إبراهيم محمود - همبابا " مسرحية في مشهد واحد "

صورة متخيلة لهمبابا

ضوء خافت مسلَّط على جسم عملاق، برأس كبير، وشعر طويل، ولحية متدلية على الصدر، نصف المسرح شبه معتم، في مقابل همبابا " حارس الغابة السومري الأسطوري" أمامه لوحة كبيرة، تمثل أشجاراً وحيوانات، هناك أصوات تفوى وتضعف، لألسنة النيران وصرخات وهمهمات، وموسيقى ذات طابع جنائزي ".
" يرفع همبابا رأسه عالياً، وترتفع يداه معه، متضرعاً إلى السماء "
-أهذا عدل يا إله السماء؟ كيف لهذا الذي يزعم أنه خليفتك، ويمارس الدمار أمام سمعك وبصرك ؟
" بصوت أعلى وتشنج "
-ويسمّيني وحشاً، ويُسمّي نفسه عاقلاً، وأنا همبابا الذي لم يحدث أبداً أن خرج عن طاعتك، وأخلَّ بواجباته مذ خلقته، وأنا أرى بعينيّ وأسمع بأذني يومياً ما يجري. إن قوتي تضعف وثقْل الواجب يزداد...
" بصوت أسيان "
-أعنّي يا إله السماء.. لا تبْقني هكذا،عذاباتي تزداد، أو أمِتْني..أشعر بالعار بسبب ضعفي ..
" بصوت أعلى "
-لا.. لا .. لم أعد أحتمل..
" يلتفت إلى الجمهور، وبسرعة خاطفة، يلتفت بعدها إلى اللوحة مخاطباً إياها "
اعذروني.. اعذروني..لم تعد لدي القدرة على الثبات، لا بد أنكم تعرفونني جيداً..أنا همبابا..همبابا من لحم ودم، وليس كما تصوره خيالات الشعراء ، الابن البار بطبيعته، وكل ما له صلة به.. لا أذكر أنني أغفلت يوماً عن أي حركة حدثت هنا، حيث أعيش وألازم مكاني.. لا جهة إلا وهي تحمل آثار خطواتي.
" ثمة ما يشبه الشهيق العالي ":
-كم قاومت من الحرائق، من الغزوات، من حالات التسلل إلى داخلك يا عزيزتي الغابة
" بصوت شبه مخنوق"
-كم طاردت من يحاولون المس بكل نبتة، بكل شجرة، بكل حيوان، بكل حجرة، بكل قطرة ماء فيك يا غابتي العظيمة، كم أطفأت من الحرائق، وامتلأ جسمي آثار حروق وندوباً، وآثار ضربات جائتني من بعيد ومن قريب، وفي غفلة، تحملتها، فقط من أجلك.. من أجلك يا عزيزتي الغابة..
" يتنهد بعمق ونظره إلى اللوحة "
اشهدي يا أشجار كم سقيتك بدموعي مع شح الأمطار، واشهدي يا مدللاتي الحيوانات كم سهرت على راحتك، واللعب معك دون خوف، معرّضاً نفسي لمخاطر كثيرة دون أي تذكر أو تفاخر، وطلب المقابل..ويا طيوري الجميلة ، لا بد أنك تشهدين على ذلك، وأنت تحلقين في الجهات الأربع، وترين كل شيء، ما من عش إلا وحافظت عليه، من فرخ صغير إلا وحرصت على سلامته، حتى يكبر ويحلّق مثل أمه عالياً.. وحتى أنت يا صخور الغابة، وأنا أراك أرواحاً تنبض كم حرصت على بقائك صخوراً ثابتة، كتلة واحدة، لا أسمح لأي كان بالتأثير فيها ..
" يتلوى، وهو مطأطىء رأسه "
إنه هذا الذي يدعي أنه حامي الكون.. أليس كذلك يا إله السماء..إنه هو مصدر البلاء الأعظم.. أليس كذلك يا غابتي العزيزة، أم تراني أهذي؟ عذراً يا إلهي، هل تجاوزت حدي وأنا أشكو عظمتك وسموك عما يجري؟
" بعد صمت ":
يا له من مدّع، وهو يتحدث عن قانون الغاب، ليبرر لنفسه دخول الغابة يقطع أشجارها، يقتل حيواناتها، يلوّث مياهها، يعبث بقانونها نفسه، ويسخر منها، ناسياً أن المطلوب لعدالة الكون هو نفسه لا غيره، هذا الذي يسمّي نفسه إنساناً ..
" وهو يرفع رأسه عالياً ، وبصوت مسموع "
-أين أنتم يا يا واضعي الملاحم، يا كتّاب المراثي، لا بد أنكم ترون ما يجري من انتهاكات، وأنتم تعرفونني جيداً..أنا همبابا، وليس الوحش الذي يتقاعس في أداء واجبه، اجعلوا ضمائركم شاهدة حية على ما يجري، أم أنكم أنتم، تتبعون أهواء هذا الذي يحرق ويقطع ويعتبر كل ذلك تسلية ودون حساب؟ سوف تحاسبكم ريشاتكم ، وأقلامكم، وأنتم ترون الخراب يزاداد باضطراد..
" ملتفتاً إلى الجمهور":
-أنتم أنفسكم شركاء في الجريمة، في ذمة كل منكم أكثر من جريمة إساءة إلى غابتي، إلي أنا بالذات. هل حاولتم التفكير في تبعات أفعالكم وأنتم تزعمون أن قانونكم مفضَّل على قانون عزيزتي الغابة ؟
" يظهر مثل شبح يتحرك في مكانه "
إنهم لا يكفّون عن إظهار شرورهم، وهم يشعلون النار أينما تحركوا على حدود الغابة وداخلها ..
" صمت لبعض الوقت "
عمري الآن آلاف السنين، لم أعد أقوى على المقاومة، على رد العدوان المدمّر ..
" يقف على قدميه، والضوء مسلط عليه، ووجهه إلى اللوحة مجدداً، وبنبرة حزن وصوت مخنوق وتحد:
-لكن...لا .. وألف لا.. ولدت في الغابة، وأمضيت عمري في الغابة.. كبرت معها. ليس من شجرة فيها إلا وأعرفها.. ليس من حيوان إلا ولعبنا معاً، ليس من جدول ماء إلا وجعلته أكثر صفاء.. ليس من حجرة إلا وتركت فيها أثراً دالاً علي. إن يدي اللتين أصابتهما الرجفة، وقدمي اللتين ترققتا، ووجهي الذي ملأته التجاعيد، وظهري الذي لم يعد كما كان، وقد احدودب.. كلها شهادتي الحية في وجه كل من ينفي الحقيقة ..
" ثم بصوت عال لا يخفي وجعه ، ووجهه على اللوحة ":
مَوتي سيكون هنا.. إنهم يجهّزون حملة شنعاء لاجتياح غابتي، والعبث فيها كما يريدون.. لن أسمح لهم بالاقتراب منها. أنا هنا.. سأحرقهم بنارهم، سأرد كيدهم ما استطعت، وسأردعهم بأدواتهم المدمرة،.. سامحيني يا غابتي الحبيبة إن عجزت عن صدهم، وأنا بهذا العمر ..
" توقف عن الكلام ، ثم سماع صوت ألسنة حريق مشتعلة، وزيادة قوة الضوء، وصرخات "
-أنا ماض إليهم يا غابتي، قد لا نلتقي ثانية، يكفيني أن تعلمي أنني لم أفارقك، لم أستسلم لأي دخيل ومخرب، حباً بك، ويكفيني أن تذكري إن لم نلتق ثانية، أن همبابا كان البار بك، وأنه استمات في الدفاع عنك.. ويا إلهي، إله السماء لا بد أنك تراني وتسمعني ، أملي أن تكون راضياً عني في قراري المضطَّر إليه هذا .
" يندفع إلى الباب، ويظهر كما لو أنه يرمي بنفسه بين ألسنة اللهب التي داهمت المكان، وصرخة لااااا تدوّي في الجهات الأربع. ".
-ملاحظة : الصورة المنشورة، اخترتها من بين عشرات الصور التي تخص " همبابا " في هيئات مختلفة، كما رسمتها خيالات الفنانين عبر التاريخ .





1.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى