أنهار الجنة -2-
الكاتبة أليف شفق: "بفضل الأدب، لا أؤمن بالأبطال ولا بالشر المطلق". هذه قصة قطرة ماء تسافر عبر القرون. مستكشفةً العالم غير البشري من جديد، تُقدّم الكاتبة التركية، من خلال "أنهار الجنة"، سردًا تاريخيًا عن تغير المناخ واضطهاد الإيزيديين. مقابلة.
النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود
أليف شفق: "أعتقد أن الماء يُذكرنا بالترابط بين البيئة، وعدم المساواة بين الجنسين، وعدم المساواة العرقية، وعدم المساواة الطبقية". تصوير: فرحات أليف/فلاماريون
في رواية "أنهار الجنة" (التي نشرتْها فلاماريون الفرنسية)، تسرد الكاتبة التركية أليف شفق ( كاتبة رواية "لقيطة ستانبول" و"حليب أسود...")، اللاجئة في المملكة المتحدة منذ ما يقرب من عشرين عامًا، قصة قطرة ماء عبرت قرونًا وقارات. إنها حكاية خرافية، تستكشف، من بين أمور أخرى، عواقب تغير المناخ واضطهاد الإيزيديين في الشرق الأوسط. التقينا بالكاتبة خلال زيارتها لباريس في أيلول.
كيف بدأت هذه القصة؟
بينما كنت أتنزه على ضفاف نهر التايمز في لندن، سقطت قطرة مطر على رأسي. الرسام وليم بليك أراد أن يرى العالم كله في حبة رمل. تساءلت يا ترى هل أستطيع رؤية قصة في شيء صغير وتافه كهذا. ذلك كان سؤالًا روحانيًا وغامضًا: هل يُمكننا أن نرى الكون في الكون الصغير؟
تستند الرواية إلى مصادر أكاديمية عديدة. كيف يُمكن التوفيق بين السرد والبحث؟
البشر كائنات حية تسرد القصص. الخيال محور حياتي. سوى أنه لتنمية الخيال، يجب على المرء القراءة والبحث. ومؤسف أننا لا نحظى اليوم بتشجيع أكبر على وضْع كتب متعددة التخصصات. كل شيء مُجزأ ومُقسّم إلى أقسام. لدي إيمان بأن الفن والأدب لا يعرفان حدودًا. أعشق الروايات التي تجمع بين العقل والقلب، والعقل والمشاعر، لدي إيمان بأن على الكُتّاب ألا يتوقفوا أبدًا عن اًغاء والتعلم. لوضع هذا الكتاب، ركزتُ تحديدًا على علم الأعصاب، وعلم المياه، والتاريخ، والأساطير.
في روايتك السابقة، "جزيرة الأشجار المختفية" (2021)، كانت الشخصية الرئيسة شجرة تين. أما هنا، فهي قطرة ماء. هل يجب أن نجعل شخصيات غير بشرية في رواياتنا؟
للعالم غير البشري عبارة عن صوت لا نسمعه كوننا لا نسمع. نحن جزء صغير فقط من نظام بيئي هش. ليست الطبيعة خلفية أو مشهدًا سلبيًا؛ إنها ليست شيئًا نملكه، ولسنا منفصلين عن هذا الشيء. في الثقافة الإيزيدية، ظل الارتباط بالطبيعة أقوى بكثير. على سبيل المثال، يُعتقد أنه يجب على المرء أن يمشي ببطء في نيسان لأن الأرض حامل. ربما يبدو هذا سخيفًا لعقولنا الحديثة، لكن في هذه الفكرة جمالًا خاصًا.
طبعاً، من المخيف الكتابة من منظور حجر أو نهر أو جبل كما لو كانت شخصيات؛ فهذا يُخرج الكاتب من منطقة راحته. وإذا لم يستو ِ الأمر، تتداعى الرواية بالكامل. سوى أنني أحب هذا النوع من المخاطرة، وأشعر أن قصصي تقودني إلى هناك. عملية الكتابة غير منطقية تمامًا؛ لا أشعر بأنني أملك السرد أو أتحكم فيه. له إيقاعه الخاص، ومتطلباته الخاصة، وإيقاعه الخاص الذي يجب أن أخضع له. أشعر، في الكتابة، وكأنني أتصل بشيء أقدم، وأوسع، وأكثر حكمة مني.
المنفى والهجرة موضوعان محوريان في أعمالك. هل يمكننا أن نرى فيهما أثرًا لتجربتك كلاجئ سياسي؟
يثير المنفى فيّ حزنًا معينًا. لأن تركيا جزء لا يتجزأ من هويتي وكتاباتي، لكنني أشعر أيضًا بالارتباط بالبلقان والشرق الأوسط عمومًا. أصبحتُ بريطانية على مر السنين، وأعتبر نفسي أوروبية، ليس فقط بالولادة، إنما أيضًا بقيمي. كثيرًا ما أقول إنني مهاجرة مزدوجة، سواء من حيث الوطن أو اللغة. لم أنشأ وأنا أتحدث الإنكليزية؛ إنها لغتي الثالثة فقط - بعد الإسبانية. هذا الشعور بأنني أجنبية ليس من السهل تحمّله، ولكنه مُثر. على سبيل المثال، من المثير للاهتمام رؤية كيف يُعبَّر عن بعض المشاعر بسهولة أكبر بلغات مختلفة. لقد كتبتُ أساسًا باللغة الإنكليزية لأكثر من عشرين عامًا، لكنني أعود دائمًا إلى الترجمة التركية لأُحسِّن المفردات والإيقاع.
بصفتك من سكان لندن، ما رأيك في الحراك اليميني المتطرف الأخير؟
إنه أمر مقلق إلى أبعد حد. يجب أن تكون هناك طريقة عقلانية وإنسانية للحديث عن الهجرة، ومن المؤسف أن اليسار لا يوفّر سردية أفضل. الفراغ في هذه القضية يملأه يمين قومي متطرف، مثير للانقسام بشكل مضطرد، مدعوم من شركات التكنولوجيا وشخصيات مثل إيلون ماسك. إننا بحاجة إلى صوت جديد يصغي إلى المخاوف دون اللجوء إلى خطاب انقسامي وعدواني.
إحدى الشخصيات المحورية في "أنهار الجنة" هي عراف مياه، مستوحى من جدتك.
انتقل والداي إلى المملكة المتحدة معًا. بعد طلاقهما، عادت والدتي إلى تركيا، دون شهادة جامعية أو مال. استقرينا في حي محافظ للغاية وذكوري في أنقرة، وعلى الفور أراد الجيران إيجاد زوج مناسب لوالدتي. تدخلت جدتي لتشجيع ابنتها على العودة إلى الجامعة. كانت مناصرة لاستقلال المرأة وتعليمها. ربّتني جدتي حتى بلغتُ العاشرة، وبفضلها، أؤمن إيمانًا راسخًا بالأخوة: رأيتُ ما يحدث عندما تدعم النساء بعضهن البعض. يتجاوز أثر هذا الدعم الأجيال. تمكّنت والدتي من الانضمام إلى وزارة الخارجية، وتمكنتُ من السفر معها، وتعلّم اللغات، واكتشاف الأدب.
هل تساعد الكتابة على فهم تاريخك الشخصي؟
في صغري، شعرتُ بغضب قوي تجاه والدي، الذي لم يكن أبًا صالحًا. ذلك شعور خطير للغاية: يصبح سامًا ومتكررًا. ساعدتني الكتابة على تحويل هذا الغضب إلى شعور أكثر هدوءًا، بل وساعدتني أيضًا على فهم والدي بشكل أفضل. كان مواطنًا صالحًا، ومثقفًا جيدًا، وأبًا صالحًا لإخوتي غير الأشقاء. يُولي الأدب اهتمامًا لجوانب هوية الإنسان المختلفة، ولتفاصيلها الدقيقة. بفضله، لا أؤمن بالأبطال ولا بالشر المطلق.
في الرواية، يُتيح لي سرد قصة الماء الحديث عن مرونة الهوية... لا أحب أن أعتبر الهوية كتلةً صلبةً متجانسة. أراها طيفًا، تموجًا في الماء. هناك دائرة داخلية - العائلة، الأصدقاء، الجيران - لكن هذه الدائرة تتسع باستمرار، لتشمل مواطني بلد، منطقة، قارة، العالم أجمع. إذا تذكرنا وجود دوائر داخل دوائر الانتماء، وأن كلًا منا يحملها في داخله، فسيكون من الأسهل إيجاد أرضية مشتركة. إن اعتبار الهوية شيئًا مرنًا ومتعددًا ليس فقط أصح، بل هو أيضًا أقرب إلى الحقيقة.
في الرواية، الماء أيضًا أداة للسلطة. لماذا نُصوّره بهذه الطريقة؟
في الآونة الأخيرة، خلال الأزمة بين الهند وباكستان، رأينا كيف يُمكن أن يكون الماء مصدرًا للتوتر السياسي ويُستخدم كسلاح. ليس من المستبعد أن نتخيل حروبًا على المياه في المستقبل القريب. أنا من منطقة، الشرق الأوسط، حيث شكّل الماء الأراضي، لكن شحّ المياه أصبح الآن واقعًا مُقلقًا. هذه هي مفارقة تغير المناخ: فبينما يرتفع منسوب مياه البحر، لا نملك ما يكفي من مياه الشرب. حاليًا، لا يُمكننا الاستهانة بقطرة ماء واحدة. من المؤسف جدًا أننا نُضيّع وقتنا بخطابات انعزالية وقومية. لن ينجو إنسان من أزمة المياه على المديين المتوسط والطويل.
هل تعتقدين أن رواية "أنهار الجنة" خيال مناخي؟
يسمح لنا تاريخ الماء، ووفرته وندرته، في رأيي، بمناقشة أزمة المناخ. من الضروري أن يتفاعل الكُتّاب والشعراء والفنانون مع هذه اللحظة التاريخية. أنا مهتمة جدًا بالنسوية البيئية، وأعتقد أن الماء يُذكرنا بالترابط بين البيئة وعدم المساواة بين الجنسين والعرق والطبقة. إنه قوة تربط بين المساحات الجغرافية والزمانية. على سبيل المثال، نعلم أن النساء عادةً ما يضطررن لجلب مياه الشرب، مما يزيد إحصائيًا من خطر التعرض للعنف الجنسي. لذا، هناك صلة مباشرة بين العنف القائم على النوع الاجتماعي ونقص المياه.
تروي أكثر اللحظات المؤثرة في الكتاب اضطهاد الإيزيديين وإبادتهم الجماعية. كيف تناولتَ هذا الموضوع؟
باحترام وعناية كبيرين. قرأتُ العديد من الكتب التي تتناول الثقافة الإيزيدية وتاريخهم وتقاليدهم. كما أجريتُ العديد من المقابلات مع ناجين من الإبادة الجماعية، وباحثين، وعاملين في المجال الإنساني، ومعالجين نفسيين. يُعد الإيزيديون من أكثر الأقليات تعرضًا للاضطهاد في الشرق الأوسط، ويعيشون بشكل رئيس في العراق وتركيا وأرمينيا. يوثّق الكتاب ثلاثًا وسبعين مذبحة، كان آخرها إبادة جماعية ارتكبها متشددو داعش أمام عيون العالم عام ٢٠١٤. لم يُناقش الأمر إلا قليلاً، لكن من أوائل أعمال الإبادة الجماعية، تسميم الآبار لحرمان السكان من مياه الشرب. ثم جرى إعدام الجنود كبار السن لمحو الذاكرة الجماعية، قبل قتل الرجال واختطاف النساء والأطفال.
مرّت عشر سنوات، وحتى اليوم، لا تزال أكثر من ثلاثة آلاف امرأة مفقودات ومستعبدات. من سمات الإبادة الجماعية إبادة ثقافة الشعب المضطهد. على العكس من ذلك، يُعجبني أن الكُتّاب هم حُرّاس الذاكرة. أودّ التحدث عن الصمت، وعن أولئك الذين تم إسكاتهم.
L’autrice Elif Shafak : “Grâce à la littérature, je ne crois ni aux héros, ni au mal absolu”
إضاءة حول أليف شفق رغم ذيوع صيتها
وُلدت أليف شفق،، في 25 تشرين الأول 1971 في ستراسبورغ، فرنسا، لأبوين تركيين، وهي كاتبة تركية حيث تعيش وتعمل في لندن. وقد تدربت في العلاقات الدولية في جامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة، ونالت درجة الماجستير في دراسات النوع الاجتماعي، مع التركيز على فهم الدراويش غير التقليدية، ثم نوقشت أطروحتها للدكتوراه في العلوم السياسية بعنوان " الأدوار الجنسانية الذكورية في الثقافة التركية وتحديث تركيا Male Gender Roles in Turkish Culture and Turkey’s Modernization ". وقادتها مسيرتها الأكاديمية إلى التدريس في الولايات المتحدة، بدايةً في كلية ماونت هوليوك، وتالياً في جامعة ميشيغان (دراسات النوع الاجتماعي والمرأة)، قبل أن تصبح أستاذة متفرغة لدراسات الشرق الأدنى في جامعة أريزونا. حصلت على جائزة بائعي الكتب النمساويين للتسامح في الفكر والفعل (Ehrenpreis des österreichischen Buchhandels für Toleranz in Denken und Handeln).
في روايتها "لقيطة ستانبول" (2006)، وهي أيضًا من أكثر الكتب مبيعًا، تتشابك مصائر عائلة تركية وعائلة أرمنية من خلال عيون النساء؛ وقد أدى تناولها للإبادة الجماعية للأرمن إلى محاكمتها بموجب المادة 301، والتي رُفضت في النهاية. حُوِّلت الرواية إلى مسرح في إيطاليا عام 2015 من قِبل أنجيلو سافيلي، وبطولة سيرا يلماز.
بكتابتها الإنكليزية، المتأثرة بشدة بستانبول ومضيق البوسفور، ينسج نثرها الواسع والرحب أصوات المهمشين والمقربين منهم، ويربط إنجلترا ببلاد الرافدين، ويستحضر ديكنز وجلجامش من خلال استعارة الماء، ويكشف عن التزام بتحرير الكلام: هذه هي السمة الفريدة لأعمال أليف شفق.
إنها مؤلفة ثلاث عشرة رواية، منها "جزيرة الأشجار المختفية"، التي وصلت إلى نهائيات جوائز الكتاب البريطاني وجائزة المرأة، و"عشر دقائق و٣٨ ثانية في هذا العالم الغريب"، و"بنات حواء"، و"مهندس السلطان"، و"لقيطة ستانبول" السالفة الذكر. وقد تُرجمت أعمالها، التي مُنحت عنها وسام فارس الفنون والآداب، إلى ٥٨ لغة. وهي تناضل من أجل حقوق المرأة وتساهم بانتظام في صحيفة نيويورك تايمز وصحيفة الغارديان وصحيفة الجمهورية.المترجم
الكاتبة أليف شفق: "بفضل الأدب، لا أؤمن بالأبطال ولا بالشر المطلق". هذه قصة قطرة ماء تسافر عبر القرون. مستكشفةً العالم غير البشري من جديد، تُقدّم الكاتبة التركية، من خلال "أنهار الجنة"، سردًا تاريخيًا عن تغير المناخ واضطهاد الإيزيديين. مقابلة.
النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود
أليف شفق: "أعتقد أن الماء يُذكرنا بالترابط بين البيئة، وعدم المساواة بين الجنسين، وعدم المساواة العرقية، وعدم المساواة الطبقية". تصوير: فرحات أليف/فلاماريون
في رواية "أنهار الجنة" (التي نشرتْها فلاماريون الفرنسية)، تسرد الكاتبة التركية أليف شفق ( كاتبة رواية "لقيطة ستانبول" و"حليب أسود...")، اللاجئة في المملكة المتحدة منذ ما يقرب من عشرين عامًا، قصة قطرة ماء عبرت قرونًا وقارات. إنها حكاية خرافية، تستكشف، من بين أمور أخرى، عواقب تغير المناخ واضطهاد الإيزيديين في الشرق الأوسط. التقينا بالكاتبة خلال زيارتها لباريس في أيلول.
كيف بدأت هذه القصة؟
بينما كنت أتنزه على ضفاف نهر التايمز في لندن، سقطت قطرة مطر على رأسي. الرسام وليم بليك أراد أن يرى العالم كله في حبة رمل. تساءلت يا ترى هل أستطيع رؤية قصة في شيء صغير وتافه كهذا. ذلك كان سؤالًا روحانيًا وغامضًا: هل يُمكننا أن نرى الكون في الكون الصغير؟
تستند الرواية إلى مصادر أكاديمية عديدة. كيف يُمكن التوفيق بين السرد والبحث؟
البشر كائنات حية تسرد القصص. الخيال محور حياتي. سوى أنه لتنمية الخيال، يجب على المرء القراءة والبحث. ومؤسف أننا لا نحظى اليوم بتشجيع أكبر على وضْع كتب متعددة التخصصات. كل شيء مُجزأ ومُقسّم إلى أقسام. لدي إيمان بأن الفن والأدب لا يعرفان حدودًا. أعشق الروايات التي تجمع بين العقل والقلب، والعقل والمشاعر، لدي إيمان بأن على الكُتّاب ألا يتوقفوا أبدًا عن اًغاء والتعلم. لوضع هذا الكتاب، ركزتُ تحديدًا على علم الأعصاب، وعلم المياه، والتاريخ، والأساطير.
في روايتك السابقة، "جزيرة الأشجار المختفية" (2021)، كانت الشخصية الرئيسة شجرة تين. أما هنا، فهي قطرة ماء. هل يجب أن نجعل شخصيات غير بشرية في رواياتنا؟
للعالم غير البشري عبارة عن صوت لا نسمعه كوننا لا نسمع. نحن جزء صغير فقط من نظام بيئي هش. ليست الطبيعة خلفية أو مشهدًا سلبيًا؛ إنها ليست شيئًا نملكه، ولسنا منفصلين عن هذا الشيء. في الثقافة الإيزيدية، ظل الارتباط بالطبيعة أقوى بكثير. على سبيل المثال، يُعتقد أنه يجب على المرء أن يمشي ببطء في نيسان لأن الأرض حامل. ربما يبدو هذا سخيفًا لعقولنا الحديثة، لكن في هذه الفكرة جمالًا خاصًا.
طبعاً، من المخيف الكتابة من منظور حجر أو نهر أو جبل كما لو كانت شخصيات؛ فهذا يُخرج الكاتب من منطقة راحته. وإذا لم يستو ِ الأمر، تتداعى الرواية بالكامل. سوى أنني أحب هذا النوع من المخاطرة، وأشعر أن قصصي تقودني إلى هناك. عملية الكتابة غير منطقية تمامًا؛ لا أشعر بأنني أملك السرد أو أتحكم فيه. له إيقاعه الخاص، ومتطلباته الخاصة، وإيقاعه الخاص الذي يجب أن أخضع له. أشعر، في الكتابة، وكأنني أتصل بشيء أقدم، وأوسع، وأكثر حكمة مني.
المنفى والهجرة موضوعان محوريان في أعمالك. هل يمكننا أن نرى فيهما أثرًا لتجربتك كلاجئ سياسي؟
يثير المنفى فيّ حزنًا معينًا. لأن تركيا جزء لا يتجزأ من هويتي وكتاباتي، لكنني أشعر أيضًا بالارتباط بالبلقان والشرق الأوسط عمومًا. أصبحتُ بريطانية على مر السنين، وأعتبر نفسي أوروبية، ليس فقط بالولادة، إنما أيضًا بقيمي. كثيرًا ما أقول إنني مهاجرة مزدوجة، سواء من حيث الوطن أو اللغة. لم أنشأ وأنا أتحدث الإنكليزية؛ إنها لغتي الثالثة فقط - بعد الإسبانية. هذا الشعور بأنني أجنبية ليس من السهل تحمّله، ولكنه مُثر. على سبيل المثال، من المثير للاهتمام رؤية كيف يُعبَّر عن بعض المشاعر بسهولة أكبر بلغات مختلفة. لقد كتبتُ أساسًا باللغة الإنكليزية لأكثر من عشرين عامًا، لكنني أعود دائمًا إلى الترجمة التركية لأُحسِّن المفردات والإيقاع.
بصفتك من سكان لندن، ما رأيك في الحراك اليميني المتطرف الأخير؟
إنه أمر مقلق إلى أبعد حد. يجب أن تكون هناك طريقة عقلانية وإنسانية للحديث عن الهجرة، ومن المؤسف أن اليسار لا يوفّر سردية أفضل. الفراغ في هذه القضية يملأه يمين قومي متطرف، مثير للانقسام بشكل مضطرد، مدعوم من شركات التكنولوجيا وشخصيات مثل إيلون ماسك. إننا بحاجة إلى صوت جديد يصغي إلى المخاوف دون اللجوء إلى خطاب انقسامي وعدواني.
إحدى الشخصيات المحورية في "أنهار الجنة" هي عراف مياه، مستوحى من جدتك.
انتقل والداي إلى المملكة المتحدة معًا. بعد طلاقهما، عادت والدتي إلى تركيا، دون شهادة جامعية أو مال. استقرينا في حي محافظ للغاية وذكوري في أنقرة، وعلى الفور أراد الجيران إيجاد زوج مناسب لوالدتي. تدخلت جدتي لتشجيع ابنتها على العودة إلى الجامعة. كانت مناصرة لاستقلال المرأة وتعليمها. ربّتني جدتي حتى بلغتُ العاشرة، وبفضلها، أؤمن إيمانًا راسخًا بالأخوة: رأيتُ ما يحدث عندما تدعم النساء بعضهن البعض. يتجاوز أثر هذا الدعم الأجيال. تمكّنت والدتي من الانضمام إلى وزارة الخارجية، وتمكنتُ من السفر معها، وتعلّم اللغات، واكتشاف الأدب.
هل تساعد الكتابة على فهم تاريخك الشخصي؟
في صغري، شعرتُ بغضب قوي تجاه والدي، الذي لم يكن أبًا صالحًا. ذلك شعور خطير للغاية: يصبح سامًا ومتكررًا. ساعدتني الكتابة على تحويل هذا الغضب إلى شعور أكثر هدوءًا، بل وساعدتني أيضًا على فهم والدي بشكل أفضل. كان مواطنًا صالحًا، ومثقفًا جيدًا، وأبًا صالحًا لإخوتي غير الأشقاء. يُولي الأدب اهتمامًا لجوانب هوية الإنسان المختلفة، ولتفاصيلها الدقيقة. بفضله، لا أؤمن بالأبطال ولا بالشر المطلق.
في الرواية، يُتيح لي سرد قصة الماء الحديث عن مرونة الهوية... لا أحب أن أعتبر الهوية كتلةً صلبةً متجانسة. أراها طيفًا، تموجًا في الماء. هناك دائرة داخلية - العائلة، الأصدقاء، الجيران - لكن هذه الدائرة تتسع باستمرار، لتشمل مواطني بلد، منطقة، قارة، العالم أجمع. إذا تذكرنا وجود دوائر داخل دوائر الانتماء، وأن كلًا منا يحملها في داخله، فسيكون من الأسهل إيجاد أرضية مشتركة. إن اعتبار الهوية شيئًا مرنًا ومتعددًا ليس فقط أصح، بل هو أيضًا أقرب إلى الحقيقة.
في الرواية، الماء أيضًا أداة للسلطة. لماذا نُصوّره بهذه الطريقة؟
في الآونة الأخيرة، خلال الأزمة بين الهند وباكستان، رأينا كيف يُمكن أن يكون الماء مصدرًا للتوتر السياسي ويُستخدم كسلاح. ليس من المستبعد أن نتخيل حروبًا على المياه في المستقبل القريب. أنا من منطقة، الشرق الأوسط، حيث شكّل الماء الأراضي، لكن شحّ المياه أصبح الآن واقعًا مُقلقًا. هذه هي مفارقة تغير المناخ: فبينما يرتفع منسوب مياه البحر، لا نملك ما يكفي من مياه الشرب. حاليًا، لا يُمكننا الاستهانة بقطرة ماء واحدة. من المؤسف جدًا أننا نُضيّع وقتنا بخطابات انعزالية وقومية. لن ينجو إنسان من أزمة المياه على المديين المتوسط والطويل.
هل تعتقدين أن رواية "أنهار الجنة" خيال مناخي؟
يسمح لنا تاريخ الماء، ووفرته وندرته، في رأيي، بمناقشة أزمة المناخ. من الضروري أن يتفاعل الكُتّاب والشعراء والفنانون مع هذه اللحظة التاريخية. أنا مهتمة جدًا بالنسوية البيئية، وأعتقد أن الماء يُذكرنا بالترابط بين البيئة وعدم المساواة بين الجنسين والعرق والطبقة. إنه قوة تربط بين المساحات الجغرافية والزمانية. على سبيل المثال، نعلم أن النساء عادةً ما يضطررن لجلب مياه الشرب، مما يزيد إحصائيًا من خطر التعرض للعنف الجنسي. لذا، هناك صلة مباشرة بين العنف القائم على النوع الاجتماعي ونقص المياه.
تروي أكثر اللحظات المؤثرة في الكتاب اضطهاد الإيزيديين وإبادتهم الجماعية. كيف تناولتَ هذا الموضوع؟
باحترام وعناية كبيرين. قرأتُ العديد من الكتب التي تتناول الثقافة الإيزيدية وتاريخهم وتقاليدهم. كما أجريتُ العديد من المقابلات مع ناجين من الإبادة الجماعية، وباحثين، وعاملين في المجال الإنساني، ومعالجين نفسيين. يُعد الإيزيديون من أكثر الأقليات تعرضًا للاضطهاد في الشرق الأوسط، ويعيشون بشكل رئيس في العراق وتركيا وأرمينيا. يوثّق الكتاب ثلاثًا وسبعين مذبحة، كان آخرها إبادة جماعية ارتكبها متشددو داعش أمام عيون العالم عام ٢٠١٤. لم يُناقش الأمر إلا قليلاً، لكن من أوائل أعمال الإبادة الجماعية، تسميم الآبار لحرمان السكان من مياه الشرب. ثم جرى إعدام الجنود كبار السن لمحو الذاكرة الجماعية، قبل قتل الرجال واختطاف النساء والأطفال.
مرّت عشر سنوات، وحتى اليوم، لا تزال أكثر من ثلاثة آلاف امرأة مفقودات ومستعبدات. من سمات الإبادة الجماعية إبادة ثقافة الشعب المضطهد. على العكس من ذلك، يُعجبني أن الكُتّاب هم حُرّاس الذاكرة. أودّ التحدث عن الصمت، وعن أولئك الذين تم إسكاتهم.
L’autrice Elif Shafak : “Grâce à la littérature, je ne crois ni aux héros, ni au mal absolu”
إضاءة حول أليف شفق رغم ذيوع صيتها
وُلدت أليف شفق،، في 25 تشرين الأول 1971 في ستراسبورغ، فرنسا، لأبوين تركيين، وهي كاتبة تركية حيث تعيش وتعمل في لندن. وقد تدربت في العلاقات الدولية في جامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة، ونالت درجة الماجستير في دراسات النوع الاجتماعي، مع التركيز على فهم الدراويش غير التقليدية، ثم نوقشت أطروحتها للدكتوراه في العلوم السياسية بعنوان " الأدوار الجنسانية الذكورية في الثقافة التركية وتحديث تركيا Male Gender Roles in Turkish Culture and Turkey’s Modernization ". وقادتها مسيرتها الأكاديمية إلى التدريس في الولايات المتحدة، بدايةً في كلية ماونت هوليوك، وتالياً في جامعة ميشيغان (دراسات النوع الاجتماعي والمرأة)، قبل أن تصبح أستاذة متفرغة لدراسات الشرق الأدنى في جامعة أريزونا. حصلت على جائزة بائعي الكتب النمساويين للتسامح في الفكر والفعل (Ehrenpreis des österreichischen Buchhandels für Toleranz in Denken und Handeln).
في روايتها "لقيطة ستانبول" (2006)، وهي أيضًا من أكثر الكتب مبيعًا، تتشابك مصائر عائلة تركية وعائلة أرمنية من خلال عيون النساء؛ وقد أدى تناولها للإبادة الجماعية للأرمن إلى محاكمتها بموجب المادة 301، والتي رُفضت في النهاية. حُوِّلت الرواية إلى مسرح في إيطاليا عام 2015 من قِبل أنجيلو سافيلي، وبطولة سيرا يلماز.
بكتابتها الإنكليزية، المتأثرة بشدة بستانبول ومضيق البوسفور، ينسج نثرها الواسع والرحب أصوات المهمشين والمقربين منهم، ويربط إنجلترا ببلاد الرافدين، ويستحضر ديكنز وجلجامش من خلال استعارة الماء، ويكشف عن التزام بتحرير الكلام: هذه هي السمة الفريدة لأعمال أليف شفق.
إنها مؤلفة ثلاث عشرة رواية، منها "جزيرة الأشجار المختفية"، التي وصلت إلى نهائيات جوائز الكتاب البريطاني وجائزة المرأة، و"عشر دقائق و٣٨ ثانية في هذا العالم الغريب"، و"بنات حواء"، و"مهندس السلطان"، و"لقيطة ستانبول" السالفة الذكر. وقد تُرجمت أعمالها، التي مُنحت عنها وسام فارس الفنون والآداب، إلى ٥٨ لغة. وهي تناضل من أجل حقوق المرأة وتساهم بانتظام في صحيفة نيويورك تايمز وصحيفة الغارديان وصحيفة الجمهورية.المترجم