مبادرة المسرح المدرسي تحولت من سحابة لاغاثة المواهب الطلابية الى غلاف لابتزاز الاموال بقلم: علي صالح المصري

مبادرة المسرح المدرسي تحولت من سحابة لاغاثة المواهب الطلابية الى غلاف لابتزاز الاموال
علي صالح المصري
كاتب مسرحي ومخرج وناقد
مهتم بالمسرح المدرسي السعودي

حظي المسرح المدرسي في المملكة العربية السعودية بين عامي 2016 و2021 بحراك حيوي وعفوي؛ إذ نجح في إحداث نهضة واضحة داخل البيئة المدرسية، معتمداً على إثراء روح التنافس الشريف، وتنمية المواهب، وتناول القضايا القريبة من وجدان الطلاب والطالبات. ومع ذلك، طرأ تحول تنظيمي في السنوات الأخيرة قادته وزارة التعليم بالتعاون مع هيئة المسرح والفنون الأدائية، تحت لافتة "المأسسة والتدريب". لكن السؤال الحقيقي الذي يطرحه الميدان التعليمي اليوم بمرارة: هل أدى هذا التحول إلى نهضة المسرح فعلاً، أم أنه تسبب في شل حركته وقتل روحه الإبداعية؟ تكشف القراءة الفاحصة لواقع المدارس اليوم عن تشخيص صادم لثلاث ثغرات رئيسية أدت إلى تراجع هذا النشاط الحيوي؛ فكل ما في الأمر أن الوزارة قد رفعت ملف النشاط المسرحي إلى هيئة المسرح، وجرى ترشيح بعض المعلمين والمعلمات وتدريبهم ليكونوا هم فقط المخولين بالمشاركة دون غيرهم. غير أن أكثر هؤلاء المتدربين إما تحولت اهتماماتهم عن المسرح، أو واجهوا ضغوطاً في نصاب الحصص الدراسية فلم يجدوا وقتاً يخصصونه للمسرح، أو أحيل بعضهم إلى التقاعد. ومن جانب أخر، قيدت الهيئة الحرية الفكرية للمسرح بنصوص شبه جاهزة رفعتها على المنصة الإلكترونية، وألزمت المشاركين بالاختيار منها باعتبارها نماذج معتمدة. هذه القيود أضعفت الجانب الإبداعي؛ لكونها نصوصاً صيغت على شكل قصص بعيدة كل البعد عن النص المسرحي الحقيقي الذي يقدم توجيهات واضحة للممثل وحركته وأسلوبه في الإلقاء والعرض، بل هي مجرد قصص قابلة للقراءة فقط؛ وهو الجانب الأكبر الذي قتل المسرح المدرسي وشل روح التنافس والابتكار. هذا القيد الصارم أحبط المعلمين والمعلمات والطلاب والطالبات الذين يملكون رؤى وأفكاراً جديدة ومبتكرة تحفزهم وتقوي رغبتهم في المشاركة للتعبير عن مواضيع قريبة من وجدانهم وتلامس همومهم وتطلعاتهم. وثالثاً، أُغلق الباب أمام المعلمين والمعلمات الذين لم يلتحقوا بالبرامج التدريبية التي أعدتها الوزارة لأسماء محددة، فحُرموا من فرصة المشاركة في المسرح المدرسي، مع اعتماد المدارس ومكاتب التعليم كلياً على هؤلاء المعلمين المتدربين فقط. والمؤسف أن معظم هؤلاء لم يكن دافعهم للالتحاق بالتدريب هو النهوض بالمسرح المدرسي، بل قضاء الوقت وتغيير الأجواء؛ خاصة وأن الترشيحات لم تمنح لمن أسهموا فعلياً في المسرح المدرسي وحصدوا جوائز المركز الذهبي في الأعوام السابقة -إذ لم يُرشح منهم إلا من يُعدون على أصابع اليد الواحدة- بل جاءت الترشيحات خاضعة للوساطة والمحسوبية. بالإضافة إلى ذلك، فإن التدريبات التي تلقاها هؤلاء المتدربون كانت تقليدية للغاية، واقتصرت على الحركة والتصفيق والرقص والاستعراض من قبل مدربين أجانب. وقد تسبب تقديم هذه الدورات باللغة الإنجليزية في إحداث فجوة تواصل عميقة بين المدربين والمتدربين من معلمي ومعلمات اللغة العربية، والذين يُفترض أنهم الأقرب تأهيلاً لهذا المجال. يضاف إلى هذا كله عدم اهتمام الوزارة بهؤلاء المتدربين؛ فلم تُمنح لهم أي حوافز مادية إضافية على مرتباتهم تقديراً لجهودهم الإضافية بجانب تدريس موادهم الأساسية، ولم توفر لهم الوزارة التفرغ اللازم للإشراف على المسرح. وهكذا تحقق المثل القائل: "جاء يكحلها فعماها"؛ فها هي السنة الثالثة تقترب، ونشاط المسرح المدرسي يزداد جموداً. وكل ما أريد قوله هنا: آن لك أن تتخيل نفسك معلماً ولديك طلاب أو طالبات يملكون موهبة الكتابة، أو التمثيل، أو الإنشاد، أو الاستعراض المسرحي، ولكن ليس الأمر بيدك لتقدم موهبتهم وتنميها في المسرح المدرسي؛ لأن المعني بذلك شخص آخر في المدرسة أو في مكتب التعليم الخاص بالمديرية أو المحافظة لمجرد أنك لم تكن ضمن قائمة المتدربين، ولم يُدرج اسمك كمعلم مهتم بالمسرح في السنوات السابقة! ستدرك حجم الكارثة حينما تُشعر طلابك وطالباتك بأنك عاجز عن تنمية مهاراتهم؛ لأن المشاركة لم تعد حقاً مشروعاً للجميع. خلاصة القول: إن على وزارة التعليم فتح المجال أمام المبدعين من المعلمين والمعلمات والطلاب والطالبات لخوض التنافس الحقيقي وإثراء النشاط المسرحي كما كان في السنوات الأولى من إطلاق المبادرة، او ان تغلق باب الابتزاز المالي تماما و لا داعي لتغليفه بعذر مبادرة المسرح المدرسي .
747505322_28430771789857554_3886857550163013225_n.jpg

موقعي الخاص يمكنكم تصفح الخدمات التي اقدمها

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى