أحمد رجب شلتوت - ركام الأحلام المكسورة في "ستوديو الحجاز"

ركام الأحلام المكسورة في "ستوديو الحجاز"
أحمد رجب شلتوت
يرسم الروائي محمد إبراهيم طه في روايته القصيرة "ستوديو الحجاز" لوحة سردية شاسعة تغطي مساحة بامتداد نصف قرن من التاريخ المصري الحديث، من زمن النضال اليساري السري في السبعينيات إلى زمن ما بعد الثورات وانكسار الحلم. لكن الرواية، في جوهرها، ليست عن السياسة أو الأيديولوجيا بقدر ما هي عن هزيمة الإنسان في الحب والفكر، وفقدانه القدرة على مواجهة رياح التغيير.
"ستوديو الحجاز" كمكان ليس مجرد شقة صغيرة في حي مصر الجديدة، بل هو فضاء مكثف يحمل دلالات متشابكة، إنه أولًا مقبرة للأحلام، إذ كان مقرًّا لخلية ماركسية سرية، شهد على زمنٍ من الحماس النضالي واليقين الأيديولوجي، وبعد حلّ التنظيم، تحول إلى شاهد على موت الحلم وتشتت الرفاق،
وثانيًا هو ملاذٌ للشخصيات، أو بالأحرى قوقعة الراوي "طه"، الذي يختبئ فيها من عالم لم يعد يفهمه. ومع دخول "داليا الحسيني" إلى حياة طه يتحول المكان إلى ميدان للصراع بين الحب والاستلاب.
حين تغيّر داليا ديكور المكان وتزيح كتب طه جانبا واضعة لمساتها الأنثوية، كانت تمحو آخر معاقل ذاكرته القديمة، فيتحول الستوديو إلى صندوقٍ للذاكرة كلما فُتح تطايرت منه أشباح الماضي، شجون الحبيبة الضائعة، وشيكو الرفيق القديم، والشاعر المنكسر، مما يجعله يدرك تدريجيا أنه أصبح غريبًا حتى عن نفسه.
الزجاج والمفتاح
كما تحول المكان الضيق في الرواية إلى مختبر للذاكرة، يصبح شارع الحجاز في الخارج مختبرًا للجماعة، فلم يعد الزجاج مجرد نافذة، بل جسرٌ رمزي يصل بين الداخل والخارج، حاجز شفاف يسمح بالرؤية دون المشاركة، هذا التوازن بين الرؤية والعجز يختصر فلسفة الرواية كلها، ويبرر وصف الراوي للشخصيات بأنها "مشاريع ناقصة"، طه نفسه نراه نموذجا للإنسان المرتبك، الحائر بين الريف والمدينة، بين التدين الريفي والماركسية، بين حب "شجون" النقي وعلاقته الجسدية المعقدة مع "داليا"، دائما منفعِل وليس فاعلا، وفشله في الحب مرآة لفشله في الأيديولوجيا وفي الحياة ذاتها. أما شيكو، الرفيق الماركسي القديم، فهو نقيض طه؛ لا يفقد يقينه رغم انهيار المشروع الاشتراكي، يعيد ترتيب حياته، ويتزوج من شجون، ويحصل على الدكتوراة وهو في السبعين، فيبدو كأنه الناجي الوحيد من الحطام.
شجون، الحبيبة القديمة، تمثل الحلم النقي الضائع. عقلانية وهادئة، لكنها تظل اللغز الوجداني الذي لا يُحلّ. قبولها الزواج من شيكو ليس حبًّا بل قرار بالاستقرار مع رجل يملك يقينًا ما، أما داليا الحسيني، فهي الوجه الآخر للحلم، المرأة الجريئة، الزوجة السرية، يمكن اعتبارها تمثيلا للرأسمالية الجديدة بثقافتها الاستهلاكية وبقدرتها على ترويض الرجل والفضاء معًا، ويبقى أحمد الهن، القواد فاعل الخير، الوجه القبيح للمجتمع الجديد، يجمع بين التدين الظاهري والفساد، يبدو وجوده في الرواية وكأنه تأكيد على أن العالم تحكمه براغماتية الانحطاط وليس المبادئ.
يبني الكاتب رمزيته على ثنائية الزجاج والمفتاح، الزجاج هو الوعي الشفاف، يُظهر ويخفي، يتيح الرؤية لكنه يمنع اللمس؛ يصل ويفصل في نفس الوقت، أما المفتاح فهو الذاكرة المادية التي تفتح أبواب الماضي وتغلقها، حين يُعيد الراوي المفتاح إلى الدرج في النهاية، يكون قد أغلق دائرة الحنين بانسحابٍ صامت، مؤمنًا بأن ما انكسر لا يمكن إصلاحه.
الحلم الفردي وصراخ الجماعة
خارج الزجاج يدور احتجاج عمال شركة "إسكو"، وهو حدث واقعي جرى في منتصف العقد الأول للألفية، فيكشف انكسار العقد الاجتماعي في مصر ما بعد الانفتاح، يتقاطع صوت العمال مع صمت الراوي في الداخل، فيتحول الستوديو إلى رمز لعزلة المثقف الذي يرى ولا يشارك، يدوّن صدى الهتاف ولا يرفع صوته معه، فتغدو الرواية تأملًا في اغتراب الوعي في زمن التحولات، وفي السؤال الأبدي عن جدوى المثقف أمام واقعٍ متغير.
لا تنفصل سردية الانهيار الشخصي عن الخلفية التاريخية، فالرواية ترصد انهيار المشروع الاشتراكي وحلّ التنظيمات اليسارية بوصفهما موت اليقين الجمعي، وتسجّل صعود الرأسمالية الجديدة في شخصيتي داليا وأحمد الهن، وصعود التيار الإسلامي في محمد عبد الله، في مقابل تراجع اليسار، وصولًا إلى ثورة يناير التي تشكّل ذروة السرد ونقطة انكساره الأخيرة.
بنية دائرية ونهاية مفتوحة
تعتمد الرواية على "تيار الوعي" بشكل رئيسي، حيث تقفز الأزمنة والأحداث في ذهن الراوي دون تسلسل خطي، محاكياً بذلك فوضى الذاكرة والوعي، لغة الرواية مقتصدة ومكثفة، تمزج بين الحوار الواقعي والعبارات الشعرية التأملية، الجمل القصيرة والإيقاع المتقطع يمنحان النص طابعًا بصريًا حادًا، واستخدام الأسماء الحركية (الرفيق طنطاوي، شيكو، سحس، نعناعي...) يحتفي بالماضي النضالي للشخصيات، ويجسد الهوة بين الحلم في الماضي والانكسار في الحاضر. كذلك تقوم الرواية على بنية دائرية، تتراوح بين الحركة والسكون، بين الفعل والتأمل، في رؤية محمد إبراهيم طه، الزمن في ستوديو الحجاز ليس متوالية أحداث، بل حالة وعي يعاد توليدها باستمرار، كل استرجاع هو إعادة إنتاج للحاضر، وليس استعادة للماضي، ولأن الوعي محكوم بالذاكرة، فإن الراوي لا يعيش الزمن، بل يعيد تذكّره، هكذا تصبح الدائرية تجسيدًا لفكرة أن الإنسان لا يتحرر من ماضيه بل يدور في فلكه، كما يدور الضوء على جدران الستوديو كل صباح دون أن يغادره.
إن دائرية البنية في "ستوديو الحجاز" تعبّر عن وعيٍ محاصر خلف زجاجٍ شفاف؛ وعي يرى العالم ولا يلمسه، يدرك تحوّلاته لكن يعجز عن الفعل، فالراوي، وهو يعيد المفتاح إلى الدرج، لا يُغلق باب المكان فحسب، بل يُغلق دائرة الرؤية ذاتها، مكتفيًا بالتأمل من وراء سطحٍ يعكس الداخل والخارج في ذات الوقت، فيتحول الزجاج الذي بدا وكأنه نافذة على المدينة إلى مرآة للذات؛ يرينا أن ما كنا نشاهده خارجنا لم يكن سوى امتدادٍ لداخلٍ مأزوم مفعم بحطام الانكسارات.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى