من السيرة الروائية : أمي ...نحيب الصامتين

جلستُ بجانبي، أحكي لي عن الزمن الذي مضى و لن يعود، أروي على مسامعي قصصا و حكايات لبطولات جوفاء و لانتصارات بطعم الهزائم، فقط لأقنعني أني قد تغيرت كثيرا عما كنت عليه سابقا. تكلمتُ عني و أنا أجلس بالقرب مني، و أحاول عبثا أن أقنع نفسي أن جليسي هو أنا و ليس أحدا آخر. طبعا الصوت هو هو لم يتغير، و انحناءة الرأس تطابق صوري القديمة و أنا أمشي إلي بخجل شديد. رفعت رأسي لكي أنظر إليَّ أصبت بذعر شديد، فأنا صورة مصغرة لحزن جماعي، أنا انتكاسة جماعية لكل تلك الحروب التي خرجنا منها منهزمين مندحرين، أنا يأس كل تلك الانتفاضات الجماعية التي خضناها ضد الظلم و الاستبداد، مات المنتفضون و بقي الظلم بيننا يعمر لقرون أخرى قادمة، انا بكاء مناضل فقد وجهته السياسية، و توارى خلفه خجلا من حقيقة موت السياسة و النضال موتا سريريا، لا حياة و لا روح فيه و لا حركة حوله، أنا حياد مثقف مد جسده طوعيا للإخصاء و العجز التام لافتضاض بكارة ورقة بيضاء و افتضاض صمته. أنا انحناءة رؤوس استعذبت الصفعة الجماعية، و تعايشت مع الوأد المبكر للعقل و العين النقديتين، فالطفل بداخلي لم يعد قادرا على استيعاب كل هذا الفشل و هذا الألم و هذا الصمت، أنا لست أنا، أصبحت مجسما صغيرا لجبن الشعراء، و هجرة الأنبياء، و موت كل الكتابات المقدسة. أنا مجرد متفرج على عصر النتوءات و عفن العقليات، و اندثار الأفواه التي كانت تنطق بالحق و تعانق الحقيقة. أنا إنسان فقد عقله فقط لكي يستطيع التعايش في زمن موت العقل. أنا أغنية قديمة لمطرب حاول جاهدا أن يقنع نفسه أنه يطرب كل الناس ما عدا نفسه، أنا باختصار شديد ساحة عمومية تم اكتشافها مؤخرا، تعج بالفوضى و بالموت، حولها صناع الصمت و الموت إلى ساحة أركيولوجية، تحتوي على حفريات ألم الإنسان في زمن اندحار و موت الإنسان، في زمن عانقت فيه كل المخلوقات كرامتها باستثناء الإنسان. أنا الموت في كل تجلياته و الأسى بكل مظاهره، و الهزيمة بكل تفاصيلها، أنا نحيب كل الصامتين .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى