم الأبيض)، إذ في العشرينيات من القرن الماضي كان صاحبنا الفيزيائي يُحدّق بنجمٍ غريب في مجموعة كوكبيّة، واكتشف أنَّ هذا النجم صغير الحجم جدًا إلا أنَّ ضوأه الأبيض يسطع بدرجةٍ تفوق جرمَه، وحين أجروا الفيزيائيون قياساتهم وجدوا أنَّ كتلته تُوازي كتلةَ الشمس، فقال صاحبنا: "نحن أمام مادةٍ بكثافةٍ لا يمكن أن يتصورها العقل". ومن هنا ولد الاسم الذي سيُخلد الظاهرة وهو (القزم الأبيض)، والمهم في هذه الظاهرة -وكلها مهم- أنَنا إذا وصفنا النجم بالقزم الأبيض فهذا يعني أنه ميّت،والسؤال: ما دام النجم ميتًا فمن أين يأتي ضوؤه؟ افترض الفيزيائيون أنَّ هناك ضغطًا خفيًا داخل النجم يمنعه من السقوط الكامل، لكن من أين يأتي هذا الضغط؟ قالوا إنه يأتي من نظام داخلي نابع من قانون اسمه (ضغط الانحلال) وهو أنَّ الجسيمات من نوع (الفرميونات) لا يمكن لها أن تحتلّ الحالةَنفسها في اللحظة نفسها، يعني كل إلكترون داخل القزم الأبيض يُطالب بموقعه الخاص وإذا حاولت الجاذبية أن تجمعهم معًا ازداد تمردهم وولّدوا ضغطًا يصدها. وهو ما يُمكن أن نسميه قانون (الكرامة الكونية) فكما لا يمكن لإنسانين أن يعيشا في الموقع الاجتماعي نفسه دون صراع لا يمكن للإلكترونين أن يتطابقا دون أن ينفجر النظام.
إذن النجم الحي يعيش بالاشتعال أما القزم الأبيض فيعيش بالممانعة، وهو نوع آخر من الحياة، حياةِ القوانين بعد موت الطاقة.
حياة القزم الأبيض يمكن أن تُقرأ بوصفها استعارة كونية للمجتمعات التي أنهكها الاستعمار؛ فهي كائنات فقدت حرارةَمشروعها الذاتي وانطفأت فيها شرارة المعنى، لكنها ما تزال قائمة بفضل قوانين قديمة تحكمها تُشبه ضغطَ الانحلال الاجتماعي: (شبكة من الطقوس الإدارية والموروثات السلطوية المتبادلة التي ولدت في حضن قلق الهوية ، بالإضافة إلى الذاكرة الاستعمارية والخوف من الفوضى، والاعتياد على التبعية واعتبار منجزات المستعمر القديم هي المقياس بالتقدم…). فهي تُضيء لأنها تُقاوم السقوط الكلي، وكل طاقتها مكرّسة للتماسك في إبقاءِ الشكل. وقد تكون مصر -تاريخ اسمها وتحوّلات هويتها- النموذج الأوضح لمفهوم نجم القزم الأبيض الاجتماعي؛ فالمصري المعاصر حين يقول: (أنا كِميتي)، أي من نسل (كِمت) القديمة، إنما يستعيد بقايا نجمٍ قديمٍ احترق منذ آلاف السنين، ليبحث في رماده عن دفء المعنى. هذه الهوية الكِميتية فعل مقاومةٍ ضد حاضرٍ فقدَ حرارته كأنَّه النجم الميت وهو يُقاوم انهياره بالضغط الداخلي، لكنَّ المفارقة أنَّ هذا الضغط نفسه هو ما يُبقي الجسد صلبًا، لهذافالمصريون الذين يقاومون (الكِميتيين) يمارسون عملا يُشبه ما فعلته الإلكترونات في نجم القزم الأبيض، أي التنافر لمنع الانهيار لكنها لا تملك طاقة جديدة لتُشعل النجم. ومن هنا فكلا الفريقين -الكميتيين وأضدادهم من الإسلاميين والعروبيين والمصري المتدين البسيط- يتحرّك في فلك نجمٍ فقدَ حرارته الأولى؛ ولهذا يبدو المتحف المصري الكبير -الذي افتُتح مؤخرًا كأكبر متحف في العالم لحضارةٍ واحدة- كأنَّه نصبٌ تذكاريٌّ للهوية الميتة، وقد توقفتُ مليًّا عند مقولةٍ وردت في كلمةِ افتتاح المتحف مفادها: "نكتب فصلا جديدًا من تاريخ الحاضر والمستقبل"، وهي عبارة كاشفة للإشكالية، ومشحونة بتناقض وجودي؛ إذ القول يَعد بالمستقبل والفعل يُثبّت الماضي المبتور، وهذا عين ما يفعله القزم الأبيض في الفيزياء: إنه يواصل البريق بعد موته. وما المتحف -إذن- إلا محاولة لاختراع حرارة رمزية من بقايا طاقة منطفئة، وهنا تتجلّى المفارقة المدهشة: فمبدأ باولي الذي يمنع الجسيمات من التطابق التام هو نفسه الذي يُبقي الأمم المتعبة متماسكة رغم خمودها؛ لأنه يمنحها تمايزا كافيًا لتستمر لكنه لا يهبها حياة جديدة.
إلا أنَّ السؤالَ الذي لا يُمكن الهروب منه هو: إلى متى يمكن لقانون البقاء السلبي أن يُعوّض عن الطاقة الخلّاقة؟ يقول الفيزيائيون: "إن القزم الأبيض سيأتيه يومٌ يفقد فيه ضغطه الداخلي وينهار إلى ثقبٍ أسود يبتلع ذاته" ومن هنا فالأمم -التي أطفأها الاستعمار ومازال رمادها يضيء- تواصل البقاء بالقصور الذاتي لأنَّ قوانين الاستعمار القديمة تعمل بداخلها كأنها نظام دعمٍ حيوي بعد الموت، لكنَّ علماء الاجتماع أجبن من أن يجزموا بالموت الكامل كعلماء الفيزياء.
التفاتة:
حين قال الرئيس السوري أحمد الشرع -في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض- كلمةً عابرة مسّت سؤال الهوية، اهتزّ الإعلام المصري غضبًا، ولم أفهم هذا الغضب إلا من زاوية أنه لمس جرحَ النجم الميت.