"مفيش ميت بيدفع أجرة."
تلملم الشمس بقايا أشعتها الذهبية الدافئة، بدا أنها تتثاءب وترغب في الرحيل مبكرًا كعادتها في أيام الخريف.
حينها كنتُ أنتظر سيارة أجرة على ناصية أحد شوارع "المهندسين"، للذهاب إلى ميدان "الجيزة"، ومنه أقفز لأقرب عربة لأعود إلى بيتي بعد عمل يوم شاق.
ما أكثرها أيام الشقاء، حتى آمنت أن حياتي تفقد بهجتها حينما تخلو من تعب، أو عندما تجدب منها القسوة.
غير بعيدٍ عني كانت تقف امرأة خمسينية، شديدة النحول، شاحبة الوجه. كأني رأيتها من قبل، وإن كانت ذاكرتي لم تسعفني كعادتها، أو لعلها واحدة ممن نمرّ بهم دون أن نراهم جيدًا، لكن تتساقط صورهم في قاع الذاكرة.
قفزتُ إلى العربة، جلستُ خلف السائق، نَقَدته أجرته بسرعة كعبء أحرص دومًا على الخلاص منه، ثم رحت أرمق بفتور السيارات الفارهة وواجهات المحلات التجارية البرّاقة، وإن لم تعد تثيرني كما الماضي. تمرّ أمام عيني كشريط سينمائي حفظته عن ظهر قلب، لكني لا أملك مفرًّا من مشاهدته كل يوم.
انتبهتُ على بوادر مشاحنة تندلع ببطء بين السائق وأحد الركاب. أمرٌ يحدث كثيرًا، اعتدته أيضًا، ودربتُ نفسي منذ فترة بعيدة على ألّا أتدخل فيما لا يعنيني. فما أكثر الضرر الذي يقع على المرء إن تدخل مع الغير ولو من باب المجاملة، فقد ساءت أخلاق الناس عن ذي قبل. لذلك تجاهلت الخناقة، اختليتُ بنفسي، أستعيد شريط أحداث يومي، وما سأفعله غدًا.
غير أن الشجار احتدم بشدة، بدا أن التلاسن يشتعل بين السائق وسيدة تجلس جواري مباشرة. حين أدرتُ رأسي إليها وجدتها نفس المرأة التي رأيتها على رصيف الشارع، رثة الملابس، تقبض بيدها على كيس أسود من البلاستيك.
عيناها غائرتان، يحمل وجهها من التجاعيد حتى توارت ملامحها الأصلية تحت ركام الشقاء الطويل. أدركتُ حين تفحّصتُ ملامحها أنها تشبهني في أشياء وإن لم أستطع الوقوف عليها بدقة.
كانت حادّة في ألفاظها، تخلط في حديثها العامية ببعض الكلمات الفصيحة. كان ردّها أسرع من قدرة السائق على مجاراتها، فاكتفى هذا الأخير بأن برطم ببعض الألفاظ، ثم أشاح بوجهه بعيدًا عنها، وضغط نفير المركبة بشدة ولفترة طويلة، كأنما يفرغ شحنة غضبه في إيذاء المارة من حوله.
"سيكوباتي"، كلمة واحدة ألقتها المرأة في وجه السائق لتنهي حالة الجدل بينهما بضربة قاضية حسب تصورها، ثم نظرت إليه بحدة كأنما تستفز رجولته. غير أنه تغافل عنها، وتشاغل بالطريق، والتسابق مع سيارة أجرة على نفس الخط للاستحواذ على أكبر عدد من الركاب.
التفتُّ إليها، قلتُ: "سيكوباتي؟"، ثم مازحتها: "أنتِ مثقفة؟"
فأجابتني: "أيوه، عادي. ما المشكلة؟ تقصد عشان شكلي وهيئتي؟"
- عفوًا، لا أقصد التقليل من شأنك، لكن... أتعرفين معنى كلمة (سيكوباتي)؟
- باشمئزاز: "لو مش عارفاها، مش هاقولها."
أمام ردّتها، تصنعتُ المرح برغبة في التعرف عليها عن قرب، قلتُ لها: اسمحي لي أن أدفع لك الأجرة.
فردّت بسرعة: "لا لا، إديني قيمة الأجرة إن كنتَ ناوي تدفعها فعلًا."
ثم نظرت في عينيّ عميقًا، وأكملت بصوت عالٍ سمعه الجميع: "أصلي ما بدفعش أجرة، عمري ما دفعت."
باستغرابٍ سألتها: "لمَ؟ هو فيه حد بيركب ببلاش؟"
فأجابت وهي تعبث بيمينها في قاع كيسها الأسود: "أصلّي ميتة... ميتة من زمان جدًا."
ثم فركت أصابعها ببعضها وصاحت: "انت سمعت قبل كده عن ميت بيدفع أجرة؟"
تلملم الشمس بقايا أشعتها الذهبية الدافئة، بدا أنها تتثاءب وترغب في الرحيل مبكرًا كعادتها في أيام الخريف.
حينها كنتُ أنتظر سيارة أجرة على ناصية أحد شوارع "المهندسين"، للذهاب إلى ميدان "الجيزة"، ومنه أقفز لأقرب عربة لأعود إلى بيتي بعد عمل يوم شاق.
ما أكثرها أيام الشقاء، حتى آمنت أن حياتي تفقد بهجتها حينما تخلو من تعب، أو عندما تجدب منها القسوة.
غير بعيدٍ عني كانت تقف امرأة خمسينية، شديدة النحول، شاحبة الوجه. كأني رأيتها من قبل، وإن كانت ذاكرتي لم تسعفني كعادتها، أو لعلها واحدة ممن نمرّ بهم دون أن نراهم جيدًا، لكن تتساقط صورهم في قاع الذاكرة.
قفزتُ إلى العربة، جلستُ خلف السائق، نَقَدته أجرته بسرعة كعبء أحرص دومًا على الخلاص منه، ثم رحت أرمق بفتور السيارات الفارهة وواجهات المحلات التجارية البرّاقة، وإن لم تعد تثيرني كما الماضي. تمرّ أمام عيني كشريط سينمائي حفظته عن ظهر قلب، لكني لا أملك مفرًّا من مشاهدته كل يوم.
انتبهتُ على بوادر مشاحنة تندلع ببطء بين السائق وأحد الركاب. أمرٌ يحدث كثيرًا، اعتدته أيضًا، ودربتُ نفسي منذ فترة بعيدة على ألّا أتدخل فيما لا يعنيني. فما أكثر الضرر الذي يقع على المرء إن تدخل مع الغير ولو من باب المجاملة، فقد ساءت أخلاق الناس عن ذي قبل. لذلك تجاهلت الخناقة، اختليتُ بنفسي، أستعيد شريط أحداث يومي، وما سأفعله غدًا.
غير أن الشجار احتدم بشدة، بدا أن التلاسن يشتعل بين السائق وسيدة تجلس جواري مباشرة. حين أدرتُ رأسي إليها وجدتها نفس المرأة التي رأيتها على رصيف الشارع، رثة الملابس، تقبض بيدها على كيس أسود من البلاستيك.
عيناها غائرتان، يحمل وجهها من التجاعيد حتى توارت ملامحها الأصلية تحت ركام الشقاء الطويل. أدركتُ حين تفحّصتُ ملامحها أنها تشبهني في أشياء وإن لم أستطع الوقوف عليها بدقة.
كانت حادّة في ألفاظها، تخلط في حديثها العامية ببعض الكلمات الفصيحة. كان ردّها أسرع من قدرة السائق على مجاراتها، فاكتفى هذا الأخير بأن برطم ببعض الألفاظ، ثم أشاح بوجهه بعيدًا عنها، وضغط نفير المركبة بشدة ولفترة طويلة، كأنما يفرغ شحنة غضبه في إيذاء المارة من حوله.
"سيكوباتي"، كلمة واحدة ألقتها المرأة في وجه السائق لتنهي حالة الجدل بينهما بضربة قاضية حسب تصورها، ثم نظرت إليه بحدة كأنما تستفز رجولته. غير أنه تغافل عنها، وتشاغل بالطريق، والتسابق مع سيارة أجرة على نفس الخط للاستحواذ على أكبر عدد من الركاب.
التفتُّ إليها، قلتُ: "سيكوباتي؟"، ثم مازحتها: "أنتِ مثقفة؟"
فأجابتني: "أيوه، عادي. ما المشكلة؟ تقصد عشان شكلي وهيئتي؟"
- عفوًا، لا أقصد التقليل من شأنك، لكن... أتعرفين معنى كلمة (سيكوباتي)؟
- باشمئزاز: "لو مش عارفاها، مش هاقولها."
أمام ردّتها، تصنعتُ المرح برغبة في التعرف عليها عن قرب، قلتُ لها: اسمحي لي أن أدفع لك الأجرة.
فردّت بسرعة: "لا لا، إديني قيمة الأجرة إن كنتَ ناوي تدفعها فعلًا."
ثم نظرت في عينيّ عميقًا، وأكملت بصوت عالٍ سمعه الجميع: "أصلي ما بدفعش أجرة، عمري ما دفعت."
باستغرابٍ سألتها: "لمَ؟ هو فيه حد بيركب ببلاش؟"
فأجابت وهي تعبث بيمينها في قاع كيسها الأسود: "أصلّي ميتة... ميتة من زمان جدًا."
ثم فركت أصابعها ببعضها وصاحت: "انت سمعت قبل كده عن ميت بيدفع أجرة؟"