أدب السجون لطيفة زهرة المخلوفي - السجن مرآة للهيمنة: أنجيلا ديفيس وسؤال العدالة في المغرب.

إن الحديث عن فكر أنجيلا ديفيس يقربنا من مشروع تحرري تأسس على قاعدة صلبة، هي مناهضة الرأسمالية والعنصرية. مقاومة "أنجيلا" كانت تعبيرًا عن رفضها المطلق للمركزية الغربية البيضاء، التي بَنت ركائز حضارتها وتقدمها على حساب ملايين السود المضطهدين/ات، عرقيًا وطبقيا، نتيجة فرض جدران فصل عنصري طبقي تعيد إنتاج نفسها في قوالب غير مرئية.
انسجامًا مع هذه الرؤية الراديكالية، وضعت "أنجيلا ديفيس" قضية العنصرية في قلب مقاربتها للسجن.
لم تختزل السجن في مجرد مؤسسة ترعى العقاب بمضمونه الطبقي، بل تقدمت أكثر لتميط اللثام عن الهوية العميقة للسجن، مؤكدة أنه غير مستقل عن طبيعة المجتمع الذي أنتجه؛ فهو انعكاس لبنية اجتماعية واقتصادية، تربتها هي العنصرية والرأسمالية.
يرفض هذا التصور تسطيح نقد السجن في الجدران والزنازين، ويطالب بمساءلة المنظومة التي تجعل من العقاب أداة لإعادة إنتاج التهميش والسيطرة.
بهذا المعنى، يصبح السجن مرآة لمجتمع ينتج الفقر ويصم المفقرين/ات؛ يراقب الأجساد السوداء وغيرها من النماذج المهمشة، ويحوّل فائض البشر إلى مادة قابلة للعقاب.
السجن ليس مكانا منفصلًا عن المجتمع، بل هو امتداد لسياسات المراقبة والعقاب، التمييز العنصري والجندري، والفقر المُمأسس. ما يُسمى بـ "المجمع الصناعي/ السجني" يدمج بين الاقتصاد والسياسة والقمع، حيث تتحول أجساد المهمشين إلى موارد قابلة للاستغلال والسيطرة. وهو ما يحوّل الشارع نفسه إلى سجن، تتم فيه أشكال العقاب غير المباشر من خلال تعميم البطالة، فرض التهميش، واعتماد الرقابة القمعية، والحظر على حريات التعبير والاحتجاج.
السجن، كما شرحته ديفيس، ليس مجرد تمظهر عرضي، أو شر لا بد منه "لضبط النظام، أو حفظ الأمن"، بل هو القاعدة التي تعيد إنتاج النظام الاجتماعي السائد.
ومن الصور التي فككت بها "ديفيس" مثلث الهيمنة (رأسمالية/ عنصرية/ السجن) في الولايات المتحدة، نتوقف عند إضاءة عتمة السياسات التي أطلقت عليها "الحرب على المخدرات والجريمة في و.م.أ". وكانت حصيلتها إحياء إرث الأبارتابد من خلال اعتقالات ذات طابع عنصري، حيث أصبح لون البشرة وصما ودليل إدانة، تم بموجبه تنفيذ حملات واسعة في صفوف السود واللاتينيين، فتحوّل السجن إلى أداة لإدارة الفائض البشري.
إذا كان "فوكو" قد ركز على تقنيات المراقبة والانضباط، فإن "أنجيلا ديفيس" تقاطعت أكثر مع منظور "ألتوسير"، الذي دقق أكثر في نقد الأجهزة القمعية للدولة، مثل: الشرطة، الجيش، والسجون، والأجهزة الإيديولوجية من قبيل: المدرسة، الإعلام، الكنيسة. بالنسبة لألتوسير، هذه الأجهزة غير منفصلة، بل تشتغل معًا لإعادة إنتاج البنية الطبقية وضمان استمرار السيطرة.
انسجاما مع ذات الأطروحة أسست انجيلا ديفيس مشروعها الفكري. فالسجن ليس وحدة عقاب مفصولة عن باقي الأجهزة القمعية الأخرى، بل جزء من نسق متكامل لرعاية استمرار ذات النظام الطبقي العنصري الأبوي. والسجن، كما وصفته ديفيس، لا يعاقب الأفراد فقط، بل يساهم في إعادة إنتاج التهميش والفقر، ويُسعّر أجساد المهمشين/ات كفائض خاضع لقانون العرض والطلب في سوق الشغل، كما باقي مجالات الحياة.
تتفق "ديفيس" مع "ألتوسير" في التأكيد على أن العقاب ليس رد فعل طبيعي لردع الجريمة، بل هو سياسة اجتماعية تخدم مصالح الرأسمالية العنصرية، وتُعيد إنتاج علاقات السيطرة من خلال الدمج بين القمع المباشر، والإيديولوجيا التي تبرر العقاب وتُشرعنه، من خلال منحه طابعًا أخلاقيًا: "حفظ الأمن العام، حماية المواطنين ...إلخ".
إن نقاش السجون وتفكيك الأطروحات المدافعة عن شرعيتها، ورش مفتوح لا يمكن الجزم أن النقاش فيه استُنفد. بل على العكس تمامًا، يحتاج دائما إلى إغناء أكثر. فبين من يدافع عن ضرورة السجون لحماية المجتمع، يبرز طرح جذري، من قبيل ما تطرقنا إليه سالفا بخصوص البديل الذي طرحته "ديفيس" كبدائل للعقاب، ممثلا في مفهوم العدالة التصالحية.
أطروحة "أنجيلا ديفيس" تدفعنا إلى إعادة التفكير في معنى الحرية والعدالة، خارج المنطق العقابي. فالسجن ليس مجرد جدران، بل هو انعكاس لبنية اجتماعية تنتج التفاوت الطبقي، وتُعيد إنتاج السيطرة.
ارتباطًا بالتجربة المغربية، يمكن ملاحظة كيف يُعاد إنتاج العقاب من خلال تبعات التقويم الهيكلي، وما أعقبه من تفكيك متقدم لمفهوم الخدمة الاجتماعية في حدودها الدنيا، بقطاعات التشغيل، الصحة، والتعليم، في انسجام تام مع سياسة تقشفية تمليها تبعية نيوليبرالية، وتتعزز مع ارتفاع الديون الخارجية للمغرب.
إن هذا العقاب لا يُمارس داخل جدران السجن، بل يتم خارجها، لكنه ذو ماهية سجنية عقابية، تتأسس على تحميل القاعدة الواسعة من الهرم الاجتماعي ثمنًا يدفعونه من قوتهم اليومي.
من تعبيرات العقاب أيضًا، نستحضر غياب العدالة المجالية؛ فنفس البلد الذي يتغنى بسرعة البراق والاستحقاقات العالمية، يضم مجالًا توقفت فيه عجلة الحياة؛ إنه مغرب المداشر، ودور الصفيح، وشعب الخيام "ضحايا زلزال الحوز". كلها صور من الواقع المعاش، تنقل كيف تُنصب القضبان بشكل غير مرئي. إلى جانب التضييق الكبير على حريات التعبير والاحتجاج، في مشهد أشبه بحظر كلام وتجول. هنا، يصبح الاعتقال السياسي أو الملاحقات والمضايقات القمعية جزءًا من ذات النسق العقابي، الذي يُحوّل الفضاء العام إلى امتداد للسجن.
شهادات الأمهات اللواتي عانين من اعتقال أبنائهن، مثل: شهادة "أم عمر الراضي"، وتصريحات أم "ناصر الزفزافي"، وتصريحات عائلة الشهيد "عبد الله حجيلي"... إلخ، تكشف عن الوجه الإنساني لهذه البنية العقابية، وتُظهر كيف يتحول الألم الفردي إلى علامة على بنية اجتماعية أشمل.
ختامًا، إن النقاش في جوهره هنا لا يتعلق فقط بجدوى السجون، بل بماهية المجتمع الذي يُنتجها؛ فمطلب الحق العادل في الشغل، الصحة والتعليم، تعد نقطة اشتباك حقيقية تُحاكم معاول التفكيك والتسليع، وملحاحية هذه المطالب كبيرة في السياق المغربي.
لأجل هذا نحن بحاجة ماسة إلى تحفيز النضال الشعبي، للمطالبة بنماذج تعليمية/صحية لا تُجرّد التعليم والصحة من هويتهما كخدمات اجتماعية، لتزج بهما في طاحونة التحكم النيوليبرالي، إنه منعطق يتم لا يتم عبره تعريف العدالة فقط بل يعاد تخيّل العيش خارج دوائر القمع والتفقير.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى