د. محمد سعيد شحاتة - العنوان مفتاح تأويلي... الأسطورة والميتافيزيقا والوجود في النص الشعري: قراءة في ديوان {أردية مهترئة لديونيسوس) للشاعر امل سالم..

جزء من دراسة



يمثل العنوان عتبة الولوج الأولى إلى عالم الخطاب ودسائسه غير الممكنة، فهو "مرسلة مشفرة بين الناص والنص من جهة والقارئ والنص من جهة أخرى، وبالتالي فإن رصد العنوان وتفكيكه من شأنه الكشف عن دلالات الخطاب وأسراره" (خالد حسين، شعرية المكان في الرواية الجديدة، ص 368) وهو ما عبَّر عنه إمبرتو إيكو بقوله "العنوان هو للأسف منذ اللحظة الأولى التي نضعه فيها مفتاح تأويلي" (ينظر: صدوق نور الدين، البداية في النص الروائي، ص 70) وهذا يعني أن العنوان ذو دلالة خاصة بالنسبة للعمل الأدبي ومتلقي هذا العمل على حد سواء؛ إذ يثير في المتلقي هاجس التوغَّل في العمل من أجل اكتشاف كنهه، والتقاط أسرار دلالاته العميقة، وهذا يعني أيضا أن العنوان من حيث كونه عتبة للولوج إلى عالم النص هو "عنصرٌ شرطيٌّ لبناء النص وعنصرٌ ضروريٌّ لتلقيه، وكعتبة الدار لا يمكن تجاهلها أو النفاذ من دونها، كما لا يمكن حذفها من مخططات البناء، وفصلها عن الخصائص البرجماتية والجمالية المعمارية؛ فهي جزء لا يتجزأ من النص، هذا الكائن المتخلق – بالضرورة – على أساس تكامل عضوي بين المتن والعتبات" (صادق القاضي، عتبات النص الشعري في المعاصرة الشعرية وشعرية المعاصرة، ص 5) ومن ثم فإن العنوان – من حيث كونه عتبة الولوج – يستمد كينونته من كينونة النص، ومن ثم وجدنا جيرار جينت يدفع بالعتبات – ومنها العنوان – إلى بؤرة الاهتمام النقدي حيث يرى أن شعرية النص تكمن في تعالياته، ومنها العتبات، وسوف نتوقف في هذه المرحلة من الدراسة أمام عنوان النص مستكشفين تركيبه ودلالاته، ورابطين بينه وبين عالم النص.
يتكون عنوان الديوان "أردية مهترئة لديونيسوس" من جملة اسمية حُذِف أحد طرفيها، وهي من النوع الذي يُفضِّل الشعراء تركه مفتوحًا على التأويل؛ فالجملة لا تبدأ بفعلٍ يحدّد الزمن، بل باسمٍ يشي بالثبات والكينونة "أردية"، وهذا البدء بالاسم يوجّه المتلقي إلى بنيةٍ خبريةٍ، أي أنّ الجملة تريد أن تخبر بشيء ما، وبمعنى آخر تريد أن تُعلن وضعًا وجوديًا، ومن ثم يمكن تقدير العنوان بوصفه جملةً اسميةً مبتدؤها محذوف وخبرها "أردية" والتقدير الأقرب "هذه أرديةٌ مهترئةٌ لديونيسوس"، وهذا الحذف لا يُعدّ نقصًا، بل هو حيلة لغوية مقصودة لتوليد الغموض والعمق؛ إذ يترك العنوان هكذا دون مبتدأ؛ ليدفع القارئ إلى البحث عنه، وعن دلالاته وملامحه في القصائد، إنّ هذا الفراغ الإسنادي بين المبتدأ وخبره هو عينُ ما يفعله الشاعر في الديوان، أي يجعل اللغة تبدأ من الستر/الرداء، وتبحث عمّا وراءه من معنى، فالمبتدأ الغائب نحويًا هو المعنى الغائب وجوديًا، والقصائد هي محاولة متكرّرة لملء هذا الفراغ، فعندما نقول "أردية مهترئة لديونيسوس" يتساءل المتلقي تساؤلا مشروعًا: ما هي هذه الأردية؟ ومن ثم تأتي القصائد لملء هذا الفراغ، أو للإجابة عن هذا التساؤل.
أما الكلمة الثانية في العنوان فهي "مهترئة" وقد جاءت نعتًا لكلمة "أردية؛ لتصف حال الخبر وتحدّد صفته الجوهرية، والنعت في العربية يتبع المنعوت في الإعراب والتعريف والتنكير، وقد جاء النعت هنا نكرةً مثل منعوته، مما يمنح التركيب طابعًا تعميميًا مفتوحًا؛ فالأردية ليست أردية بعينها، بل كل الأردية الممكنة في الوجود، وذلك نتيجة كون كلمة أردية نكرة، والنكرة تدل على العموم والشمول، أي العموم في نطاق جنسها، وكذلك جاءت كلمة مهترئة، التي توحي بلا نهائية الانكسار، وتحوّل الصفة من تحديدٍ إلى حالةٍ وجوديةٍ دائمة، فمن جهة التركيب، الصفة هنا رابط نحوي يوازن بين الثبات والتحوّل؛ فالخبر "أردية" يوحي بالجمود، والصفة "مهترئة تدخِل الحركة عليه، أي تمنحه الحركة، كأنّ الجملة في جوهرها تصف مفارقة الوجود نفسه، أن يثبت وهو يتآكل، وأن يبقى وهو يتهدّم، وفي هذا التوازي النحوي بين الاسم وصفته نلمح البنية الفكرية التي تحكم الديوان كله؛ فكلّ كائن عند الشاعر قائم على حافة الفناء، وكلّ لغة تحيا بقدر ما تهترئ، وهكذا يصبح النعت في بعده النحوي تجسيدًا للجدل الفلسفي بين الكينونة والعدم.
ثم يأتي دور الجار والمجرور "لديونيسوس" في تشكيل المعنى، فالتركيب الأخير "لديونيسوس" يكمّل الجملة بوصفه شبه جملة جارًا ومجرورًا، واللام هنا حرف جر متعدد المعاني، تتراوح دلالته بين الملكية والانتماء والغاية، وحين تُضاف الأردية المهترئة إلى ديونيسوس فإنه يمكن أن تُقرأ الجملة بثلاث قراءات نحوية دلالية، القراءة الأولى هي أردية تخصّ ديونيسوس (لام الملكية)، والقراءة الثانية هي أردية مكرّسة لطقس ديونيسوس (لام الغاية)، والقراءة الثالثة هي أردية تنتمي إلى عالمه الرمزي (لام الاختصاص)، وكلّ قراءةٍ من هذه تُنتج طبقة جديدة من المعنى، وتُثري الإحالة الفكرية في الديوان، وأما من الناحية الإعرابية فإن شبه الجملة "لديونيسوس" متعلّق بالنعت "مهترئة"؛ لأن المعنى يكتمل بتعلّقه بها، فالأردية مهترئة لأجل ديونيسوس أو في سبيله، وهذا التعلّق يمنح الجملة حركة داخلية تتجه من الذات إلى الآخر، أي من الأردية/ اللغة/الإنسان إلى ديونيسوس/المطلق/الإله، إنه انتقال نحوي من الاسم إلى الجار والمجرور يقابله انتقال فكري من الذات إلى المعنى، ومن المادة إلى الروح.
أما الأثر الأسلوبي للحذف فمن الناحية النحوية الأسلوبية، العنوان يقوم على الإيجاز بالحذف، والخبر تقدّم ليتحمّل ثقل الجملة، والصفة تلتها لتصفه، ثم أُرجئ شبه الجملة في الختام لتُختتم به الموسيقى، وهذا الترتيب من اسمٍ إلى صفةٍ إلى شبه جملة يشكّل تصعيدًا إيقاعيًا ودلاليًا، أي الانتقال من المحسوس/ الأردية إلى المجرد/ الاهتراء إلى الماورائي/ ديونيسوس.
أما الحذف وهو حذف المبتدأ أو الرابط الفعلي فيُعدّ من أهم الظواهر النحوية في لغة الشعر؛ لأنه يفتح النصّ على التأويل اللامحدود، لقد أدرك الشاعر أن الجملة المكتملة نحويًا تنغلق دلاليًا؛ لذلك تعمّد تركها ناقصة؛ كي تكون كلّ قصيدة من الديوان محاولةً لتكميل المحذوف، إنّ العنوان نحويًا جملة بلا مبتدأ، وشعريًا رحلة في البحث عن هذا المبتدأ وملامحه ومعانيه، ووجوديًا سؤال مفتوح عن الحقيقة.
يتضح من هذا التحليل أن التكييف النحوي للعنوان ليس زخرفًا لغويًا، بل هو انعكاس مباشر للرؤية الفلسفية التي يحملها الديوان؛ فهي جملة اسمية بسيطة في ظاهرها، لكنها تنطوي على حركة فكرية معقدة؛ فالخبر يدل على الكثرة/أردية، والصفة تدل على التحوّل/مهترئة، وشبه الجملة يدل على الغاية/ لديونيسوس، أي أنّ الجملة تتحرك من الوجود الكثيف إلى الفناء إلى الخلاص، وهذا هو مسار الفكر الوجودي الذي يتبناه الشاعر في قصائده.
التركيب النحوي إذن يصوّر البنية العميقة للوعي الشعري؛ فاللغة/الخبر تتآكل في صفتها/المهترئة؛ لتصل عبر اللام إلى مبدأ التجلّي/ديونيسوس، وهكذا يتحوّل النحو إلى خريطة ميتافيزيقية للرحلة بين الكلمة والمطلق.
ويمكن القول في الختام إن العنوان على مستوى نحوه البسيط يجسّد ما يسميه الفلاسفة بالاقتصاد الكوني للّغة؛ فجملة قصيرة لا تتجاوز ثلاث كلماتٍ تختصر صراع الوجود كله بين المظهر والجوهر، وبين البِلى والانبعاث، وبين الإنسان والإله.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى