حسام الحداد - استراتيجيات المقاومة الصامتة في شعر هبة عصام.. مقاربة تحليلية لخطاب الذات والآخر (1- 2)

يُعد ديوان «ما يبقى من الوزن الزائد» للشاعرة هبة عصام، الصادر عن دار روافد عام 2018، علامةً فارقة في مسار الشعر المصري المعاصر، حيث يجسد تجربةً متكاملة تمزج بين التجريب الشكلي والعمق الوجداني. يضم الديوان قرابة خمسٍ وأربعين نصاً موزعة على قسمين رئيسيين، هما «كلام يفتح عيون مِن» و«بورتريهات»، مشكلاً بذلك فضاءً إبداعياً يمتد على مساحة خمسة وتسعين صفحة، تعكس نضجاً شعرياً متصاعداً يراوح بين القصيدة المركّزة والنص المتشعّب.
تتأسس القيمة النقدية لهذا الديوان على كونه ليس مجرد تدوين عاطفي للذات، بل هو "نظام مغلق من العلامات"، يستدعي مقاربات بنيوية وألسنية متعددة لاستكشاف هندسة المعنى فيه. فمن خلال عتبات نصية استثنائية وبنى تركيبية متمردة على الإيقاع الكلاسيكي، تنجح الشاعرة في تأسيس خطابٍ يقوم على "شعرية الصوت المعلّق"، حيث تُحوّل القصيدة من مجرد أداة للتعبير إلى "مختبرٍ" يُصاغ فيه الوجود، وتُختزل فيه الأزمات الإنسانية والسياسية عبر لغةٍ تعتمد على التقطيع والتعليق والانزياح.
وعلى صعيد التحليل الخطابي والوجودي، ينخرط الديوان في "خطاب المقاومة الصامتة"، ممارساً عملية تفكيك جريئة للموروثات الرومانسية والأنثوية. إن القراءة النقدية لهذا العمل تقتضي استنطاق "المسكوت عنه" في نصوص الشاعرة — من جسدٍ مضمر، وغضبٍ مقيد، وسياقٍ سياسي موارب — وذلك للوقوف على الدلالات الفلسفية والنفسية التي تحكم بنية الديوان، حيث تتحول الكتابة إلى فعلٍ وجوديٍّ مُعاش يهدف إلى توثيق الاستمرارية في مواجهة العدم، مما يجعل من «ما يبقى من الوزن الزائد» وثيقةً إنسانية تتجاوز لحظتها الزمنية.

سيمياء الصراع: البنية العميقة وتوليد المعنى
لا يكتفي التحليل البنيوي للديوان برصد الثنائيات في مستوى ظاهرها النصي، بل يتجاوز ذلك إلى استنطاق "الهيكل التوليدي" الذي يُنتج المعنى من خلال حركة القوى والمواقف داخل فضاء القصيدة. فإذا كانت الثنائيات السابقة تُمثّل المحاور الوجودية، فإن القراءة في "البنية العميقة" تسعى إلى تفكيك الميكانيزمات التي تحكم تفاعل هذه العناصر، كاشفةً عن نموذج عاملي (Actantial Model) يُحوّل الذات الشاعرة من مجرد "متكلمة" إلى "فاعل" وجودي يصارع العدم. في هذا المحور، نتجاوز رصد العناصر لنصل إلى فهم الديناميكية التي تُحوّل الفقدان إلى نص، والصمت إلى إيقاع، والغياب إلى حضور وجودي متوتر.

النص كنظام مغلق من العلامات
لا يقف عنوان الديوان «ما يبقى من الوزن الزائد» عند حدود التسمية الاعتباطية التي تُختار لأسباب جمالية أو تسويقية، بل يُشكّل في ضوء المنهج البنيوي علامةً مُركّبة ذات بنية دلالية ثلاثية الطبقات، تُعلن منذ العتبة الأولى عن هندسة المعنى التي يُشيّدها النص في مجمله. الطبقة الأولى تتعلق بمفردة «البقاء»، وهي مفردة تستدعي ضمنياً نقيضها الغائب، أي الزوال والمحو؛ فما يبقى لا يبقى إلا لأن ثمة ما ذهب أو ما هدّد بالذهاب. وبهذا المعنى يُنشئ العنوان من داخله توتراً زمنياً بين حاضر الاستمرار وماضٍ من الفقدان لا يزال يُلقي بظلاله على كل نص في الديوان. الطبقة الثانية تنبثق من مفردة «الوزن» التي تشتغل على مستويين متزامنين لا يُلغي أحدهما الآخر: المستوى الحسّي المادي حيث الوزن ثقلٌ يُجهِد الجسد ويُربك الخطى، والمستوى الشعري الميتانصي حيث الوزن مصطلحٌ عروضي يُحيل إلى بنية القصيدة الكلاسيكية وإيقاعها المنضبط، فكأن الشاعرة تُعلن في الوقت ذاته عن حمل وجودي ثقيل وعن موقفها من النظام الشعري الموروث. أما الطبقة الثالثة فتتمثل في صفة «الزائد» وما تحمله من دلالة الفائض وما هو أبعد من طاقة الاحتمال، سواء أكان احتمالاً نفسياً أم معرفياً أم جمالياً؛ فالزائد هو ما لا يُدرَج في الأنظمة ولا يُصنَّف في الجداول، وهو بالتالي ما يقع خارج ما تستطيع اللغة المعيارية أن تحمله، وهذا بالضبط ما تُشير إليه الشاعرة بوصفه مجالها الشعري الخاص. والعنوان في تركيبه الكلي إذن لا يصف موضوع الديوان من الخارج بل يُعيد إنتاج بنيته من الداخل: نصٌ يتعاطى مع الألم لا بوصفه موضوعاً للبوح العاطفي، بل بوصفه بنية وجودية قائمة تتحدى الزوال وتُصرّ على الحضور في مواجهة كل ما يُهدّد بمحوها.
يُقدَّم القسم الأول من الديوان بعتبة نصية استثنائية تتخذ شكل الاقتباس المُحيِّر: «كلام يفتح عيون مِن»، وهي عبارة شبه مبتورة تُومئ إلى حوار أو موقف لا يُكتمل، إذ تنتهي بحرف الجر «مِن» الذي يستدعي مفعولاً به غائباً لا يُعطَى للقارئ. وهذا الغياب المقصود في العتبة ذاتها ليس استهمالاً بلاغياً بل هو إعلان بنيوي عن طبيعة خطاب الديوان كله: خطابٌ يوقظ لكنه لا يعرف من ينبغي أن يُوقظ، أو يعرف لكنه يشك في إمكانية الإيقاظ أصلاً. ومن هذه الزاوية تغدو العتبة نموذجاً مصغّراً للبنية الكبرى التي يُشيّدها القسم الأول برمّته، وهي بنية الكلام المُرسَل نحو مجهول أو غائب؛ فكثير من قصائد هذا القسم تتخذ شكل المناجاة أو الخطاب المباشر المُوجَّه إلى ضمير مخاطَب يبقى في معظم الأحيان بلا هوية محددة، كما يبدو جلياً في «رسائل» و«هوستالجيا» و«أوزان». وقصائد هذا القسم تمتلك طابع الصوت المُتدفّق الذي يُفصح ويُبوح ويتساءل في حركة دائمة لا تهدأ، حتى حين تصمت فإن صمتها صخبٌ مضمر. الإيقاع الداخلي للقسم الأول مبني على التدفق والانكسار في آنٍ: جملٌ تبدأ بزخم ثم تتوقف فجأة على حافة المعنى دون أن تُكمله، كما لو أن الصوت يلاحق شيئاً يهرب منه باستمرار. وتُنتج هذه الديناميكية ما يمكن تسميته «شعرية الصوت المعلّق»: صوتٌ حيٌّ ونابض لكنه لا يصل إلى من يقصده، ولا يحصل على الصدى الذي يُثبت له وجوده.
يُمثّل القسم الثاني بعنوانه «بورتريهات» تحولاً بنيوياً جوهرياً في منطق النص لا مجرد تنويع في الموضوعات، إذ ينقل الديوان من شعرية الصوت المتدفق إلى شعرية الصورة المُجمَّدة. فكلمة «بورتريهات» مصطلحٌ مستعار من حقل الفنون البصرية، وتحديداً من فن الرسم، ويُشير في الأصل إلى لوحة تصويرية تُثبّت شخصاً أو مشهداً في إطار لا يتحرك. وباختيار هذا العنوان الفرعي ينخرط الديوان في حوار ضمني مع الفن البصري، كما لو أن القصيدة قرّرت في هذا القسم أن تتخلى عن زمانيتها السردية وتتحوّل إلى مشهد مكاني صامت. وتتجلى هذه الجمالية في طريقة بناء القصائد: فبدلاً من الذات التي تتحدث وتنفعل وتتساءل كما في القسم الأول، تظهر في القسم الثاني ذاتٌ تُراقب وترصد وتُصوِّر؛ الكاميرا تحلّ محل الصوت، والمشهد يحلّ محل البوح. انظر مثلاً إلى قصيدة «بغير شواء» أو «لا شيء معه» حيث تُقدَّم الشخصيات والحالات في إطار تصويري ثابت يُذكّر بلوحات الريغاليسم الشعري حيث التفصيل الدقيق يُخفي خلفه أعماقاً وجودية. والانتقال من القسم الأول إلى القسم الثاني هو إذن انتقال من الزمن إلى المكان، ومن الحركة إلى الثبات، ومن الأنا المتكلمة إلى الأنا الراصدة، وهي ثنائيةٌ بنيوية عميقة تُشكّل العمود الفقري للديوان في كليّته. فكأن الشاعرة تقول في القسم الأول: هذا ما أشعر به، وتقول في القسم الثاني: هذا ما أراه، والمسافة بين الشعور والرؤية هي المسافة التي يسكنها الديوان كله.

الثنائيات الضدية: الهيكل العميق للنص
لا يقوم الديوان على ثنائية ضدية واحدة مهيمنة بل على منظومة متشابكة من الثنائيات تتداخل وتتقاطع وتُحيل بعضها إلى بعض، مُشكِّلةً بذلك الهيكل العميق الذي يحمل النص ويُنظّم حركته الداخلية. وفي ضوء ما يكشفه استقراء النصوص يمكن رسم هذه المنظومة على النحو الآتي:

الثنائيةالقطب الأولالقطب الثانيالتوتر الدرامي
الحضور / الغيابالذاكرة، الصوت، الألمالصمت، المحو، النسيانيصارع النص الغيابَ لكنه يعيش منه
الداخل / الخارجالغرفة، القلب، السريرالشارع، السماء، المدينةالذات مُحاصَرة في داخلها غير قادرة على الاندماج بالخارج
الثبات / الحركةالانتظار، الجلوس، الترقّبالعبور، السفر، الرحيلشخصيات تنتظر ولا تصل
الأمل / الخيبةالوردة، الرسائل، الحلمالرماد، الصمت، الموتبنية دورانية لا تنتهي نحو حلّ
الأنثوي / الذكوريالذات الشاعرةالآخر الغائب / المتسلّطعلاقة توتر لا مواجهة صريحة
الطفولة / النضجالبراءة والأمان القديمالوعي الجارحالطفولة مرجعية ذهبية مفقودة
الكتابة / الحياةالقصيدة، الكلماتالألم، الموت، الصمتالكتابة بديل حياة أم جزء منها؟
غير أن ما يُميّز هذه الثنائيات في الديوان عن ثنائيات الشعر الرومانسي الكلاسيكي هو أنها لا تعمل وفق منطق التعارض الصارم الذي يُقرّر انتصار أحد القطبين على الآخر في نهاية المطاف، بل تعمل وفق منطق التوتر الدائم والتعايش المُضني بين القطبين في آنٍ واحد. فالحضور لا يُلغي الغياب ولا الغياب يُلغي الحضور، بل يتداخلان في فضاء النص حتى يغدو التمييز بينهما أمراً عسيراً؛ فالذاكرة حضورٌ لما غاب، والألم حضورٌ لما لم يعد موجوداً. وبهذا المعنى تتجاوز الشاعرة البنية الثنائية البسيطة نحو ما يمكن تسميته بنية التضفير حيث تتلاحم خيوط المتعارضات في نسيج واحد لا يمكن فصل خيوطه دون تمزيق النص كله.
تستحق ثلاث ثنائيات من الثنائيات المرصودة وقفةً تحليلية أعمق، لكونها الأكثر حضوراً وتشعّباً في بنية الديوان. الثنائية الأولى هي ثنائية الداخل والخارج، وهي من أكثر الثنائيات تجلّياً على المستوى المكاني؛ إذ يتكرّر في الديوان فضاءان متعاكسان: فضاء الداخل المُتمثّل في الغرفة والسرير والوسادة والدولاب والنافذة المُغلَقة، وفضاء الخارج المُتمثّل في الشارع والسماء والمدينة والمطر. والذات الشاعرة لا تعيش في أيٍّ من الفضاءين بارتياح، بل تقف دائماً على العتبة بينهما: تُطلّ على الخارج من النافذة لكنها لا تخرج، أو تخرج لكنها تحمل الداخل معها. وهذا ما يُنتج شعور الاغتراب المزدوج الذي يطبع الذات الشاعرة: غريبةٌ في داخلها لأنه يضيق بها، وغريبةٌ في الخارج لأنه لا يعرفها. أما الثنائية الثانية فهي ثنائية الأمل والخيبة التي تعمل في الديوان وفق بنية دورانية لافتة؛ فكلّما تشكّل أملٌ في نص ما جاء النص التالي أو المقطع التالي ليُسقطه لا سقوطاً نهائياً بل سقوطاً يُعيد تشكيل أملٍ جديد يُسقَط بدوره. والوردة والرسالة والحلم تبدأ في النص بوصفها إشارات انفراج ثم تنتهي بوصفها مصادر ألم إضافي، لأن الأمل نفسه في هذا الديوان مؤلمٌ حين يُصطدم بجدار الخيبة. والثنائية الثالثة الجديرة بالتوقف هي ثنائية الطفولة والنضج التي تُشكّل بُعداً زمانياً عميقاً في الديوان؛ فالطفولة مرجعيةٌ ذهبية مُفقودة، ليست مُثالية بالضرورة بل مقبولةٌ لأنها كانت سابقة على الوعي الجارح. والنضج في الديوان ليس اكتمالاً بل خسارةٌ مُضافة: خسارة البراءة التي كانت تجعل الأشياء محتملة. ولعل قصيدة «شذرة قديمة» خير شاهد على هذه الثنائية، حيث تتراكب صور المرأة في مراحل عمرية مختلفة في فضاء نصي واحد كما لو أن الزمن لا يمضي بل يتراكم فوق الذات طبقةً فوق طبقة.
إذا كانت الثنائيات السابقة تُمثّل المحاور الموضوعاتية للديوان، فإن ثنائية الكتابة والعجز عن الكتابة تُمثّل المحور الميتاشعري الذي يُنظّم الديوان من أعلى ويُشرف على بقية الثنائيات ويُعطيها مشروعيتها الجمالية. وهي ثنائية لا تُصرَّح بها بالقدر الذي تُمارَس فيه؛ إذ لا تقول الشاعرة صراحةً «لا أستطيع الكتابة» بل تكتب نصوصاً تُجسّد هذا العجز من الداخل. ففي «كُل اكتفيت» تُعلن الذات الشاعرة أنها تُشعل مائة نجمة يومياً وتتحدث عن الروح، غير أن السياق النصي بمجمله يُناقض هذا الإعلان إذ يرصد التبعثر والضياع الذي لا تكفيه النجوم لا وقوداً ولا ضياء. وهذا التناقض بين ما تقوله الذات عن كتابتها وما تكشفه الكتابة عن الذات هو جوهر هذه الثنائية. والكتابة في هذا الديوان لا تقع في طرف الحلول والمُعالجة، بل تقع في طرف المقاومة الهشّة؛ هي فعلٌ يُقاوم الانهيار لا لأنه يمتلك أسلحة كافية بل لأن الانهيار التام هو البديل الوحيد عن الكتابة. ومن هنا تنبثق المفارقة الكبرى للديوان: الشاعرة تكتب لأنها لا تستطيع ألّا تكتب، لا لأن الكتابة تُنقذها، بل لأنها من دونها تسقط في الصمت الذي هو الموت الحقيقي. وهذا ما يجعل من الكتابة في سياق الديوان فعلاً وجودياً بالمعنى الأكاملي الحرفي: وجودٌ في مواجهة العدم، لا نصراً عليه ولا استسلاماً له، بل مراوحةٌ مُضنية على الحافة تُمسك اللغة بيد والصمت بيد أخرى، في مشهد يُعيد إنتاج نفسه مع كل قصيدة جديدة في الديوان.


البنية العميقة وتشكّل المعنى

تتجلى في ديوان «ما يبقى من الوزن الزائد» بنيةٌ عاملية (Actantial Model) محكمة تُنظم حركة النص وتمنحه طابعه الوجودي الخاص. تعمل «الأنا الشاعرة» بوصفها ذاتاً فاعلةً ترفض الاستسلام للفقدان، لكنها في الوقت ذاته تعي أن «موضوع الرغبة» — المتمثل في الوصول إلى حالة من الاكتمال الوجداني أو التصالح مع الذات والآخر — يظل بعيد المنال. هذا التوتر بين طموح الذات للتحقق وبين واقعها المليء بالخسارات يفرض على القصيدة نموذجاً حركياً يقوم على المقاومة لا على الحلول النهائية؛ فالشاعرة هنا لا تكتب لتُنهي أزماتها، بل لتُوثّق استمراريتها كـ «ذاتٍ» لا تزال قادرة على الشعور والألم رغم ثقل «الوزن الزائد» الذي تُراكمه الأيام.
وعلى مستوى القوى المحركة والممانعة، يبرز «الفقدان» و«الزمن» بوصفهما «المُرسِل» الحقيقي الذي يُدير اللعبة النصية، حيث يدفعان الذات باستمرار نحو حافة الكتابة. في المقابل، تظهر «الكتابة» و«الذاكرة» و«الطبيعة» كـ «مُعينات» تمنح الشاعرة أدواتها (مثل رمزية "النخلة" أو "الرسائل" أو "الوسادة") لمحاولة احتواء الفراغ. ومع ذلك، تواجه هذه المحاولات «معارضات» وجودية صلبة؛ كالصمت الذي يُهدد بابتلاع الذاكرة، والموت الذي يحضر كظلٍ مقيم (كما في قصيدة "جنازة هندية" أو "عصام")، والعجز الذي يجعل من محاولات التعبير مجرد «رسائل بلا عنوان». هذا الصراع لا يتجه نحو نصرٍ حاسم لأيٍّ من الطرفين، بل يتجمد في حالة من التوازن المتوتر الذي يمنح الديوان تماسكه البنيوي.
الملمح الأكثر عمقاً في هذه البنية هو الانهيار المتعمد للحدود بين «الذات» و«المُرسَل إليه»، مما يُحول العملية الشعرية إلى مناجاةٍ مغلقة (Monologue). ففي معظم النصوص، تخاطب الشاعرة ذاتها أو غائباً (أباً، أو طيفاً، أو حبيبًا راحلاً) تدرك مسبقاً أنه لن يُجيب، مما يجعل القصيدة مرآةً عاكسةً لا نافذةً مفتوحة على الخارج. هذا الانغلاق الدائري هو ما يولد تلك النبرة «المتأملة» التي تسيطر على الديوان، حيث تتحول الكتابة من فعل تواصل مع الآخر إلى فعل وجودي للحفاظ على الذات من التلاشي. وهكذا، تصبح البنية العميقة للديوان هي «لعبة مرايا» تعيد فيها الشاعرة صياغة ألمها وتُعيد توزيعه في فضاءات نصية مُغلقة، مؤكدةً أن المعنى الوحيد الممكن هو ذلك الذي يُستمد من شجاعة مواجهة الفراغ ذاته.

سيمياء التشكيل: البنية اللغوية وتوليد الدلالة
لا تنفصل الرؤية الشعرية في ديوان «ما يبقى من الوزن الزائد» لهبة عصام عن آليات تشكّلها اللغوي، إذ تتحول اللغة من مجرد وسيط ناقل للمعنى إلى "مختبرٍ" يُصاغ فيه الوجود وتُختزل فيه الأزمات. إن الانتقال من المستوى الصوتي المعتمد على موسيقى الهمس، مروراً بالبنية التركيبية المتسمة بالتقطع والتعليق، وصولاً إلى الحقول الدلالية التي تُشكل جغرافيا الألم، يكشف عن استراتيجية أسلوبية واعية تهدف إلى جعل "الشكل" دالاً مباشراً على "المضمون". في هذا المحور، نقف على الكيفية التي أدارت بها الشاعرة أدواتها اللغوية لترجمة "الوزن الزائد" من حالة شعورية مجردة إلى نسيج لغوي حي، يُعيد تعريف العلاقة بين الصمت والكلام، وبين المادي والمجرد، مُشكلاً بذلك خصوصية التجربة الشعرية لهبة عصام.

المستوى الصوتي (Phonological Level)
على الرغم من اختيار الشاعرة هبة عصام الابتعاد عن الإيقاع العروضي الكلاسيكي والقوالب الوزنية التقليدية، إلا أن ديوان «ما يبقى من الوزن الزائد» لا يفتقر إلى البناء الموسيقي، بل يستبدل الإيقاع الخارجي بـ "موسيقى باطنية" تنهض على إعادة توزيع الأصوات وفق منطق نفسي لا إيقاعي. يعتمد الديوان بشكل لافت على أصوات "الهمس والأنفاس" مثل الهاء، والواو، والميم، وهي أصواتٌ بطبيعتها تفتقر إلى الانفجار الصوتي، مما يمنح القصائد نبرةً تتناسب مع فضاء التأمل، والحزن الوجودي الهادئ، والبوح المكتوم الذي يرفض الصراخ.
وتتجلى براعة الشاعرة في استثمار الإمكانات الصوتية للمفردات، كما يظهر في قصيدة «صندوق الدنيا»، حيث تتواتر أصوات المد (الواو والياء) في تراكيب مثل «بعباءةٍ بيلاء»، و«يُوسِعُ الوِداع». إن هذا التكثيف الصوتي لا يعمل كزينةٍ لغوية فحسب، بل يخدم دلالة "التمدد والحنين"؛ فصوت المد الطويل في القراءة يفرض على المتلقي وقفات صوتية ممتدة، تحاكي في انسيابها حالة الشجن، وتُشعر القارئ بمسافة الفقد التي تلاحق الذات عبر صفحات الديوان.
أما على مستوى البنية الإيقاعية الكلية، فإن التكرار في هذا الديوان يكتسب وظيفة "تساؤلية" عميقة بدلاً من أن يكون مجرد زخرفة موسيقية؛ ففي عنوان الديوان «ما يبقى من الوزن الزائد» وما يماثله من بنى استفهامية متكررة، نجد أن التكرار الصوتي يعمل على "تعليق المعنى". إن انتهاء الجمل بالاستفهام لا يهدف إلى طلب الإجابة، بل إلى إبقاء المعنى مرجأً في فضاءات النص، وهو ما ينسجم مع البنية الوجودية للديوان القائمة على الانتظار والترقب، حيث يظل الصوت الشعري دائراً حول تساؤلاته دون أن يجد مرسىً نهائياً يغلق عليه دائرة التأويل.

المستوى الصرفي والتركيبي (Morpho-Syntactic Level)
تتسم البنية التركيبية في ديوان «ما يبقى من الوزن الزائد» بسمةٍ بارزة تتمثل في «التقطيع الشديد» للجمل الشعرية عبر توزيعها على الأسطر، وهو أسلوبٌ لا يكتفي بالجانب البصري، بل يهدف إلى محاكاة حالة التردد والاضطراب النفسي. ففي قصيدة «نوستالجيا» مثلاً، يتفكك السطر إلى مفرداتٍ متلاحقة: «اليوم / يزيد / وشوى / في قروة الجذوة». إن هذا الانكسار السطري المتعمد يعمل على إبطاء القراءة وإجبار المتلقي على التوقف عند كل محطة دلالية، مما يُجسّد بنية "الذاكرة المتقطعة" لذاتٍ تحاول استعادة ماضٍ أو الإفصاح عن وجعٍ لا يتدفق بانتظام، بل يتهدج في مساراتٍ غير مكتملة.
وفي موازاة هذا التقطيع، تعتمد الشاعرة في كثير من المقاطع على «الجمل الاسمية المعلّقة» التي تتخلى عن الإتمام الخبري. فغالباً ما تستهل الشاعرة جملها بمبتدأ يبقى في حالة انتظارٍ دائم لخبرٍ قد لا يأتي، أو تؤخر الخبر لتبقي المعنى معلقاً في فضاء النص. هذا التناظر الأسلوبي بين "بنية الجملة" و"موضوع الانتظار" يمنح الديوان خصوصيته؛ إذ تصبح الجملة في ذاتها تجسيداً لحالة "الانتظار" التي تُهيمن على الديوان، حيث ترفض الشاعرة منح القارئ اكتمالاً مريحاً، وتُفضل إبقاء الحالة الشعورية مفتوحة على احتمالات الغياب والفقد.
أما على المستوى الصرفي، فإن الهيمنة المطلقة لـ «الفعل المضارع» تُعد المفتاح الأساسي لفهم علاقة الشاعرة بالزمن. إن توظيف المضارع المستمر يحوّل اللحظات الماضية المؤلمة — سواء كانت تجارب ذاتية أو انكسارات سياسية — إلى حاضرٍ دائم لا يقبل الانغلاق أو التجاوز. ومن خلال هذا الاختيار الصرفي، لا تعود القصائد مجرد "سرد" لذكرياتٍ مضت، بل تتحول إلى فعلٍ وجوديٍّ مُعاش في اللحظة الراهنة؛ فالألم في نصوص هبة عصام لا يُروى بصيغة الماضي، بل يُستحضر كفعلٍ حيٍّ ومستمر يمارس تأثيره الضاغط على الذات في كل لحظة إبداعية.

المستوى الدلالي والرمزي
تؤسس هبة عصام في ديوان «ما يبقى من الوزن الزائد» عالماً شعرياً يتكئ على أربعة حقول دلالية متداخلة، لا تعمل كأدوات تزيين، بل كإحداثيات وجودية ثابتة يُخاض فيها الصراع. يبرز «حقل الجسد» (مثل القلب، الرئة، والدم) كمركز ثقل للألم، حيث يتحول الجسد من كيان بيولوجي إلى مساحة تُختبر فيها الخسارات. ويأتي «حقل المنزل» (الغرفة، السرير، الدولاب) ليُشكل الفضاء الحصاري للذات، حيث تغدو مفردات المكان كالجدران والأبواب حدوداً فاصلة بين الأنا والعالم الخارجي. في حين تعمل «الطبيعة» (السماء، الريح، الشجر) كمرآة عاكسة للصدع الداخلي، ويسعى «حقل الكتابة والفن» (القصيدة، الألوان، اللوحة) ليكون الملاذ الأخير والمحاولة الهشة لمقاومة الصمت.
وتتجلى الانزياحات الأسلوبية في الديوان من خلال آلية «التجسيد» (Materialization)، حيث تمنح الشاعرة المفاهيم المجردة كثافة مادية ملموسة. فعلى سبيل المثال، لا تتعامل الشاعرة مع «الرسائل» في نصوصها كأداة تواصل تقليدية، بل تمنحها "ملوحةً وأعماقاً" كأنها كائن حي له كيان مادي يتألم. وبالمثل، يتحول «الفيسبوك» في إحدى قصائدها من مجرد شبكة افتراضية إلى مساحة تجسد «المسافة الوجودية» الفاصلة بين الحضور والغياب، مما يجعل التكنولوجيا ذاتها جزءاً من أزمة الذات المعاصرة.
في المقابل، تتبع الشاعرة استراتيجية «التجريد العكسي»، حيث ترتقي بالأشياء المادية المبتذلة لتتحول في فضاء القصيدة إلى علامات وجودية خالصة ومكثفة. هذا التبادل الدلالي بين المادي والمجرد يمنح قصائدها عمقاً فلسفياً؛ فالأشياء التي نلمسها في حياتنا اليومية تفقد وظيفتها المعتادة لتصبح رموزاً للوحدة، أو الحنين، أو العجز. وهكذا، يُصبح المعجم الرمزي في الديوان بمثابة "لغة ثانية" تخترق ظاهر النص، لتكشف عن تلك "الوزن الزائد" من المعاني التي تحملها الشاعرة داخل تفاصيلها اليومية.
يتبع : حسام الحداد - استراتيجيات المقاومة الصامتة في شعر هبة عصام.. مقاربة تحليلية لخطاب الذات والآخر (1- 2)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى