أدب السجون لطيفة زهرة المخلوفي - من الزنزانة إلى الشارع: كيف يُعاد إنتاج السجن خارج الجدران؟

داخل كل بنية عقابية، يَكْمن منطق سلطوي يسعى إلى الضبط، لا فقط للأجساد، بل للخيال والاحتمال. والسجن، كأقصى تجليات هذا المنطق، لا يُختزل في جدرانه الحديدية، بل يمتد إلى الشارع، المدرسة، الجسد، والذاكرة الجمعية. فلا يمكن فصل السجن عن بنيات القمع الطبقي والجندري، ولا عن آليات الدولة في إعادة إنتاج الطاعة وترويض المقاومة. فالسجن هو كل منظومة رمزية تُعيد إنتاج الولاء في الفضاء العام، وتُمارس الرقابة على ما يُفكَّر فيه، وما يُفعل. وبذلك فالعقاب يُعيد تعريف الذات في علاقتها بالقانون، بالسلطة، وبالذاكرة.
في السياق المغربي، يتقاطع السلطوي مع الأبوي، ويتحول السجن إلى أداة مزدوجة تُعاقب الجسد الأنثوي حين يخرج عن الطاعة، وتُسكت صوت الأمهات حين يرفعن وَجَعهن في وجه الظلم. من أمهات المعتقلين السياسيين، إلى النساء المعطلات، والعاملات في مختلف وحدات دائرتي الإنتاج وإعادة الإنتاج، وصولا إلى النساء المناضلات في الحركات الاحتجاجية، تتضح ملامح سجن غير مرئي، يمتد من الزنزانة إلى الشارع، ومن التفقير إلى المحاكمة والتنميط والوصم والعار.
هذه المحاولة تروم مقاربة السجن كبنية رقابية وعقابية من منظور نسوي تحرري، مستلهمة أطروحات فوكو، ومدعمة بمساهمات مفكرات ومناضلات النسويات مثل "أنجيلا ديفيس"، "جوليا سودبري"، و"روث ويلسون غيلمور". اللواتي قدّمن قراءات جذرية للسجن باعتباره بنية اجتماعية تُعاقب لا فقط على "الجُرم"، بل على الانتماء الطبقي، الجندري، والعرقي. مع تعزيز كل هذا بتجارب نساء مغربيات واجهن القمع بأجسادهن وأصواتهن، في محاولة لربط التحليل النظري بالتحولات الجارية في الشارع المغربي، حيث تتصاعد أصوات نسوية وشبابية تُعيد رسم حدود الممكن السياسي والاجتماعي.
قدّم ميشيل فوكو في كتابه "المراقبة والعقاب" تصورا للسجن كأداة مركزية في مشروع الدولة الحديثة للضبط الاجتماعي، حيث يتحول الجسد إلى موضوع للمراقبة والتأديب. غير أن هذا التصور، رغم عمقه وجدواه في تفكيك وفهم النسق العقابي، أغفل البعد العرقي والجندري والطبقي، ولم يُفسر كيف تُمارَس السلطة بشكل غير متكافئ على النساء والفئات المهمشة عرقيا واقتصاديا. هنا تبرز مساهمة النسوية التحررية، بإعادة تعريف السجن كامتداد للعنف البنيوي، لا كمؤسسة معزولة.
انطلقت أطروحة "أنجيلا ديفيس" من القول أنّ السجن ليس مجرد جدران وزنازين، بل هو منظومة اجتماعية واقتصادية تُعيد إنتاج نفسها في الشارع عبر سياسات المراقبة، التمييز العنصري، والفقر المُمأسس. إنه امتداد للرأسمالية العنصرية التي تُحوّل أجساد المهمشين إلى فائض بشري قابل للعقاب والسيطرة. لذلك، فإن إلغاء السجون لا يعني فقط إغلاقها، بل تفكيك البنية التي تجعل الشارع نفسه فضاءً سجنيًا عبر البطالة، العنصرية، والقمع المباشر وغير المباشر.
في ذات النسق التحليلي النقدي وضعت "جوليا سودبري/ جوليا تشينييري أوبارا" أطروحتها، مؤكدة أن السجن يُعاد إنتاجه خارج الجدران من خلال أشكال العنف البنيوي التي تستهدف النساء والمهاجرات والملونات، سواء عبر سياسات الهجرة، أو الرقابة الاجتماعية، أو التهميش الاقتصادي. فيتحول الشارع إلى ملحق للزنزانة حين تُفرض على النساء قيود غير مرئية: الخوف من العنف، التهديد بالترحيل، أو الاستبعاد من الخدمات الأساسية. لذلك، فهي تربط بين إلغاء السجون وبناء شبكات تضامن نسوي عابرة للحدود تُقاوم هذه الأشكال من السجن غير المرئي. استئنافا لذات الطرح النسوي النقدي تحلل"روث ويلسون غيلمور"، السجن باعتباره نتاجًا لسياسات اقتصادية وجغرافية تُحوّل الفائض البشري إلى فائض سجني. فالشارع يُعاد تشكيله كساحة سجنية عبر انتشار الشرطة، المراقبة، وإعادة توزيع الموارد بشكل غير عادل. وفي هذا الصدد صاغت مفهومها "الجغرافيا الكارسرالية" لتوضح أن السجن ليس مكانًا مغلقًا، بل شبكة ممتدة تُعيد إنتاج السيطرة في الأحياء الفقيرة، المدارس، وحتى أماكن العمل. الإلغاء عندها يعني إعادة بناء فضاءات بديلة تُعطي الأولوية للرعاية والعدالة بدل العقاب.
استلهاما لروح هذا المنظور النسوي التحرري، يُصبح الجسد الأنثوي موضوعًا للرقابة والعقاب، لا فقط على فعله، بل على وجوده ذاته. فلطالما كان موقعًا للصراع، ومُورست عليه أشكال متعددة من الرقابة: من القانون، إلى الشرطة، إلى المؤسسات الاجتماعية. النساء لا يُسجن فقط داخل الزنازين، بل داخل أنظمة التمثيل، والتطبيع، والتأديب. بهذا المعنى، يُعاد إنتاج السجن في الشارع، في الأسرة، في الإعلام، حيث تتكرر صياغة الطاعة والامتثال.
تُظهر شهادات النساء المناضلات كيف يُمارَس العقاب عليهن خارج أسوار السجن: في التشهير الإعلامي، في المحاكمات الرمزية، في التهم الأخلاقية الملفقة، وفي الرقابة اليومية على أجسادهن وأصواتهن.
بهذا تتحول الأمومة إلى موقع مزدوج: موقع للوصم، وموقع للمقاومة. ويظهر بشكل أعمق عبور الجسد الأنثوي من التأديب إلى المقاومة، كما في حالة "سهام الشبلي"، التي واجهت التشهير والمراقبة بعد وفاة شقيقها "ياسين الشبلي" داخل مخفر الشرطة، ورفضت الصمت عبر النشر والاحتجاج.
تجسد قضية "ياسين الشبلي" أحد أكثر تمثلات العنف البنيوي وضوحا في السياق المغربي المعاصر.
ياسين، شاب من مدينة بن جرير، في أكتوبر 2022، توفي داخل مخفر الشرطة، في ظروف وصفتها الرواية الرسمية بأنها "انتحار"، بينما أظهرت أشرطة الفيديو التي بثتها عائلته آثار تعذيب جسدي واضح. ما يجعل هذه القضية مفصلية ليس فقط فظاعة ما تعرض له الجسد المعتقل، بل أيضًا ما واجهته العائلة، وخاصة شقيقته "سهام الشبلي"، من محاولات إسكات وتشويه. فبدل أن تُعامل العائلة كضحية، وُوجهت بحملات تشهير، واتهامات بـ"تسييس" القضية، وتمت مراقبتها في الفضاء العام، وحرمانها من الحق في الحداد والاحتجاج.
في هذا المنعطف، تُصبح العائلة، لاسيما النساء داخلها، موقعًا مزدوجا: موقعًا للوصم، وموقعًا للمقاومة. فحين تُصر "سهام الشبلي" على نشر الفيديوهات، وتُشارك في الوقفات الاحتجاجية، وتلجأ إلى الآليات الأممية، فإنها تُعيد تعريف العدالة من موقع الألم، وتُمارس فعلًا تحويليًا يُفكك الرواية الرسمية، ويُعيد مساءلة بنية العقاب ذاتها. قضية ياسين الشبلي لا تُظهر فقط العنف المنظم الذي تمارسه أجهزة الدولة، بل تكشف كيف يُمارس السجن خارج جدرانه: في الإعلام، في الشارع، في الذاكرة، وفي الجسد الأنثوي الذي يرفض الصمت.
في مواجهة منطق العدالة العقابية، الذي يُركّز على معاقبة "الفاعل"، طرحت النسوية السوداء مفهوم العدالة التحويلية كبديل جذري. هذه العدالة لا تُعالج الجرح فقط، بل تُسائل السكين الذي أحدث هذا الجرح، أي البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تُنتج العنف وتُعيد إنتاجه. مفهوم العدالة التحويلية يروم مساءلة البنية في عمقها لا معاقبة الفرد، ولأجل هذا يُعيد تعريف الجريمة، لا كفعل فردي، بل كنتيجة لبنية غير عادلة.
قد يبدو هذا التصور طوباويًا، لكنه يفتح أفقًا جذريًا لفهم السجن ليس كمكان، بل كبنية يجب تفكيكها، وإعادة تصور العدالة خارج منطق العقاب.
في السياق المغربي، رغم النهاية الشكلية لسنوات الرصاص، لم يهدم منطق العقاب، بل أعاد تشكيل نفسه في صور أكثر نعومة، لكنها لا تقل عنفًا واستبدادًا. تتجلى هذه الصور في تلفيق التهم الأخلاقية للنيل من المناضلات والمناضلين، المحاكمات الماراطونية التي تُطيل أمد العقوبة دون إدانة، السجن الانفرادي كأداة لكسر الإرادة، التشهير الإعلامي الذي يُحوّل الضحية إلى متهمة، التهم الفضفاضة التي تُجرّم الاحتجاج، والتعذيب الرمزي والمادي خلال الحراسة النظرية أو التحقيقات. هذه الممارسات تُظهر كيف أن الردع لم يُلغَ، بل أعيد إنتاجه بأدوات رمزية تُمارَس على الأجساد الخارجة عن الطاعة، خاصة حين تكون نسائية.
في مواجهة هذا المنطق العقابي، تُقدّم النسوية الجنوبية نموذجًا بديلًا يُعيد الاعتبار للرعاية كفعل مقاوم. إنها سيرورة اشتباك فعلي تخطو نحو عدالة بلا سجون، من الرعاية إلى التنظيم. من حملات التضامن مع أمهات المعتقلين، إلى بناء شبكات دعم وأرشيفات نسوية، تُنتج هذه المبادرات معرفة حية من القاعدة، وتُعيد تعريف العدالة من موقع الألم، لا من موقع الدولة. الرعاية هنا ليست حنانًا ولا عاطفة مجردة، بل ممارسة سياسية تُقاوم منطق العقاب، وتُعيد بناء العلاقات على أساس الاعتراف، لا على أساس الامتثال.
ختاما، إن تفكيك السجن لا يعني فقط إغلاق أبوابه، بل مساءلة البنية التي تُنتج العقاب وتُعيد إنتاجه عبر أدوات ناعمة وقمعية مباشرة، رمزية ومادية. فالسؤال لم يعد: من ارتكب الجُرم؟ بل من يُعاقب؟ لماذا؟ ومن ينجو من العقاب؟ في قلب هذا النسق القمعي، تنبثق مقاومات حية؛ في صوت الأمهات الرافضات للصمت، في أجساد نساء مصرات على التظاهر، في مبادرة نسوية توثق وتُنظم وتُرعى.
العدالة، في هذا الأفق، لا تُبنى على القصاص، بل على الاعتراف بالألم، وعلى إعادة توزيع السلطة الرمزية والمادية. إنها عدالة تُنصت، لا تُراقب؛ تُرعى، لا تُعاقب؛ تُعيد بناء العلاقات من القاعدة، لا من فوق. تخيّل العدالة خارج منطق العقاب هو فعل سياسي بامتياز، يُزعزع مركزية الدولة كضامنة وحيدة للحق، ومحتكرة لأحقية التمثيل، ويُعيد الاعتبار للمجتمعات، للأجساد، وللذاكرة.
فلا يمكن الحديث عن إعادة تعريف العدالة في النموذج المحلي دون تفكيك بنيات القمع الجندري والطبقي، ولا يمكن مساءلة السجن دون مساءلة المدرسة، والإعلام، والمحكمة، والشارع. فكل فضاء يُعيد إنتاج الطاعة هو جزء من المنظومة العقابية. وكل مقاومة تُعيد تعريف الحق من موقع الألم، هي بذرة عدالة تحررية.
إن الجرأة على الحلم، في زمن الردع، ليست ترفا نظريًا، بل ضرورة سياسية. والنسوية، في هذا السياق، ليست فقط خطابًا نقديًا، بل ممارسة يومية تُعيد رسم حدود الممكن، وتُطالب بعدالة لا تُعاقب على الألم، بل تُنصت له، وتُعيد الاعتبار لمن حملوه في أجسادهم وصوتهم وذاكرتهم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى