لوحة فنية متخيلة لقابيل " قايين "
قبعة ضوء دائرية، ثمة رجل يظهر كبيراً في العمر. شبه أصلع، يلبس نظارة، يقتعد كرسياً، وأمامه كرسي يحمل أوراقاً وقلماً بيده، وهو يضع يده الأخرى على صدغه الأيسر، وبنظرات شبه شاردة، الوقت متأخر في الليل، والصمت يشغل المكان
طرْق على الباب.. لا حركة.. طرق أقوى من ذي قبل.. يرفع الرجل رأسه ويصغي..طرقات عدة..يتجه الرجل إلى حيث الباب. ثمة في هيئة شبح بالكاد يُرى وجهه، وقد غطاه شعر طويل وعينان غائرتان، وشبه لهاث دال على إعياء
الرجل: من تكون؟
الطارق" بصوت شبه مخنوق: على الأقل اسمح لي بالدخول
" بعد صمت ونظرة حائرة "
-تفضل
" ثمة كرسي مجاور للطاولة "
الرجل: تفضل اجلس هنا
" مشيراً إلى الكرسي المجاور . يجلس ويتنهد بعمق ورأسه مطأطأ. ثمة صلع في هامة رأسه وخدوش . يرفع الطارق رأسه ويزرع المكان شبه المعتم في محيطه، بنظرات فضول وإعياء، ثم يتجه إلى الرجل الذي عاد إلى كرسيه هو الآخر:
-أتريد أن تعرف من أنا، ولماذا هذا النزع الأخير من الليل؟
الرجل:أعتقد أن ذلك من حقي
" يقولها بهدوء، وهو يتلمس تعباً لا يُشَك في عينيه الصغيرتين الغائرين. يهز الطارق رأسه ":
-نعم، حق، حقك !
الرجل: ألا يجب أن تقول من أنت، وفي هذا الوقت بالذات؟
-الطارق: لقد أصبحتُ خارج الزمن.. لا وقت يُحتسَب لي، وأنا في هذا العمر الذي يستحيل عليك تقديره..ليس من مكان إلا ومررت به، أو أقمت فيه لبعض الوقت..والليل وحده غطائي.. وطرْق للأبواب دأبي، وفي مثل هذا الوقت دائماً..
" يفتح الرجل عينيه على وسعهما، وهو مندهش مما يسمع.ثمة رهبة تسربت إلى داخله على وقع حديث، فقدّر أن عليه أن يكون دقيقاً "
-لقد أبعدتَّني عنك، كما أعرف غيرك، وقرَّبتني منك كثيراً، يشدني فضول لمعرفتة، وأنت لا تظهر ككل هؤلاء الذين رأيتهم أو تعرفتُ عليهم.
الطارق: هل ستصدقني، إذا قلتها مباشرة ؟
-الرجل" بعد تردد ": الآن أو بعد الآن، ستقولها. قلها لنحسن النظر إلى بعضنا بعضاً بصورة أفضل .
" يستقيم الطارق على كرسيّه ، وينظر في عيني الرجل، فاتحاً عينيه على وسعهما":
-أنا قابيل!
" يتراجع الرجل إلى الوراء، وكاد أن يقع مع كرسيه، ثم يستعيد توازنه "
-أي قابيل
" يبتسم الطارق ابتسامة سريعة، مع مسحة سخرية "
-أعتقد أنك كاتب من خلال أوراقك، ولهذا طرقت بابك.. وهل هناك أكثر من قابيل ؟
الرجل: لا تذهب بعيداً. من حقي أيضاً أن أعرف.. أتقصد قابيل الذي نعرفه منذ زمان ضارب في القدم ؟
الطارق:ليس سواه..ونادني إذا أردت: قابيل.
الرجل:ولكن ثمة غرابة في مظهرك وفي ظهورك هنا،عم تبحث، ولمَ قصدتني أنت بالذات؟
قابيل: ألم يُحكَم علي بالتيه والطرد الأبدي، أي عدم الاستقرار في المكان الواحد..أليست هي عقوبتي التي جرى تثبيتها علي؟
-الرجل:نعم، هي كذلك، وماذا يجب علي فعله؟
قابيل: باعتبارك كاتباً، والحقيقة هي التي تهمك طبعاً، ولديك طول باع في هذا الجانب من خلال كتاباتك..فقدّرت أنه يمكنك أن تعيد النظر في قضيتي. في حقيقتي وما إذا كنت القاتل الأول في روزنامة البشرية أم لا ؟
" ينكمش الرجل على نفسه، ويلتفت يميناً ويساراً "
-وأي يقين لديك في أن شخصاً مثلي، يمكن أن يقر بما يصعب عليه النظر فيه بهذا الصدد؟
قابيل: أنت رجل تفكير..ركّز على اسمي وموضوعي..لماذا جرى أخْذ قابيل باسمه وبما نسِب إليه جُرماً، وكأنه حقيقة مسجلة في التاريخ وإلى الآن؟ لماذا تأخذون ما جرى تسطيره، وبلسان غير بشري، كما تجري الأمور فيما بينكم. لماذا تعتبرونني القاتل الأول؟
الرجل: هكذا جرى تثبيت الاسم وملفه الشخصي مذ كان الإنسان..ونحن محكومون بالتقيد بما جرى.
قابيل" وهو يحاول النهوض "
-سأخرج قبل طلوع الضوء..آمل أن تفكّر في الموضوع ملياً.. هناك زيارة ثانية لي إليك قريباً
" يدير ظهره، ويفتح الباب ويختفي دون أن يترك أثراً "
"يضع الرجل رأسه بين راحتي يديه، وهو يفكر بما جرى، بمونولوج خاص به":
أيعقل أن يكون هو نفسه قابيل؟
هناك أمور تحصل لا قدرة لنا على استيعابها.
ولكن موضوع قابيل، وكما قال قابيل أم شبح قابيل، يستحق النظر الدقيق فيه.لماذا أخذناه حرفياً كما لو أنه حدث في الأمس؟
إذا كان موضوعه جديراً بالنظر فيه، فأي قوة قادرة على تغيير محتواه في علامته الفارقة؟
" يهز رأسه، ثم يلصق جبهته على سطح الطاولة، وينام "
" الرجل في الهيئة الأولى نفسها، وفي التوقيت الليلي نفسه، يحدث الطرق على الباب. لا ينتظر سريعاً، يتوقعه هو، يمضي إليه، ويفتحه، وهو بالمظهر نفسه، إنما بدا وجهه أكثر انفتاحاً في ملامحه. يمضي كل منهما إلى كرسيه "
قابيل:جئتك يحدوني الأمل أنك وجدت مخرجاً لي مما أنا فيه!
" صمت يطول لبعض الوقت، ورأس الرجل مطأطأ قليلاً، ثم ينظر إليه"
-بناء على أي تقدير تجدني منقذك؟
قابيل: كونك تبحث عن الحقيقة وقد نذرت نفسك لها. وموضوعي يهمك.. فأنت حفيدي، وهو ما يجب عليك أن تعرفه !
" ينظر إليه الرجل، وقد تلبسته دهشة على وقْع كلمة " حفيدي " نبهته إلى ما لم يفكر فيه من قبل "
-وماذا في مقدور حفيد محدود القوى، لجد هائل القوى، وعمَّر آلاف السنين، وعرف عالماً واسعاً ولغات ؟
قابيل:اعترف إذاً بخوفك مما يمكن أن يحصل دون باشرت النظر في موضوعي من زاوية أخرى ؟
الرجل " بعد التقاط أنفاس " يا...
قابيل: قل يا جدي.. لنفهم بعضنا بعضاً أكثر..
الرجل: يا.. جدي..حتى لو قلت إنك مظلوم بالطريقة التي تناولوك فيها تاريخياً، واعتبروك...القاتل الأول في التاريخ..كيف يمكن لضعيف مثلي أن يتحدى كل هؤلاء الذين ينظرون إليك،خلاف ما تراه..لا أكثر من الكتب التي قرأتها في هذا الموضوع.. كلها تتفق على النقطة هذه.. هناك حدود يستحيل على أمثالنا تخطيها، ليس في موضوعك وإنما في موضوعات أخرى وهي كثيرة..
قابيل: قل إذاً عن أنكم تتجاوبون بنفوسكم الضعيفة مع ما ليس صحيحاً ويجمَّل في عيونكم..
الرجل" وهو يشبك ما بين أصابعه ": سأحاول النظر مجدداً، إنما لا أعدُك بشيء لأكون واضحاً معك.
" ينهض قابيل سريعاً هذه المرة، وهو يصفق الباب وراءه "
" يبقى الرجل في مكانه كما لو أن قوة صادرت عليه كل حركاته. وهو ينظر هنا وهناك، وقلمه يتمرج بين أصابعه "
-ماذا يمكنني قوله أو كتابته فيه؟ لا شك أنه محق في الكثير مما تفوه به..لو كان قاتلاً محترفاً، لكان يفتخر بما صنعته يداه..وهو طوال هذه الآلاف المؤلفة من السنين، لا يزال يصرخ هنا وهناك، هارباً من مصيره المحتوم إلى مصيره المحتوم، ويبحث عمّن ينظر في حقيقة أمره، وهو يتألم ويكابد..إذا اعترفتُ كتابة بمظلوميته، كيف يمكنني أنا أن أنظر إلى نفسي في الحالة هذه؟ وهو مقيم داخلي وفي نفْس كل آدمي؟
ما الجرأة الممكنة التي تدفع بي لأن أواجه نفسي، دون وجود صورة قابيل أو ما نسِب إليه سلوكاً؟
العنف الذي انبثق من بين يديه لا يزال يدشن تاريخنا، هل يمكنني بجرة قلم نفيه، واعتباره وهماً.
" ثم يهدأ ويثبت عينيه على الأوراق المتناثرة على طاولته، ويلمح سكينة على طرفها"
-إذا كان هناك ما يمكنني فعله لا بد أن أقتل صورته، شبحه المتجذر في نفسي "
" يحمل السكين، ويده ترتعش "
-إذا طعنت نفسي، أي قتلت نفسي، سأنتهي أنا أيضاً مع نفسي، وسأكون قاتلاً من نوع آخر، وسيبقى قابيل، وهو يطرق الأبواب في النزع الأخير من كل ليل
" انتهى "