إبراهيم محمو - سطوح جليدية... "مسرحية إيمائية في خمسة مشاهد"

1783328552686.png





" لوحة فنية ضخمة تحتل أكثر من نصف الحائط المشكّل لخلفية المسرح، لا شيء ظاهر فيه سوى ما يشبه الضباب الكثيف "

" المسهد الأول "
" رجل وامرأة كبيران في العمر، زوج وزوجة، وهما يتقابلان، يقتعدان كرسيين يتأرجحان تحتهما "

الزوجة" تنظر إليه، ثم تنظر جهة النظَّارة، وهي تركّز نظرها مستطلعة الوجوه دون أن يرف لها جفن، تعاود النظر في وجه الرجل المقتعِد كرسيَّه دون حراك، ثم تمد بنظرها إلى ما وراءه، صوب الأعلى، وتثبت نظرها على نقطة غير معلومة ، وتلتفت إلى يسارها ، كما لو أنها تبحث عن شيء ما، وتركّز على زوجها الذي يبدو في وضعية النعسان،، وقد زادت حدقتا عينيها اتساعاً، وهي تنبهه بصيحة : هيييه "
الزوج: مع صيحة " هيييه" مثلها، كردّ فعل. وهو يجفل، ويدعك عينيه بكلتا يديه، ثم ناظراً إليهما ، محركاً يده اليمنى، بحركة لولبية مستفسراً عمّا تريد، وهو يحاول فتْح عينيه "
الزوجة" تحرك يديها الاثنتين، وكأنها تقابل ما بينهما ، بمسافة معلومة بامتداد جنبيها، وترفعهما، إلى ما فوق رأسها، بحركة أمامية وخلفية "
الزوج "هيييه، هيييه " وبعصبية ظاهرة، يحرك نحوها يده اليمنى، وهو يديرها،تاركاً يده اليسرى جنبه دون حراك، ثم ينظر إلى الأسفل، مثل من يبحث عن شيء ما، لبعض الوقت، معاوداً النظر في وجهها، بعينين نصف مغمضتين، وهو في حالة شرود، وهي تنظر إلى جهة أخرى، لامبالية به. ويدفع بيديه الاثنتين نحوها علامة الغضب من خلال ملامح وجهه، وهو يتنفس بعمق، ويلتفت إلى النظارة، ماسحاً الوجوه بنظرة سريعة، كأنه يتفقدها، وهو يشير بعد الحركة تلك إليها، كما لو أنه يطلب من النظارة التركيز عليها"

" المشهد الثاني "

" رجلان في متوسط العمر، أحدهما يحمل جريدة، مفتوحة على الصفحة الأولى بداية، يظهر أنه يقرأها من خلال حركة شفتيه، منبّهاً من هو مقابله، إلى وجود ما يثيره، مصدِراً صوتاً من خلال ضرب يده بالجريدة، وكأنه يترجم الوارد فيها إلى حركة يدوية وملامح وجهية معاً وبالتناوب، وهو يرفعها ويخفضها، وثمة ملامح وجهية تتجاوب معها.
الرجل المقابِل، يظهر مستغرقاً في النوم، وهو مغمض العينين. مع ضرب صفحة الجريدة الأولى باليد، بالكاد يفتح عينيه، ويتثاءب فاتحاً فمه على وسعه، ليعود إلى وضعيته الأولى، مع هزة رأس لا تخفي استخفافاً بما يسمع "
الرجل الآخر يقلب الصفيحة متنقلاً بين عناوينها، مع ما يشبه صيحة " هييه " التنبيهية دائماً وضرب باليد عليها، مركزاً على عناوين تتقاسم صفحات الجريدة، مظهِراً ابتسامات متباينة .
الرجل المقابل، يفتح عينيه قليلاً، ويتثاءب من جديد، وبالكاد يستطلع المكان بنظرة لا تخفي شروداً، ليتثاءب مجدداً، ويعود من جديدة إلى وضعيته الأولى .
الرجل الآخر، يقلب الصفحات على عجل، ببعض التوتر، يتصاعد مع انتقاله من صفحة إلى أخرى، حتى يتوقف عند الصفحة الأخيرة، مظهراً ابتسامة كعادته، وناظراً إلى الأعلى ، ثم إلى مقابله، محاولاً لفت نظره بصيحة تنبيه أخرى" هيييه، هيييه "
الرجل المقابل، كما هو في المرتين السابقتين يفتح عيناً واحدة، مقطباً ما بين حاجبيه، وزامّاً شفتيه، ويطيل في التثاؤب، مبقياً فمَه مفتوحاً لوقت أطول مع استمرار الآخر في تحريك يده اليمنى تجاه ما يقرأ وبحماس، ثم يرمي الجريدة أرضاً، وهو ينظر إلى رجليه اللتين تتحركان آلياً ولبعض الوقت، ليغمض عينيه مثل مقابله "

" المشهد الثالث "

شابان وشابتان يقتعدان أربعَ كراس ٍ في وسط المسرح في حلقة شبه دائرية. ثمة صوت يتم سماعه من مذياع مجاور، كأنه يبث خطاباً، وهم يحركون في رؤوسهم، مع كل فقرة مسموعة، ينفجرون ضحكاً مجلجلاً. وهم ينظرون في وجوه بعضهم بعضاً. ضحك يكون له صدى يتردد في فضاء المسرح. ويتبادلون النظرات وهم يضحكون ضحكات لا تنمُّ عن فرح أو رضا، من خلال سيماء وجوههم، وهم ينظرون يمنة ويسرة، ولا يكفّون عن النظر إلى النظارة وإلى بعضهم وإلى سقف المسرح وهم سكوت، لتصبح ضحكاتهم متقطعة، لا تلبث أن تخفت تدريجياً، ثم تظهر حزينة، وهي تخفض رؤوسها إلى الأسفل ودون حراك .

" المشهد الرابع "

الزوجان يعودان إلى الواجهة، وقد غيّرا مكانيهما، والكرسيّان نفسهما، يظهر الزوج منفعلاً وهو يشبك أصابع يديه خلفه، وينظر إلى زوجته، كأنه يطلب منها استفساراً، وهي لا تنظر إليه، إنما تديم النظر في يديها، إذ تقلبهما ظاهراً وباطناً، وتحاول لفت نظره إلى يديها، وهي تفتحهما وتقبضهما، وتوجههما إلى عنقها، ضاغطة عليه، مع سخط ظاهر في الوجه. الزوج وهو ينظر إليها، يحرك رأسه لأكثر من مرة، غير عابىء بها، وهو يضغط بيده اليمنى على صدغه الأيمن، وكأنه يحفر فيه بسبابته، ثم وهو يضع يده اليسرى على قلبه، وهو يحركها وكأنه يمارس تدليكاً، لتعود الزوجة إلى النظر هي الأخرى في يديها، وهي تحركهما وتمرجحهما في الهواء، مع حركات رأسيه، وهي تضرب بكلتا يديه بعد ذلك على صدره، ليظهر الزوج في وضعية شرود والنظر بعيداً ..

" المشهد الخامس "

الجميع الذين أدوا أدوارهم يلتقون في وسط الخشبة، وهم يذرعون الفراغ المسموح جيئة وذهاباً، دون أن ينظر أي منهم إلى الآخر، ثم يتوقفون بعد كل حركة ذهاب وإياب، وكأنهم يقيسون المكان ، وهم يركزّون أنظارهم على حركات أرجلهم. ويتبادلون النظرات فيما بينهم سريعاً. الوجوه لا تخفي قلقها. ثم يستديرون إلى النظارة في صف واحد، مركزين أنظارهم على وجوه النظارة بعيون مفتوحة على وسعها. ينظرون بوجوه متجهمة، ثم وهم يتبادلون النظرات، ليوجه كل منهم يده اليمنى صوب النظارة دون متابعتها بالنظر.
يستغرق ذلك بعض الوقت. ثم يديرون ظهرهم إلى النظارة، وهم بوضعية ثبات لبعض الوقت أيضاً، ليتحركوا بحركات منتظمة ، وسريعة، وكأنهم يلوذون بالفرار في أكثر من جهة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى