أكيد بين الفينة والأخرى تتساقط أوراق العديد من المبدعين والأدباء والإعلاميين ويرحلون عنا تاركين بصمات جليلة في مجالهم ، لكن نفس الحكاية، حكاية النعي ! أفظعھا مقام الحال فضاء مستباح للرياء والتضليل؛ تلك عملة الحاضر والمستقبل في رحاب ثقافتنا؛ لحظة وقوع النازلة ؟ فمن يا ترى حمل عقيرته وركحه وقلمه ليخط قولا أو حركة أوھسيسا تجاه (ذاك) الوجه المبتسم والجسور في خطاباته ضد الزيف والمجاملات الحربائية ، الواضح أمام معاناته مع المؤسسات الثقافية والفنية بما فيها الجمهور ذاك السند الأساس لكل عمل جمالي وفني، حيث يحضر شخصين أو خمس كما يعـلن دائما الراحل" نبيل لحلو"في تصريحاته التي تبدو نارية، ولكن هي أساسا لهيب الدواخل، دواخله هي المتكلم تجاه أنماط من ثقافتنا المباركة !وبالتالي فالمعاني لا تُفهم بالكلمات وحدها بل تُدرك بالفعل والتضحية . لهذا فالملاحظ أن "نبيل لحلو" يفعل في المشهد المسرحي والسينمائي، بكل طاقاته التي تندرج في التضحيات التي يقدمها لأنه مبدع خلاق مهما اختلفنا مع تصوراته وقاعدته الفنية يبقى طاقة خلاقة ذو تجربة متفردة؛ معطاءة في مجاله الفني. هاته حقيقة إمبريقية لا يمكن أن يتجاوزها أي مهتم وفاعل، لكن المأساة المزاوجة لمأساة المسرح في المغرب ؛ هي مفجعة حقيقة والتي كثير ما نقفز عليها: أن تجربة المبدع " نبيل لحلو"يعتبرها العـديد من المسرحيين والمثقفين من الكماليات الثانوية التي لا تستدعي المتابعة وحتى الاهتمام ،وهنا المطب أو المحصلة تجاه الفنان الراحل " نبيل لحلو" ليضل مستهدفا بشكليه المباشر وغير مباشر من خلال هذا الحصار واقعا ملموسا ، ويعبر عنه بكل تلقائية وبالأسماء والمسميات، فهاته الجرأة ليست بطولة وتضحية قصوى بل مأساة يعيشها من اختاروا سبيلا صعبا وطريقا لا يعرف التراجع أو يقبل أنصاف الحلول . ومن ثمة ف" الراحل"كان لا يميل إلى أداء دور المفسر بقدرما كان ينحو إلى دور المغير.ليس بالمعنى المنفلت عن مقامه، بل في سياق مقامه يُشرّح الواقع ويغوص في أعماقه ليعيد صياغته بلغة أعمق معاني وأوضح دلالات، وإن كان يعتبر امتدادًا طبيعيًا للمجتمع، يعكس ملامحه مما يتناول مظاهر صراع الشرائح الإجتماعية وانسحاق الفئات المهمشة والمضطهدة تحت تأثير الظلم الإجتماعي بأسلوبه الساخر وبرؤيته الفنتازية ،لكي يمنحه شرعية فكرية و جمالية. عبر إسقاط الأقنعة إبداعيا لتلك الكتل البشرية ( شريشماتوري)من هنا تلك الكتل البشرية تخاف منه لأن الأغلب الأعم يعيش الكذب والنفاق وارتداء الأقنعة، ربما نتيجة عقد متعددة أبرزها النقص في الشخصية، مما تضيق نفسيتهم أمام صدقه وموهبته وشخصيته التلقائية بدون رتوش، ولا تستطيع تلك الكتل( القنفودي) أن تكون مثله، فهو ليس متمردا أو بوهيميا كما يشاع بقدرما ما كان يعيش في أعماق الأشياء؛ في الحقيقي و في الإلهي؛ لتطهير الذات العارفة مما علق بها من أوهام. السلطة والخوف و النفاق والقمع. هنا يتجلى اصطدامه مع المؤسسات حتى أنها تجاهلت مشاريعه ومقترحاته؛ بشكل ملفت ليعيش نوعا من الاغتراب، ولاسيما أن الاغتراب ليس مجرد شعور عابر، بل هو محرك رئيس للقلق والانفعال والرفض للقوالب النمطية والتسويفية والبيروقراطية. وتلك حالة الراحل؛ لا يهادن أحـدا. لكن مظهر الإغترب كان بإمكانه أن ينفك لو كان جمهور المهتمين والمختصين بجانبه مؤازرة ودعما لعروضه المسرحية والسينمائية، لكانت رؤيته مختلفة، باعتبار أنه مهني محترف بمنظور وقاعدة الإحتراف، وما اعتماده على الشباك إلا أحد مظاهر الإحتراف، وبالتالي في غياب دعم الجمهور؛ والذي يمارس الإقصاء الناعـم شبيهًا بما تعرض له سقراط أثناء محاكمة " سقراط" زمان محاكمته عام 399 ق م. والفنان" نبيل لحلو" اعتبره سقراط زمانه بعد الميلاد، لا فرق بينهما إلا في نوعية العطاء لأن كلاهما خاضا معارك مع سفسطائيي عصرهما ، لكن لحظة سقوطه الأخير من هودج الركح ، كانت الأقلام والأزرار بالمرصاد لنعيه وتفكيك مناقبه وكشف تموقفاته والتركيز خصوصًا على فكرة “التمرد” هكذا بدون تخصيص !بينما هو وفق تصور "ألبير كامي" لم يكن متمردًا بالمعنى العَـدمي، بل كان مبدعا ملتزما بمبادئه وصاحب موقف أخلاقي وفكري ثابت.وبالتالي فالمتمرد أصلا ذاك الخارج على ضوابط ونواميس المجتمع وقوانين النظام العام، ويمكن أن نعتبره متمردا على الأنماط والقوالب الجاهزة في إطار المسرح والسينما، متجها لتفعيل رؤية تجريبية متداخلة بين السريالية والواقعية والواقعية والعبثية كما يراها هو من خلال واقعه الإجتماعي والسياسي والثقافي، وبالتالي فالمجتمع أبينا أو كرهنا يعيش تخلفا وانعدام ثقافة جمالية/ فلسفية ، لا يمكنه أن يحمي مبدعا فعال ومعطاء كالراحل " نبيل لحلو" وإن حاولت بعض الأصوات فإنها تنشطر وتنتشر كبخور في ليلة - الحضرة - التي يمحو- النھار- طقسھا وإيقاعھا؛ وإن بقت بقايا قرع الطبول ودندنة الأوتار القدسية؛ تطن وتطن في صبحنا؛ فالمحو لا محالة واللامبالاة لغتنا في السر والعلانية !! أليس زماننا الداخلي نفرض عليه أن يوقف نبضه / وتلك حركته الرمزية كنص موحى ، إنه فشل مجتمع أو جماعة في الاعتراف بوجود الفنان حـيّا .مبدع كان المسرح لديه معركة كرامة وعدالة في التجوال والترحال..فما جدوى ترنيمات النعي يا ترى أمام منطوق اللاعتراف في حياته؟ وما أهمية خطابات الرثاء والاعتراف المتأخر لذلك مادام الإقصاء (كان)يشتد مرفقا دائما بسياط تحت الحزام( !) في مشهدنا يتضاعف الإقصاء والسياط الممزوجين بالتجريح ! هل لإبراز السبق في الرياء؟ أم التنافس على الظهور بمظهر الوفيّ أو المنصف بعْـد فوات الأوان ؟ أم السبق في التكفير عن الخطيئة، أمام سوريالية المشهد؟
الأغرب الذي يضاعف مأساتنا في المسرح المغربي / السينمائي، تمظهر تدوينات هنا وهناك وكلمات منشورة هنالك وهنا، من أصناف متعددة أغلبهم ممن لم يشاهدوا ولو ربع عرض مسرحي ( له) وبعضهم ليسوا بمسرحيين ولا سينمائيين، فيض جيوش وفيض جياش من وجدان مزيف، خطاب مغشوش، اعتراف أو اعتذار ضمني لتحقيق توازن أخلاقي، سيظل التكفير في هذا الباب سلوكا استعراضيا ولن يمحو العنف الرمزي الذي مُورس سابقًا في حقه وفي حق إبداعاته. ولن يمحو العنف المادي الذي عبر عنه في عدة مناسبات، فأي ميزان أخلاقي يمكن أن يبرّر أويقبل مثل تلك [ الكتابات] في زمن الإقصاء الناعم و الصمت الهسيس والخسيس (؟) لنتلافى كل هذا كمحاولة لتخفيف وطأة الذنب الجماعي أو الفردي عبر كلمات الرثاء،:هل فكرأو بادر(...) أحد تكريمه قيد حياته كاعتراف رمزي أو حقيقي وملموس ؟
الأغرب الذي يضاعف مأساتنا في المسرح المغربي / السينمائي، تمظهر تدوينات هنا وهناك وكلمات منشورة هنالك وهنا، من أصناف متعددة أغلبهم ممن لم يشاهدوا ولو ربع عرض مسرحي ( له) وبعضهم ليسوا بمسرحيين ولا سينمائيين، فيض جيوش وفيض جياش من وجدان مزيف، خطاب مغشوش، اعتراف أو اعتذار ضمني لتحقيق توازن أخلاقي، سيظل التكفير في هذا الباب سلوكا استعراضيا ولن يمحو العنف الرمزي الذي مُورس سابقًا في حقه وفي حق إبداعاته. ولن يمحو العنف المادي الذي عبر عنه في عدة مناسبات، فأي ميزان أخلاقي يمكن أن يبرّر أويقبل مثل تلك [ الكتابات] في زمن الإقصاء الناعم و الصمت الهسيس والخسيس (؟) لنتلافى كل هذا كمحاولة لتخفيف وطأة الذنب الجماعي أو الفردي عبر كلمات الرثاء،:هل فكرأو بادر(...) أحد تكريمه قيد حياته كاعتراف رمزي أو حقيقي وملموس ؟