العربي عبدالوهاب ـ إستشراف عالم الطفولة فى قصص (الطاهر شرقاوي)


يقدم الطاهر شرقاوى فى قصص ( البنت التى تمشط شعرها ) (1) كتابة تندرج تحت مسمى حلقات من القصص حيث تمثل المجموعة متوالية أو حلقة يتخلى القاص عن فردية القصة وانغلاقها ويسعى إلى انفتاحها الاتصالى المتفاعل مع بقية القصص لتتكون من حلقة قصصية . تمثل بنية كلية يتراوح المعنى خلالها فى حركات نبدولية بين القصص حتى أنه يمكن الانتقال من أى قصة إلى أخرى سعياً وراء جمع عناصر التشكيل الفنى الذى يؤدى بدوره للوصول إلى الرؤية المبثوثة خلال النصوص لجمع ملامحها الفنية فى وحدة واحدة تشكل الرؤية الكلية .

ومجموعة البنت التى تمشط شعرها تنتمى إلى ذلك النوع من الكتابة ، فالقصص بتجاورها وما تحمله من سمات مشتركة تنطلق دلالتها لتستكمل حضورها وفعاليتها فى نفس الأمكنة وبنفس تيمات متكررة ومبثوثة بقصدية من الكاتب مما يساعد القارئ على دمجها فى نسق كلى من الإشارات المشكلة للنص . وحلقة قصصية تعددت مسميات هذا اللون من الإبداع عند دارسى الأدب من ( مجموعة من القصص المتكاملة ، ديوان قصصى ، حلقة قصصية ) فالمعنى المراد تقريباً واحد ، وهو ضرورة قراءة القصص من قبل القارئ والناقد على أنها تشكل وحدة. وعبر إعادة القراءة يكتشف أن ثمة درجة عالية من الانسجام والتوحد والتفاعل والتوتر بين القصص .

وزع الكاتب مجموعته على قسمين يفضى كل منهما للآخر وجعل لكل قسم منها عنواناً هو نفسه عنوان لأحد القصص فيها .

جاء القسم الأول بعنوان " حصير مفروش " ، دالاً على نمط الحياة وصيرورتها فى وعى الراوى الطفل لقريته من قرى الصعيد يجاورها النهر وتحتويها طبيعة مكانية قاسية إلا أنها تحمل رحابة وبراءة الطفولة مشكلة وعيه تجاه الحياة فيسجل ملاحظاته/ مشاهداته برهافة كاشفة .

أما القسم الثانى والمعنون بالنهر يركض شمالاً ، فيعكس علاقة الكاتب بالمكان ونمو وعيه الراصد للتحولات الطارئة ، متخذاً من النهر دلالة محركة لطبيعة الحياة تنم عن شكل من أشكال الصراعات الخافية فى القسم الأول ، يقول فى القصة الأخيرة " ربما كان يجب أن يمر علينا زمن طويل لندرك أن تلك العجلات الحديدية لم تكن تحتاج إلا لقليل من الصيانة ، حتى تكف عن صراخها الحاد المفزع " صـ 101 . يخبو هنا الحس الطفولى الواقع تحت الخرافة والحكايات الشعبية فى أول القصص مع الغريب لينتهى بوعى متفتح على علائق جديدة فى الواقع تعنى بتفسيره واستيعاب قواه المحركة لا للارتكان إلى تعليل أنين العجلات الحديدية ، إنها نتاج للأرواح المعذبة التى داست العجلات على أجسادها .. والراوى فى المجموعة ، راو مشارك يعتمد على ضمير المتكلم فى معظم القصص إلا فى بعضها حيث يتخفى وراء ضمير الغائب ليسجل بعين مفعمة بالغنائية والأسى . تلك العين ليست محايدة إنما تتنقل بين المقاطع محملة بهموم الراوى وحاملة وجهة نظره السردية .

يبدأ قصة فيديو بجملة الضلالى ابن الضلالى محولاً استراتيجية السرد إلى وجهة النظر الراوية التى تدين القصة من بدايتها فهذا الضلالى يعكس ملامح الفساد العائد به من سفره إلى الخارج حاملاً فيديو وأفلاماً غير مباحة تتلف وعى فتيان القرية ولا يملك الآباء حيال الرخصة التى يحملها – لمقهاه – من الحكومة أن يضعوا حداً لنشاطه ، أو يمنعون أولادهم من الذهاب إليه. تنهض المجموعة على تفعيل قيمة (الفقد). بما تحمله من مدلولات سيكولوجية خاصة بالحنين للطفولة ففى قصة بيت صغير على تبة عالية يحكى الجد عن مجيئه إلى المكان وتحمله لوحشته .. فتسحبه ذكرى الزوجة الراحلة حتى تدمع عيناه ، يتوازى تماماً هذا الحنين المستمد من الفقد مع انكسار حلم الولد والبنت فى الارتباط نتيجة لصلابة الواقع و تقاليده الصلبة التى لا تعترف بالحب. هذا الحب غير المتحقق فى قصة البنت التى تمشط شعرها لوجود مسافة فاصلة تمنع الولد من التوحد بالبنت ، كأن هذه المسافة لا تضيق أبداً وتمزج شخصية الجد مع الغريب كلاهما يعكس قدرات بطولية تساهم فى تشكيل عالم الطفولة بامتلاكهما روحاً شعبية قادرة على التأثير ، فالغريب بما يريده من العلاج بالطرق الشعبية ، وما يرويه من حكايات مع معرفته برطانة السياح يمتد فى كيان القرى ووعى الأطفال .. لكنه ( الغريب ) يتجاوز غربته بحنينه للأطفال ، كما يشعر الجد بالحنين لزوجته الراحلة ، وكلاهما يحملان الحلوى والحكايات للأطفال ، هنا تتكرر ملامح الشخوص ويستمر العزف على نفس التيمة وتنميتها فى قصة حصير مفروش حيث نلحظ الحنين الجارف النابع من الفقد للزوج لسفره وهو ذاته نفس الحنين فى قصة بقع الشمس حين يموت الجد محتضناً حفيده . الموت يتشبث بالحياة والحياة محتشدة بألوان عدة من الانكسار والفقد وعدم التحقق بما يشير إلى الموت ونراه فى مجابهة الرجل للنهر والخوض فى مياهه محاولاً لمس طيف ابنه الغريق ، إنها مواجهة للموت المتخفى فى النهر مواجهة للطبيعة والمكان وصلابة التقاليد بما يشى بالموت المنبعث بسفر الرجل وانكسار الولد وقسوة النهر، فالحنين الطاغى للدفء والمؤانسة يتولد عندما نشعر بالفقد ، فهل قسوة الطبيعة وحرارة الشمس الملتهبة وفيضان النهر تشكل مشاعر وملامح شخوص المجموعة وتمنحهم نفس الصلابة والتحجر ؟! هذا ما نراه من دفع ابن الأخ لعمه ليسقط على فروع شجرة الصفصاف الجافة ويموت فى قصة شاهد .. والنهر يتوقف قليلاً يشاهد ذلك العنف ثم يمضى فى طريقه كأنه النهر الإنسان الذى صار عجوزاً فى قصة ركض حيث تعب من كثرة مشاهداته للعنف والصراع الخفى بينه وبين الناس وبانت شيخوخته بعدما انتفت عنه الخرافة فى وعى الراوى الطفل المتنامى ( لم كبرنا رأيناه وقد هدأت ثورته .. علاه الشيب .. وأدركته الشيخوخة .. يسير ببطء متمهلاً .. يتحسس الطريق نحو الشمال ) صـ 67. وللنهر حضور قوى يمكن القارئ من الحياة والتجدد ويخطفهم بالموت غرقاً أو الرحيل – معه – نحو الشمال .

ثمة دلالة عميقة فى النفس الريفية مرتبطة بالنهر . ماؤه يمنح أنفسهم هدوءاً ودرجة من الصفاء مصحوبة بالروية . فى قصة شمس العصارى يجذب العم أطراف الحديث مع ابن أخيه فى محاولة هادئة لإقناعه بالعدول عن الطلاق ويمارس - خلال حديثه – طقوسه اليومية لترطيب جسمه بماء النهر . شرب الشاى . الفعل هنا تحركه قوى الطبيعة التى خفتت حرارتها فى العصارى . يتم بشكل طقسى يعكس حيادية الراوى فيتعادل عند القارئ الطلاق مع الزواج ، الحزن مع الفرح بلا إثارة . بلا ضجيج . ومرجعية هذا هو ارتباط الإنسان بالمكان وعلاقته به فلا يملك حيال طبيعته القاسية سوى معايشتها هو ما نحسه من سطوة الشمس اللاهبة فى قصة نسمة هواء حيث يستسلم شاذلى وبدوى لـ " الجو ساكن .. ميت .. شيء ثقيل يكتم على الأنفاس " صـ 57 " حتى الحمار استسلم للهمود وتمدد فى ظل الجرن " صـ 57 . يتوقفان عن العمل ويتجاذبان أحاديث فاترة تمضية للوقت ويؤجلان العمل إلى حين تتوفر نسمة هواء " أخذ منه رشفة وهو يتأمل المذراة المغروسة فى كبد الجرن كالرمح ، منتظرة نسمة هواء " صـ 59 وهم بجلستهم تلك منغرسين فى الأرض مثل رمح فى كبد الطبيعة القاسية ، توقف كل شىء فى انتظار أن يخفت عنف وتسلط الطبيعة كى تدور عجلة الحياة دورتها وينتعش الإنسان . وتمثل أيضاً الشمس بهذا الحضور المؤثر فى روح الأشخاص كتيمة دالة فى نسيج القصص عبر ظهورها المتكرر .

" جلس تحت ذكر النخيل العجوز الوحيد فى الغيط كله ليحتمى بظله من الشمس الحامية وقيالة الأرض الساخنة " صـ 57 " دائماً يأتى قبل الغروب صـ 11 " جلست البنت تحت أشعة الشمس الدافئة " صـ 17 " لما طلعت الشمس من وراء الجبل الشرقى ، واستيقظ الجميع " صـ 53 " أخرج من البيت فى الصباح الباكر أجد جدى جالساً أمامه متدثراً بعبائته السوداء يستقبل الشمس الدافئة " صـ 23 وللنهر نفسه الحضور والتكرار بما يوفر للمجموعة عناصر الخلق الأربعة ( الماء ، التراب ، الشمس ، الهواء ) ويعود بمعالم المكان إلى عناصره الأولى حيث تعكس تلك العناصر تشكل الإنسان فيه كأن الحياة فى براءتها أو فى مرحلة من مراحل؛ تخلقها ، كل تلك العناصر تعمل فى انسجام وتوحد على تشكيل القصص حيث تتبلور تيمات متكررة كتيمة الفقد والانكسار ومحبة سماع الحكايات فى المساء " وبعد كل هذه السنين وبعد أن صرنا آباء وملأ أبناؤنا الأرض غبارا وصياحا . تهفو أرواحنا إلى ذلك الزمن الجميل نتذكره .. نلم أولادنا حولنا نحكى لهم ما تبقى فى ذكرتنا الضعيفة من حكاياته. قصة الغريب . نلاحظ أن الذاكرة تضعف برحيل الزمن الجميل وأن انتقال الموروث متمثلاً فى السير الشعبية والحكايات وتاريخ المكان يمثل حالة تواصل بين الأجيال .

والطاهر شرقاوى استخلص من أساليب السرد نموذجاً سانده الراوى الشعبى وطرائق السرد المستفيده من تفصيح العامية وتبسيط الفصحى وصهرهما فى نسيج سردى معنى بالحكى واستشراف روح الطفل . والقصص تنحو باتجاه خلق صورة كبيرة متوالية بين اللقطات والصور وقصة اللحظة والموقف فلم نشعر بتمدد الزمن ، إنما نشعر ببطئه من خلال البنية الكلية للمجموعة ليس الإنسان بقادر على أن يعيش بمنأى عن المكان الذى يشكل جوهره ويمنحه السمات الدامغة التى لا تفارقه - فى الطفولة – هكذا حفر الطاهر شرقاوى عوالمه القديمة فى تأن وشفافية ومودة خالصة بلا إسراف فى التفاصيل ( إلا قليلاً ) كأن المجموعة ترنيمة غنائية لزمن جميل .



  • هامش
( 1 ) البنت التى تمشط شعرها – الطاهر شرقاوى – فرع ثقافة القاهرة – هيئة قصور الثقافة – 2000 .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى