مبارك وساط (شاعر غبار الأرض ووهجِ الأفق) - لحظات رفقةَ أحمد بركات

هنالك شُعراء يَعبُرون سماء الإبداع بِسُرعة فائقة، من بينهم من يُخلِّفُ أعمالاً مُكتملة على المُستوى الجماليّ، مثل طَرفة بن العبد أو رامبو ...، وقد يجتاز آخرون تخوم العالم المعروف، تاركين قصائد تحْمِلُ لنا ما كانَ وعداً بِأنّ الأجمل هو الآتي، هو ما لمْ يُكتبْ بعد. و من الغريب أنّ هنالك نزوعاً شبه عامّ في بلادنا إلى تغييبِ مُبدعين من الذّاكرة الجماعيّة، مباشرة بعد وفاتهم. و بالمُقابل، ففي البُلدان الغربيّة، هنالك تمسّك بإبقاء الذّاكرة الجماعيّة في أتَمّ الحيويّة...
هذه بَعضٌ من الأفكار التي جالتْ بذهني، و أنا أعيد قراءة قصائد للشّاعر المغربي أحمد بركات الذي رحل وهو في الرّابعة والثّلاثين مِن عمره.
1- وردةٌ تُوَبِّخ العالَم
"أبدا لن أساعد الزّلزال"، هو عنوان مجموعة أحمد بركات ( 1960- 1994) الأولى، وهو، أيضا، عنوان واحِدة من قصائد هذه المجموعة الّتي صدرتْ سنة 1991. نقرأ، في هذه القصيدة: « ... وأعرف – بالبداهة - أنّني عما قريب سأذهب مع الأشياء / الّتي تبحث عن أسمائها فوق سماء أجمل / ولن أساعد الزلزال / فقط، سأقف لحظة أخرى / تحت ساعة الميدان الكبيرة...». إنّ لدى الشّاعر توقًا إلى سماء أجمل، إلى الرّحيل، بعد إلقاء نظرة، خلال لحظة وجيزة، على الكائنات و الأشياء من تحت ساعة الميدان الكبيرة. والشّاعر الذي عانى من المرض و من ظروف العيش الصّعبة، لا يحمل لهذه الأرض الّتي هي ملاذُ الكائن الحيّ أيَّ ضغينة، و لذا فهو « أبدا، لن يُساعِد الزّلزال»... هذا التّوق إلى « سماء أجمل» هو، بلا شَكّ، ما دفع بأحمد بركات إلى كتابة الشِّعر، و ربّما يكون هو الذي جعله يشعر بأنه « عمّا قريب سيذهب مع الأشياء التي تبحثُ عن أسمائها»...
في القصيدة نفسِها، نقرأ: « أخطو كأني ذاهب على خطّ نِزاع / وكأن معي رسائلَ لجنود/ ورايةً جديدة لمعسكر جديد / بينما الثَّواني التي تأتي من الوراء تقصف العمر...». إنّنا نشعر، من خلال هذه الأبيات، أنّ الشّاعر كان مُرهف الإحساس إزاء مَفعول الزَّمن، الهدّام في نهاية المطاف بالنّسبة للإنسان. و لا يتعلّقُ الأمر، هنا، بأثر السّنوات الطّويلة فحسب، بل حتّى بِقَصْفِ الثّواني... قد يعود هذا إلى شعور بركات بعدم الارتياح للإقامة تحت هذه السّماء المألوفة، الّتي كثيرا ما تَنْقُصُها الطّلاوة، لكونها شاهِدة على ما يَعتور حياة سكّان الأرض من وقائع ليستْ دائماً بالجميلة، و لا حتّى بالمقبولة.
تبتدئ قصيدة أحمد بركات، "أبداً لَن أُساعِد الزّلزال"، بالأبيات التّالية: « حذِرٌ، كأنّي أحمل في كفِّي الوردةَ التي توبّخ العالم / الأشياء الأكثر فداحة: / قلب شاعر في حاجة قصوى إلى لغة/ والأسطح القليلة المتبقية من خراب البارحة ...». هنا، نجِد أنفُسنا رفقة شاعر يتحرّك بحذر، حتّى لا تسقُط من كفّه الأشياء الأثيرة لديْه، و من بينها الوردة التي تُوَبِّخ العالَم. لا رومانسيّة في هذه الصُّورة الأخيرة، و إن بدا الأمرُ كذلك للوهلة الأولى. فالوردة، في هذا السّياق، ليستْ تجسيدا لجمالٍ مُبهَم ثابتِ السِّمات، بل هي كائن حيّ يتكاثَفُ فيه الحِسّ الجماليّ، الّذي يجعلُ صاحِبه يكتفي بتوبيخ العالَم، رغم فداحة الخُطــوب... و يبقى التّجَدّد أمراً وارداً، طبعــاً، بالنّسبة للشّاعر، فالعالَم لا بُدّ و أن يتجاوز صيغتَه الحاليّة، الّتي لا يتبدّى في نطاقها أنّ الرّوح الخلاقة لبني البشر هي التي حازت الغَلَبة: « لكن، أين أخبِّئُ هذه الأرض الجديدة التي تتكوَّن في عين التِّلميذ؟ / وماذا سيقول المعلِّم / إذا سأله النّهر؟..».
لا يستطيع من يقرأ مجموعة "أبدا لن أساعِد الزّلزال"، بعد وفاة صاحِبِها، إلا أن يشعر بِأنّ هذا الأخير رُبّما كان قد أحسَّ بشكل غامض، بأنّ عبوره على الأرض سيكونُ وجيزاً. لِنقرأ: « وأنا حذِر، أخطو نحوكم وكأن السُّحُب الأخيرة تُحَمِّلني /أمطارها الأخيرة...». إنّ تعبيراً مثل هذا يكتسي طابَعاً رؤيَوِيّاً بالنِّسْبة لِمَنْ يقرؤهُ اليوم.
في سنة 1994، ظهرتْ مجموعة أحمد بركات الثّانية، تحت عنوان: « دفاترالخُسران».
يُمكنُنا أنْ نجد في هذه المجموعة، نُصوصاً تحمل أصداء الحياة اليوميّة بما يُحَرِّكُها من صِراعات: « من منكم يعرِف عدد القتلى هذا الصّباح؟/ في علمي أنّ هنالك أسْرى بلا عدد / هذا دُونَ أنْ أذكُرَ العُميان / و من يَضَعُ النّظّارات...». فنظرةُ الشّاعِر إلى العالَم من حوله، تتمُّ من خلال استبطانِه للواقع السّيّاسي-الاجتماعي الذي يعيشُ فيه: « ... خُذي هذه اللحظة / إنّها تطير بأجنحة من الضَّوء / هنا / الضّوء / ضَوءُ نهار / هارب من الحَبْس...»، « هذا ضوءٌ دَليل يموتُ في قارعة الطّريق / هذا صوتٌ أزرقُ ضائــع / وهذه طفولة نائمة على العتبات». و رغم كُلِّ هذا، يبقى هُنالك، بالضّرورة، وقتٌ للحُبّ: « تعالَيْ سنُمطِرُ معا / تحت هذه المِظلّة»...
*****

1.jpg

هذه قصيدة لأحمد بركات بعنوان: الأرض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأرض ليست لأحد
ا لأرض لمن لا يملك مكاناً آخر
الأرض عباءة الموتى
والأرض عزاء
الأرض درب
مقيمون وجوّالون
الأرض شارع بأعمدة وعابرين
الأرض قفص عصافير وحلّاقين
الأرض حانوت هَمّ
عويل العربات
الأرض غبار
الأرض مقهى مفتوح ليلَ نهار
الأرض مسجد صغير
به حرم صغير
فيه قبر صغير
عليه شمعة صغيرة أيضاً
الأرض في كفّ صبي يقف عند باب المسجد
الأرض في كفّه قرش واحد
الأرض ليست لأحد
الأرض لمن لا يملك مكاناً آخر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى