إبراهيم محمود - سردية "اللقيطة" بين الذاكرة والتاريخ" قراءة في رواية أليف شفق"لقيطة اسطنبول"

1.jpg
Elif Şafak


منطق المسافة
المسافة الفاصلة بين الذاكرة والتاريخ كبيرة، وعميقة، وفيها انحناءات ولا تخلو من منعطفات وانكسارات وهِوىً" من الهاوية ".. ما أن نتهجى الذاكرة، حتى نلتفت إلى ورائنا " إلى الماضي "، وما أن نتهجى التاريخ ككلمة، نلتفت إلى ورائنا بحكم سلطته، كما لو أنه يتعقبنا، كما لو أننا نعرف كيف تم تدوينه، وهو يستمر، ليصل إلينا، ويمتد إلى المستقبل. وما يقال في الذاكرة، في المجالس " مجالس الأنس والسمر" وفي المجالس العامة أحياناً، وتلك الخاصة أحياناً أخرى، يشدد على ذلك، إذ يصعب القول أن هناك كلاماً يستغرق بعض الوقت بين شخصين أو أكثر، دون أن تتخلله عبارة من نوع: أذكّرك بـ.. أذكُر، من باب التذكير، وما يجب تذكّره أو ذكره، وللذكرى، وما يستحق ذكره في هذا الصدد...إلخ " لكن التاريخ ليس كذلك، حيث يجري تسطيره والنقل عنه، والذاكرة في لوحها المحفوظ أو المحمول اللاثابت، لوح جماعي معين. ولهذا يتقابل الاثنان كخصمين، حيث تبرز الذاكرة جرّاء تعرضها لضغط التاريخ وتهديدها بلزوم الصمت، مغدورة، ويظهر التاريخ بما أنه يوجّه، ومن موقع القوة يستبد بمن يعترض على ما دوّن فيه باسم جماعة ما، غداراً.
إنما علينا عدم الاستعجال، وترْك ما قيل بداية على حاله، لا بد من إضاءة وتصويب ما ينبغي تصويبه، وهو أن ليس من انفصال/ طلاق قطْعي بين الاثنين، أن هذه المسافة ليست في اتجاه واحد، وأن المنعطفات والمنحنيات تحتفظ بأثار علاقات وردود أفعال ومتغيرات، لا يكون التاريخ كما كان، وهو يحاول الأخذ من الذاكرة دائماً ما يلزم، ليوسّع نطاق قوته، وأن الذاكرة لا تبقى على حالها، حين تشكل تهديداً للتاريخ، وتنزع عنه سلطته ذات يوم ، أو لحظة، كما في النزاعات أو الثورات، والإطاحة بالحكومات، وتغيير الأنظمة.
ثمة ما يُخفى ويختفي ويتموه، أو يموَّه دائماً في بنية كل علاقة من هذا النوع، وهو الذي يشغل أذهان كبار الباحثين في التاريخ والذاكرة، الساسة وكتابهم، جنرالات الحرب ومستشاريهم وكتبتهم الخاصين بالمقابل، والإعلاميين ذوي الشأن السلطوي، وخارجاً، وهم لا يكفّون عن محاولة استيعاب هذا التنوع في العلاقات، ودراستها بعمق، وهو ما يمكن تبيّنه في الرواية التي تتمحور حول ما توأمي في عملية سردها: التاريخ وما يصلنا منه قراءة، والذاكرة وما يصلنا بها سماعاً أو عن طريق النقل شفاهة هنا وهناك.
ولعل الكاتبة التركية" دفعت يدي بي وهي تكتب كلمة " الكاتبة " إلى استعمال صفة وهي الكاتبة التاريخية، لما للتاريخ من حضور في أعمالها بالجملة، وبالترافق مع الذاكرة، ولو أنها منحت سردها بعضاً من اللحم والعظم والتوثيق، لكانت كتابتها تاريخية أكثر من كونها روائية، بمفهومها المعروف" والروائية الكبيرة أليف شفق " 1971-..." حيث أشيرَ إليها في حلقات سابقة، منهمة بهذا التناوب، بهذا التراشق بالاتهامات، والمداخلات، والمناظرات، والمماحكات الكلامية، ومن محاولات المصالحة، وتنقية الأجواء حرصاً على سوية المجتمع، في الذي حرَّرت رواياتها المختلفة بأسلوبها، وهذَّبته بقدرات خيالية لماحة، ومنحت هذا الانتثار" الأرضي " قوة حضور، وفي مساحات جغرافية واسعة، ضمت أوطاناً ومجتمعات وحتى قارات أحياناً، بشكل لافت، أو بشكل يسهل التوقف عنده.
في روايتها " لقيطة اسطنبول " كما هو عنوانها " بالعربية " أو حيث كانت في عنوانها التركي " الأب وطفله/ ولده Baba ve Piç " وما للعنوان هذا من دلالة وتشابك" أبوَّة- بنوَّة، وبالعكس" حيث سنتعرض له دلالياً كذلك، وكيف أنه يستقطر، ربما كامل الرواية وراءه لاستفزازية العنوان، من ناحية الموقع، وفي مجتمع يتحفظ على كل عبارة من هذا القبيل، أي حين يكون الولد / الطفل" لقيطاً ". ماالذي جرى التقاطه بمتخيل شفق، ومن أين جيءَ به، وكيف كان، ولماذا، وبناء على أي محفّز تفكيري، قيّض لرواية كهذه، أن تستقطب نفوساً ورؤساً بمناخها الحار جداً، كما في تركيا التي تحرص كنظام سياسي على تاريخ، حُدّد فقهاؤه ونجباؤه، وحراسه، وأجهزته الحارسة والحريصة عليه، بقدر ما تسعى جاهدة إلى إبقاء الذاكرة في وضعية التعتيم، أو مطلوباً بمعايير محددة، وكما هو المرسوم لها كصلاحية عمل وحضور وتلقّ ليس إلا. ومجتمع نهم لقراءتها في آن!
هوذا سعينا إلى متابعة هذه العلاقة " اللقائطية" إن جاز التعبير، وفي اتجاهات لها مسوح الجغرافية، وإحالات التاريخ، والتماعات الذاكرة طبعاً. والأهم من ذلك، ما يجعل هذه الكلمات فاعلة رئيسة في نسْج سردها، في عملية تفاعل لها جاذبيتها المقدَّرة، إذ إن مفهوم الجمال هنا يستغرق كل مشهد، وإن بدا قبيحاً في صورته المرسومة، أو حديث يخص شخصية معينة في الرواية، أو حركة مستهجنة. لأن الرواية على وجه الخصوص تقوم، ويتعاظم شأنها الإبداعي ، بقدْر حضور المفارقات ، ذات الصلة واقعاً بالحسن، والقبح، ومترادفاتهما .
وقبل البدء بالمنعطف البحثي الذي يمضي بنا إلى عالم الرواية، أشيرُ إلى خاصية أجدُها ملازمة لهذا المقال، أو البحث، بصورة أصح " وهي أنني لا أدعي كتابته بالكامل، ليس لوجود من كتب بالنيابة عني، أو من باب التكليف بالمقابل، وإنما لأن طريقة كتابته، ليست كأغلبية كتابات في دراسة أو تناول عمل أدبي: روائي، من جهة الإقلال من الاقتباسات، ومحاولة الابتعاد عن المكرر، أو اعتماد أقوال من هنا وهناك، وهو ما يعدِم في كل دراسة نقدية، أو مقال بحثي، أو بحث معين، قيمته الممثلة لشخصية الكاتب الفعلية: المفهومية.
هنا، خصصت مساحات واسعة لمن تناولوا الرواية، وبأسلوب يبهج في نقاط متفرقة، وينبّه إلى خفايا لا يُنظَر في محرّكها الدلالي بيسر، أو علاقات لا يُفصَح عن طبيعة الدور الرمزي، ومهمة " التلقيح " للفكرة وإخصابها وإبرازها مع عملية القراءة، وتطعيم المشاهد التي تتباعد عن بعضها بعضاً من خلال شخصياتها، وكيف تتلاقى واقعاً ، كما هو متطلب الرواية، كون هذه المراجع حديثة، كما قلت، وربما ليست في متنلول القراء بنسبة معينة، أو على الأقل، في العربية، وهي " تركية " هذه المرة، بلد كاتبتنا، وفرنسية في بعض آخر، وأنا أورد فقرات طوالاً منها، لأهميتها، والسعي إلى إيجاد نوع من المواءمة فيما بينها في عملية تقصي صادر الرواية من "مغازيها ، ووارد الرواية من مؤثراتها التكوينية، وكيف تشكل رصيدها الفني، بوجود شخصيات كثيرة في مجتمعات كثيرة ملبية رغبات شفق.
إنما في الوقت نفسه أشير إلى ملاحظة ذات صلة، وهي أن إجراء كهذا لا يعني أن الذي جرى تسطيره لا سهم بحثياً يعنيني. ثمة سهم ملموس بدءاً من العنوان، حتى كلمة الختام، لأن الفقرات الطوال عينها، في وضع كهذا تصبح من خلال ترتيب لأصل المسطور، مندمجة مع نسيج مختلف، واستجابة- هذه المرة- لقراءة مختلفة. أي حيث تكون قراءة الكاتبة في روايتها من قبل من قرؤوها موصولة بما يسطّر هنا، وهذه القراءات التي أشير إليها في مصادرها، تتفاعل مع قراءتي بعملية هندسة كتابية وفكرية معينة. إنها شراكة في كتابة نوعية!

بحثاً عن أليف شفق
لعلها" أي الروائية شفق " تستحق تقديماً لها ولو موجزاً من باب التعريف بحياتها، وما يمكن الاستفادة منه في هذا الموضوع.
ثمة ثناية الرجل- المرأة، الذكر -الأنثى ، وأكثر منها مجتمعاً erkek kadın، وكما وردت عنها هذه السردية السّيَرية الموجزة بالتركية:
وُلدت أليف شفق، الكاتبة التركية الأكثر قراءةً وحصولًا على جوائز، في ستراسبورغ، فرنسا، في 25 تشرين الأول 1971. (والدها الأكاديمي نوري بيلجين؛ ووالدتها الدبلوماسية شفق أتامان. أليف بيلجين، واسمها الحقيقي أليف بيلجين، تستخدم اسم والدتها كاسم عائلة لها في أعمالها وكتاباتها، وتنوي أن يكون اسمًا مستعارًا لها). بالإضافة إلى كونها روائية، تكتب شفق أيضًا مقالات ومقالات رأي في العديد من الصحف والدوريات المحلية والدولية.
شفق، التي رفعت روايتها "بنات حوّاء الثلاث" (2016) عدد أعمالها إلى ستة عشر عملًا، وقد كُتبت بعض أعمالها باللغة الإنكليزية. تمزج كتب أليف شفق بين تقاليد السرد القصصي الشرقي والغربي، مستكشفةً مواضيع المرأة والأقليات والمهاجرين والثقافات الفرعية والشباب. كما يتضح من مواضيع أعمالها، تشمل اهتمامات إليف شفق التاريخ والسياسة والأدب الشفوي والفلسفة، وكما تصف في روايتها الأشهر "عشق الصوفي".
إلى جانب كل هذه الصفات، نجحت أليف شفق في الوصول إلى قاعدة قراء واسعة من خلال توظيفها لتقنيات الفكاهة السوداء والواقعية السحرية.
فازت روايتها الأولى "بينهان" بجائزة جلال الدين الرومي عام ١٩٩٨. أما روايتها الثانية "مرايا المدينة"، فتُرسي أسسًا تاريخية للتصوف الإسلامي واليهودي. كما فازت أليف شفق بجائزة عن روايتها "محرم"، التي بدأت تجذب اهتمامًا كبيرًا. وحققت روايتها التالية "بيت بالاس" نجاحًا كبيرًا في المبيعات في تركيا. ونُشرت روايتها "أراف" تحت عنوان "قديس الجنون الناشئ" من دار نشر "فارا وشتراوس وجيرو". أما روايتها الثانية "لقيطة اسطنوب" فكانت من أكثر الكتب مبيعًا في تركيا وفازت بجائزة. حيث تروي الرواية قصة عائلة تركية وأخرى أرمنية من منظور امرأة.
ألفت أليف شفق، التي أصبحت أمًا في العام نفسه الذي نشرت فيه رواية "الأب والولد/ اللقيط"، أول كتاب سيرة ذاتية لها بعنوان "حليب أسود"، تروي فيه معاناتها مع اكتئاب ما بعد الولادة عقب ولادة ابنتها. في هذا الكتاب، تستكشف أليف شفق أفراح الأمومة وتحدياتها . وقد حظي كتاب "حليب أسود" بتعليقات إيجابية من النقاد والقراء، وسرعان ما أصبح من أكثر الكتب مبيعًا.
أثبت عملها التالي، "الحب"، شهرتها ككاتبة واسعة الانتشار في مجال الأدب العالمي من خلال روايتها "قواعد العشق الأربعون"، وهي رواية صوفية تستكشف مواضيع روحية ودنيوية في ضوء أعمال جلال الدين الرومي وشمس الدين شمس الدين. حققت رواية "الحب: قواعد العشق الأربعون. المترجم" نجاحًا كبيرًا في المبيعات عالميًا وحازت على العديد من الجوائز الدولية.
تصدّر كتابها "شرف" قوائم الكتب الأكثر مبيعًا، ونال استحسانًا واسعًا من مختلف الأعمار والخلفيات، وتلقى مراجعات إيجابية من النقاد.
تستكشف روايتها "أنا وأستاذي" الصادرة عام ٢٠١٣ حياة أشهر مهندس معماري في الإمبراطورية العثمانية، الأستاذ الكبير معمار سنان، وتتناول مواضيع الاستقلال الفني والإبداع.
أليف شفق، التي غرست حب القراءة والكتب في نفوس الأطفال الصغار من خلال كتابها للأطفال "الثوم" الصادر عام ٢٠١٤، والذي أُدرج في قوائم القراءة في مدارس مختلفة، واصلت إليف شفق جذب القراء بكتابها "بنات حوّاء الثلاث" الصادر عام ٢٠١٦.
وفي مكان آخر نقرأ عن أنها تزوجت من الصحفي أيوب جان ساغليك في برلين عام ٢٠٠٤، وأنجبا ابنة اسمها زيلدا، وابنين هما أمير وزهير.
وفي تقديم مترجم نصها بالعربية، وهو د. محمد درويش ، دار الآداب،بيروت،ط2، 2015.
في التعريف بها، ثمة معلومات، نقرأها كما هي في مسرد عن سيرة حياتها بالتركية، كما تقدم، وما يلفت النظر، عدا عن كونها من أبولين مختلفين في الجنسية: أب تركي، وأم انكليزية،: حين نقرأ في تقديم المترجم: ولدت أليف شافاك لأب فيلسوف، نوري بليجين، وأم دبلوماسية، شافاك أتايمان، التي استخدمت اسمها الأول ليكون لقبها بدلاً من استخدام لقب الأب أو الزوج( وشافاك هو شفق بالعربية كما أشارت المؤلفة في إحدى مقالاتها الأدبية). انفصل والداها ولها من العمر سنة واحدة مما أثر غياب أبيها فيها تأثيراً بالغاً وقد وظفت هذا الغياب في روايتها لقيطة اسطنبول توظيفاً رائعاً وبتقنية روائية ماهرة..ص7.
ذلك ما يدفع بالقارىء إلى اقتفاء أثر هذه العلاقات المتداخلة في نسيج الحياة اليومية، وتبايناتها، وكيف تعيش الشخصيات حياتها الواقعية المرئية وفي الداخل كيف تحس وتشعر وتفكر، وتتفاعل مع خيالاتها وحالاتها النفسية بينياً وغيرها.
وفي ضوء هذه النبذة من المعلومات وهي مؤثرة، شريطة التنبه إلى خاصية الشعيرات الدقيقة فيها كونها لا تُرى بسهولة، لحظة محاولة معرفة صلات القربى فيما بينها، وبين ما كانته الكاتبة عينها، من خلال اعترافات لها، في مقابلات عديدة لها.
في مقال لافت عنها طي عنوان:
مقال شرارة تشافوشيان *نجمة شادرام: الرواية الذاتية عند أليف شفق: التعبير عن الذات في مجتمع ذكوري
Sharareh CHAVOSHIAN *Najmeh SHADARAM: Autofiction chez Elif Shafak : s’exprimer dans une société machiste
ثمة الكثير مما يهم ما نحن بصدده:
كما في: في عائلتي، كانت التقاليد مقدسة. كل لفتة وكل كلمة كانت تُمليها قرون من العادات والمعتقدات." (شفق، ٢٠١٦، ص ٥٠).
تستكشف شفق قصص وأسرار عائلتها، وخاصة تلك المرتبطة بالإمبراطورية العثمانية والجمهورية التركية. تُجسّد شخصيات عائلة كازانجي في "لقيطة ستانبول" هذه التواريخ العائلية. تُسلّط رحلات آسيا وأرمانوش الضوء على صراعهما من أجل فهم الذات في مواجهة التواريخ الموروثة، مُسلّطةً الضوء على وطأة أسرار عائلتهما المُؤرقة والآثار الأوسع للصدمة التاريخية (ينظر عامور وكيسال، ٢٠١٩).
وفي في مقابلة معها طي عنوان" جوهر ستانبول أنثوي " تقول جواباً على سؤال:
علاقتكِ بستانبول مُلتبسة، مدينة يبدو أنكِ تُحبينها وتكرهينها في آنٍ واحد...
إنها مدينة صعبة على الكُتّاب، وكذلك على النساء، إذ لا توجد فيها حرية فكر. الشوارع والأماكن العامة ملك للرجال، لكن جوهر المدينة أنثوي. إنها مدينة مُعقدة، مليئة بالندوب والجروح والصمت والقصص. لها تاريخ طويل جدًا، ومع ذلك ليس لها ذاكرة. ككاتبة، أردتُ إحياء تلك الذاكرة، أن أروي قصص المآسي التي وقعت في شوارعها، والأشخاص الذين دُفنوا في مقابرها. لطالما تمتعت ستانبول بطاقة أنثوية قوية، ولهذا السبب سيكون من الجيد أن تستعيد النساء مكانتهن في المجال العام. لكن المجتمع التركي متحيز جنسيًا ومعادٍ للمثليين. عشتُ في لندن أحد عشر عامًا، وأجد صعوبة متزايدة في العودة إلى ستانبول. أصبحت لندن موطني. أؤمن بالهويات متعددة الثقافات، حتى لو ظل المرء متمسكًا بثقافته. أنا أوروبي باختياري وبقيمي. لكن الأهم من ذلك كله، أشعر أنني مواطن عالمي.
"صوفي، حبيبي" لأليف شفق: ملخص وتحليل وموضوعات أساسية للمبادرة الرومانية
« Soufi, mon amour » d’Elif Shafak : Résumé, analyse et thèmes clés du roman initiatique
ذلك يحث فينا إرادة البحث عن الحقيقة المتعَبة والمتعِبة للذين يجهدونها نفسها في معرفتها، ويجتهدون بغية تبيّن مكوّناتها ومغذياتها واقعاً، كما في الجاري نقله عما يخص حياتها سِيرياً، وما يمكن أن يقال في رواياتها، وهذه إحداها ولها أهميتها الكبرى من جهة مؤثراتها ذات الفاعل السياسي، وكيفية تجلّي ظل السياسي في نسجها، ودلالة ذلك، والموقف من سلوكها الثقافي وعلاقاتها بمن حولها داخلاً وخارجاً.
وما يخص تأنيث جوهر ستانبول، ما يلفت النظر، وما يستدعي قول كهذا إلى الذاكرة بخصوص ما كان ولا يزال يتردد هنا وهناك عن " أورًبا المؤنثة " وهو ما يسهل متابعته في الرواية العربية" موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، أو في كتابات جورج طرابيشي " شرق- وغرب: رجولة وأنوثة "...إلخ. ليكون في القول التوصيفي لشفق بخصوص جوهر مدينتها، ما يميط اللثام في مجتمع تظهر فيه نساء بهذه الهيئات المؤملة، والرجال بهذه الوضعية المتأزمة والمأسوية كذلك، وتبقى الذكورة مهيكلة من الداخل قيمياً، وهي بذلك تفتقر إلى القوى المطلوبة لدخول التاريخ، وفي مجتمع مفتوح. في اسطنبول، الاسم المغزى، العاصمة الكبرى والعالمية لامبراطورية كبرى: العثمانية، واستمرار مفهوم " الحرملك " فيها بصيغ شتى، تتريكياً، رغم فقاعات العلمنة، ومظاهر الحداثة المختزلة، وليس " أنقرة " العاصمة التركية، كما لو أننا إزاء خيار مدروس بدقة من قبل الكاتبة، يتركز على أن أنقرة تلعب في الخفاء، وتسلعن اسطنبول نفسها حصاناً طروادياً، بصورة ما، للتوجه إلى ما تريد، كما في دعوى " العثمنة الجديدة " وفقدان الرصيد الضامن لفلاحها..
وكما نقرأ في مقابلة معها تحت عنوان: "أريد أن أخلق مساحة ديمقراطية مفتوحة في رواياتي"15 ك2،
على مدى خمسة عشر عامًا، تنقلت بين كآبة اللغة التركية وفكاهة اللغة الإنكليزية، تتمتع بحرية تنقل عزيزة على هذه المدافعة الشرسة عن تعدد الهويات. في العام الماضي فقط، داهمت الشرطة مكتب ناشرها التركي. ناهيك عن الهجمات التي تعرضت لها هذه المرأة، المتزوجة من صحفي تركي وأم، لإعلانها عن ميولها الجنسية المزدوجة في مؤتمر TED في نيويورك. سابقةٌ دفعت ثمنها غاليًا، مع أسابيع من المضايقات والإهانات في وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي... "لم أكن أمتلك الشجاعة الكافية للحديث عن حياتي الشخصية حتى ذلك الحين، مع أنني لطالما دافعت عن حقوق مجتمع الميم في كتبي." قد يُفضّل قارئٌ محافظٌ معادٍ للمثليين فجأةً شخصيةَ المتحولين جنسيًا أو المثليين في روايتي. أنا أؤمن إيمانًا راسخًا بأن الأدب قادرٌ على توسيع مدارك العقول.
و"سلطة اتخاذ القرار في تركيا حكر على الرجال"...
ذلك ما يمنحنا ضخَّ قوى مشجعة في ولتوسيع دائرة النظر، والتدقيق في كل معلومة تاريخية في ضوء ما هو محفوظ في الذاكرة، ودور القارىء في صلات الوصل فيما بينها، وأبعادها وكيفية تفكيك القوى التي تشغلها مجتمعياً هنا وهناك، وما يخص سردية الكاتبة ذاتياً.
إن ما أفصح عنه الناقد السيري الفرنسي المعروف فيليب لوجون: السيرة الذاتية" الميثاق والتاريخ الأدبي"، ترجمة وتقديم: عمر حلي، المركز الثقافي العربي، بيروت،ط1، 1994، يسهم هو الآخر بدوره، في تنوير ما يبرز ملتبساً، عن حيوية السيرة واللامرئي فيها، وكيف يمكن لأنا الكاتب/ الكاتبة في أن يتسلل إلى داخل خطاب الشخصية، مخاتلة، أو مناورة، أو محاورة ما، ومن جهة ضمير أثير تاريخياً
( يجب أن نفهم من " الضمير النحوي" هنا" أنا، أنت، هو"، ذلك الضمير المستخدم بطريقة متميزة على امتداد الحكي. فمن البديهي أن " ضمير المتكلم" لا يدرك دون " ضمير مخاطب"( القارىء)، غير أن هذا الأخير يبقى ضمنياً هو الآخر، كما يمكن للسرد بضمير الغائب أن يتضمن تدخلات للسارد بضمير المتكلم.ص27.
وفي الذي أشير إليه على مستوى أكثر وضوحاً عن موقع المؤلف/ الكاتب في النص، من هذا الجانب: ليس المؤلف مجرد شخص. إنه شخص يكتب وينشر. ولأنه متواجد خارج- النص وفي النص، فإنه يعتبر صلة بين الاثنين.ص34.
ومن ناحية ثالثة لحظة النظر في التاريخ، وما الذي يكوّن خاصية ضمير كهذا في النص الأدبي نفسه أحياناً: فالتاريخ لا يُكتب انطلاقاً من حيّز لازمني، بل في حاضر معين، الحاضر الذي يتجلى أكثر كلما نسيناه.ص68.
هذا يعني، ومما يكون جديراً بالمتابعة والإصغاء، هو أن ثمة ضرورة معرفية مطلوبة لإقامة علاقة من نوع حواري مع كاتب الرواية عموماً، تعبيراً عن حقيقة وهي أنه، ومن باب التأكيد- لا يمكنه توقُّع أنه يقدم لقارئه كل ما يشغله، ليكون " مهدىً " إليه، جملة وتفصيلاً، وبالمقابل، لا ينبغي للقارىء أن يرى فيه ما هو منتظَر منه، في الحالتين يكون لدينا تفاوض ضمني لجعل المسطور نسبياً. ذلك يصبح فضيلة إبداع من جهة الكاتب، وقابلية النظر إليها بتقدير، من جهة القارىء، وتلك هي خاصية تشاركية معتبَرة.
رواية " لقيطة ستنبول" كما أحب كتابة الاسم هكذا، مفخمة بمثل هذا الحضور، كما هو ممكن تبيُّن ذلك، ومفخخة بمثل هذا الضمور في المعزز لجمالية السرد، أي حيث لا صراطية في التعامل مع الآخر، عند طرح النص منشوراً، وداخلاً في نطاق ملْكية القارىء طبعاً.
وما يعمق مأثرة هذا الاشتهاء لضمير المتكلم وكيف يمارس وشاية لا تبقي ساكناً على حاله، أو صامتاً في صمته.

في سرد أعطيَ اسماً
كثيرة هي الكتب/ النصوص الروائية التي حملت اسم/ عنوان/ لقيط أو لقيطة، تعبيراً عن أن ثمة ظاهرة لا حالة تشغلنا، ولها جذورها التليدة، في بنية العلاقات الاجتماعية، ولو بصور متباينة، جهة النظر إلى اللقيط/ اللقيطة، أشير إلى جملة عناوين مما تقدم:
رواية " لقيطة " لمحمد عبدالحليم عبدالله " 1945 " دار مصر للطباعة، القاهرة.
رواية اللقيطة، لستاسي هولز " حكاية طفلة وامرأتين " ترجمة: منى فهمي، منشورات ملهمون، ط1، 2023، المجلس الوطني للإعلام.
تعود إلى أواخر منتصف القرن الثامن عشر.
دوروثي أليسون وروايتها " اللقيط من كارولينا "، وآن ليري كذلك بالعنوان عينه " منشورة سنة 2022 "
رواية لقيط لجون جيكس، منشورة سنة 1974.
رواية " لقيط " للكاتبة أمل واجب، ورواية مصطفى نجدي كذلك، بالعنوان نفسه...إلخ

2.jpg

هذا/ ذلك يشير إلى موضع الجرح الحيوي طابعاً في الجسد المجتمعي، باعتباره " ضلعاً أعوج تشكل منه وفيه " وخصوصية " الداخل الغريب وهو من تربته بالتأكيد" وإلا لما كان هذا الاهتمام به، كونه يمتد رصيداً لا يستهان به في لعبة الأدوار الاجتماعية وغيرها وتلوينها وتوتيرها كذلك. ليظهر اللقيط/ اللقيطة في وجوه مختلفة، لحظة النظر إليه، تاريخياً، على مستوى التلاعب باسمه ونوعه.
سأتوقف هنا مقتبساً من مقال مهم جداً، في سياق بحثنا في سردية اللقيطة في الرواية، وهو مقال بالتركية، طي عنوان مقال مهم وطويل ومفيد بالتركية تحت عنوان غولشاه شيشمان: البنية في رواية أليف شفق ذات العنوان الأب واللقيطة
Gülşah ŞİŞMAN: ELİF ŞAFAK’IN BABA VE PİÇ ADLI ROMANINDA YAPI
بادئاً بكلمة التعريف بالكاتبة، مدخلاً إلى الرواية:
بدأت أليف شفق مسيرتها الكتابية بمجموعة قصصية بعنوان "عيون الأناضول الشريرة" (Em Gözlere Anadolu) نُشرت عام ١٩٩٤، وكتبت روايتها الأولى "بينهان" عام ١٩٩٨، وفازت عنها بجائزة مولانا الكبرى. تُعدّ التهميش والاغتراب والبحث عن الهوية المواضيع الرئيسة التي تناولتها رواياتها، وهو النوع الأدبي الأكثر انتشارًا بين الكاتبة، التي ألّفت ما يقرب من خمسة عشر كتابًا.
نُشرت روايتها، "الأب واللقيط"، عام 2006. في هذا الكتاب، الذي يروي قصص أربعة أجيال من النساء، يموت الرجال فجأة وبشكل غير متوقع. تستكشف الرواية، التي تشكلها قصص تمت تصفيتها من خلال ذكريات النساء المتروكات وراءهن، إشكالية أن تكون امرأة، بالإضافة إلى البحث عن الهوية والاغتراب، وهي قضايا نوقشت كثيرًا في أعمال الكاتبة الأخرى. يتم استكشاف إشكالية الأنوثة في الرواية من خلال شخصية زليخة، التي كانت شجاعة بما يكفي لإنجاب طفلة يتيمة في سن التاسعة عشرة، وحازمة بما يكفي لمواجهة الحياة، وواثقة بما يكفي لعدم التنازل عن أسلوب حياتها على الإطلاق. يتوافق البحث عن الهوية والاغتراب مع آسيا، التي نشأت بلا أب، تكافح من أجل بناء ذاتها، وأرمانوش، المولودة لأم أمريكية وأب أرمني، والتي تسعى للعثور على جذورها. في هذا السياق، تستكشف الرواية أيضًا العلاقات التركية الأرمنية، حيث تمثل الفتاتان الصغيرتان طرفين متعارضين. كما يستكشف العمل الحياة الاجتماعية للأتراك والأرمن، كاشفًا عن أوجه التشابه والمشاعر والأفكار المشتركة بين هاتين الثقافتين.
ومن ثم العودة إلى الاسم ودلالته، وطي عنوان فرعي، وما يستحق النظر في منحاه الاعتباري:

علاقة الاسم بالمضمون İsim-İçerik İlişkisi
كلمة "بابا"، إحدى الكلمتين اللتين تُعطيان العمل عنوانه، تحمل معانٍ عديدة، منها: "١. رجلٌ له أبناء، أب. ٢. سلف. ٣. شخصٌ عجوزٌ محترم. ٤. رئيس، صدر، رئيس. ٥. فاعل خير." (دوغان ٢٠٠٨: ١٣١).
كلمة "بابا"، التي تبرز في معناها الأول في الرواية، تُستخدم في علاقة ثنائية مع كلمة أخرى، وهي "ابن حرام". تتضح هذه العلاقة الثنائية عندما تُقرر زليخة، إحدى شخصيات الرواية، الاحتفاظ بطفلها، الذي تُخفي هوية والده عن الجميع، فتُرزق بطفلٍ يتيم الأب. كلمة "لقيط"، التي تعني حرفيًا "طفل مولود لأبوين غير متزوجين، طفل غير شرعي، طفل " (إيفردي ٢٠١١: ٢٥٣٦)، تُحدد عنوان الرواية، إلى جانب كلمة "بابا"، التي تُشير إلى فقدان آسيا كازانجي، ابنة زليخة، لأبوة أبيها. ولا تُعطي كلمة "بابا" عنوان الرواية لذكر والد بطلة الرواية، آسيا، المجهول فحسب، بل أيضًا لغياب شخصية الأب في عائلة كازانجي. وكلعنة، يرحل رجال كازانجي في سن أصغر، جيلًا بعد جيل. توفي رضا سليم كازانجي، زوج جيسيان، أكبر أفراد العائلة، فجأةً بسبب ضيق في التنفس قبل بلوغه الستين من عمره، بينما توفي ليفنت كازانجي، ابنه وزوج غولسوم ناين، بنوبة قلبية عن عمر يناهز الخمسين. لقد تجمد عم العائلة الأكبر، الذي هرب إلى موسكو مع عاهرة روسية واعتقد أنه سيكون محميًا من لعنة العائلة ailenin lanetinden ، حتى الموت، كما توفي قريب آخر في سن مبكرة بعد أن صدمته سيارة أثناء محاولته عبور الشارع وهو في حالة سكر.
وهكذا، تظهر شخصية "الأب" في الرواية كشخصيةٍ يُشعر بغيابها دائمًا داخل العائلة.
كلمة أخرى في عنوان الرواية، "لقيط"، لها صفة تُوضّح وتُؤكّد معنى "الأب". آسيا، الشخصية التي يُشار إليها بهذا الاسم، تتعلّم أنها "لقيطة" وتدرك معناها، من منظور نفسي. واجهت آسيا هذه الكلمة لأول مرة في طفولتها بعد أن أغضبت جدتها: "حينها انقبضت فم الجدة غولسوم، ونطقت بتلك الكلمة المشؤومة بصوت خافت، كما لو كانت تتمتم في نفسها: لقيطة!" (شفق ٢٠٠٦: ٧٢-٧٣). مع أنها لم تكن تعرف معناها، إلا أن آسيا لم تنسَه قط. لم ينبس أحد الأولاد ببنت شفة في المدرسة "لقيطة!" إلا في عيد ميلادها التاسع. إدراكها أنها، على عكس جميع الفتيات الأخريات في صفها، لم يكن لها أب أو قدوة ذكورية في منزلها، ساعدها على فهم معنى الكلمة فهمًا كاملًا. وهكذا، أدركت آسيا أن الخيانة الزوجية ليست مجرد مصطلح استخدمته جدتها بدافع الغضب، فأدركت أن هذه الحالة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتها. وستستغرق آسيا بضع سنوات أخرى لتدرك الأثر الدائم الذي يمكن أن يتركه هذا النقص على شخصية الفتاة.

هنا سنتوقف عند دعوى الكاتب/ الناقد التركي اللافتة جهة اللقيط لغوياً، وتردد صده مجتمعياً، وفي سردية الرواية بالذات.
يعني ذلك إن الكلمة تكون في وضعية معينة، وفي مستوى معين، تصبح قادة على بلبلة مسار حياتي، جهودي، ومجتمعي، لأن ثمة ذاكرة وتاريخاً في " حوزتها " أو تكون حاملاً بهما ولا تنفك تطرحهما وبهيئات مختلفة تجاوباً مع المستجدات. إذاً نحن في مواجهة ما هو طارىء.
أشير هنا إلى مقال اجتماعي- تاريخي، يقرّبنا من قِدَم الموضوع/ الاسم
Carole Avignon: Introduction" Pour une histoire sociale et culturelle de la bâtardise
كارول أفينيون: مقدمة "من أجل تاريخ اجتماعي وثقافي للقيطية
ومما ورد فيه، ما يفيد تنويرياً نطاق بحثنا:
البنوة الطبيعية، البنوة غير المشروعة، العبثية: هذه المفاهيم الثلاثة تتوافق مع الانحرافات المعيارية المتقاربة ولكن غير مترادفة بشكل منهجي. من الممكن قياس نسبية تعريف البنوة غير المشروعة، من خلال تحديد ما يؤسس للشرعية (في حالة زواج الوالدين)، مثل التعدد المرتبط بالتعبير عن التهجين والتهجين الأصلي الذي هو عليه بورت أون إلي. إنه مرادف بسيط للانتساب الطبيعي، وهو بمثابة علامة تجارية ولادة على نحو طبيعي أكبر أثناء عملية الإنجاب من جماع ملعون، أو زنا، أو سفاح القربى، أو تدنيس المقدسات، دون أن يتم فرزها بالكامل ضمن إطار الإجراءات الممكنة للأشخاص ذوي الإعاقة القانونية الملحقين بهذا القانون، أو خارج نطاق الوالد والارتباط. لا يوجد شيء آخر يجب معرفته: بعد درجة المخالفة على أساس القاعدة الزوجية ; في حالة الزنا عند طفل، فإن الزنا يُنسب إلى mari أو إلى الزواج؛ وفقًا لمقياس الإهانة الذي يوضع عليه اللقيط بحيث يكون أكثر أو أقل أهلية لإعادة التأهيل (القانوني و/أو الاجتماعي)؛ وفقًا للرتبة أو السلطة أو نفوذ الأسرة التي يرتبط بها اللقيط (من خلال والده) من خلال الفضاءات السياسية، والسياقات الاجتماعية والاقتصادية، ومن خلال المراجع الثقافية في العمل؛ لكن أيضًا بعد تحديد المقاصد الخاصة، والملفات الشخصية لهؤلاء الأوغاد، والمجهولين الذين وجدوا أنفسهم في المؤرخين، أو الرسوم التوضيحية عندما يكونون ناشئين في رابط يمكن أن يلعبوا فيه التقسيم السياسي (المقتطفات من الآخرينن غيوم الفاتح Guillaume le Conquérant أبناء غير شرعيين لدوقات بورغوندي، كونت دونوا، «باتار دورليان»، أو أبناء فارنيس غير المشروعة، وما إلى ذلك) أو عندما يسمح موظفو الإنتاج بالبدء في فهم صدى صوتهم (إيراسم، مونتين، دالمبرت، وما إلى ذلك).
إن الوصمة الاجتماعية La stigmatisation التي يتعرض لها الأبناء ووالديه لا يمكن مقارنتها بالخلايا التي قد تؤدي إلى التورط في علاقة ملحقة أو زنا، لأن هذا الحب المقترن والقيود التي تغذي قتل الأطفال.
في الحالة هذه، يمكن القول دون مبالغة، أن مجرد التلفظ بكلمة " لقيط/ لقيطة " حتى نجد أنفسنا في مواجهة مجتمعات مختلفة شعوباً ولغات وثقافات، أدياناً ومذاهب وطوائف..إلخ، وفي كل منها تكون هناك جحملة من الإحداثيات النافرة في الخريطة الاجتماعية والثقافية.
لهذا فإن هناك ثراء في الموضوعات: الروافد لهذا الموضوع: الاسم المفرد المعزّز بجمْع داخلي وذبذبات خارجية، كما هو شأن الرواية هذه، حيث إن الناظر بعيداً، وبعمق، يمكنه معرفة جوانب حية ومعتَّم عليها تفصح عن أوجه خلل قارة في هذا المجتمع أو ذاك وبتنوع.
إن اللقيط Piç الكلمة المقابلة بالتركية، نجدها في الكردية كذلك" لقيط ، ولد سفاح " وكذلك Bêjî، الكلمة الدالة على المعنى نفسه في الكردية.
والطريف أن الكلمة هذه أحياناً، يجري اعتمادها تعبيراً عن نفاذ أثرها ودلالتها العميقة مجازياً، كقولنا يا له من " لقيط: ابن زنوة/ ابن حرام ". حيث يحيلنا اللقيط في الحالة هذه إلى أن ثراء المحتوى، مع جهل الأب أو، ما يمكن أن يشكل ذلك إغناء لمورثته في الداخل وبروزه في وسطه، والتخوف منه بالمقابل. وحتى في مفهوم " اللقطة : تلك كانت لقطة حصلنا عليها مثلاً "، لكأن اللقيط الذي يفتقد الأب يبحث عن أبوة داخلية له، ويصعد باسمه بعيداً عن وصائية أبوية، ويتحرر من ربقة البنوة الضاغطة على المجتمع هنا وهناك. وفي الوقت نفسه، يسعى اللقيط، وهو في نظر من حوله دوني مقاماً إلى التعبير عن قوة إرادة، ربما تعبيراً عن نقص مفترض، أو محتمل، هو مثار تحد، ورد فعل على من يستصغرون شأنه، ساعياً إلى تسخير قواه الكامنة، على طريقة " ادلر " لجعلها سلوكات يومية لافتة، وتنحية ما يوصف به جانباً.
بالنسبة للقيطة، تكون الوضعية صعبة، وأية صعوبة، انطلاقاً من نظرة المجتمع الكلية ثقافةً إلى المرأة عموماً. لأن اللقيطة تبقى في عهدة " أحدهم " تحت الوصائية، أو المراقبة، أو خاضعة لإجراءات تحول دون سلوك طريق " على حل شعرها " كما يقال .
لكن العصيان من جنس الطغيان ورد فعل عليه. إنه تمرد الذاكرة الشاهدة على عنف تاريخ، وتعرية لحقيقة الدافع إلى ذلك، وبذلك، من الممكن رؤية من تندفع إلى الأمام، كما لو أنها تلفظ أنفاس" اللقيطة " داخلها، لتكتسب شخصية تباغت من حولها، والاستخفاف بما هو عرفي، وما يترتب على موقف كهذا من تجلّي سلوكيات اجتماعية متحفزة، في ضوء هذا الاستثناء المباغت والصادم ومآله الاجتماعي.

مشاهد من الرواية
أورد فقرات من الرواية في ترجمتها العربية، ثم أنتقل إلى جملة من العناوين الخاصة بمقالات لا تخفي حِرَفيتها في معايشة مناخ الرواية هذه، والدخول معها في علاقة حوارية، تفاعلية، نقدية، والهدف من إيراد الفقرات هذه، هو بغية ربطها معه بعضها بعضاً، وبما سيقال فيها لاحقاً، وهو ما يسهم في تنوير المسافة الفاصلة والضامنة للرؤية المشتركة، الإصغاء المشترك، والإثراء المشترك لنص الرواية بالذات، حيث تتسلسل العناوين ذات التسمية النباتية، وما لها من دلالة مكانية، بيئية، وتسوية أفكار عن الوضعية هذه، وتطعيم النص التخيلي بما هو جمالي، حيث ليس من كائن، أي كائن، ببعيد عن نطاق الرواية، كتابة وتمثيل معنى:
قرفة:
كل ما يسقط من السماء، لا ينبغي لك أن تصب عليه اللعنات، بما في ذلك المطر. ومهما كان الشيء المنهمر، ومهما كان المطر المفاجىء غزيراً، أو كان سقوطه مصحوباً بالثلج، فلا يتعين عليك أبد "أً" التلفظ بأي كلمات بذيئة ضد كل ما يمكن أن تخبئة السموات لنا.ص9.
وبالرغم من ذلك، ها هي تسير في أول يوم جمعة من شهر تموز على رصيف بمحاذاة طريق تعطّل فيه المرور لازدحام السيارات تعطلاً ميئوساً، بل تندفع للقاء تأخرت عنه، تتفوه بألفاظ نابية، تسب وتلعن، وتطلق الشتائم واحدة إثر الأخرى على حجارة الرصيف المتكسرة وعلى كعبي فردتي حذائها العالي وعلى الرجل الذي يطاردها خلسة...المطر نقمة في هذا المكان. أما في مناطق أخرى من العالم،فإن المطر الغزيز يكون في جميع الأحوال نعمة لكل الناس ولكل الأشياء تقريباً... ولكنه ليس كذلك في اسطنبول. فالمطر عندنا لا يعني بالضرورة البلل، ولا يعني القذارة أيضاً. وإذا كان له أي معنى فإن معناه هو الغضب. إنه يمثل الوحل والفوضى والهيجان. وكأن ما لدينا من هذه الأشياء لا يكفي..ص10.
وهكذا ، فقد شعرت بتحجر العاطفة في تلك الجمعة الأولى من شهر تموز، كأنها تحت تأثير مخدر ما. ص12.
والآن، بعد أن خطت زليخا خطوة من فوق حجارة أخرى مقلقة وشاهدت بركة الراسب الطيني تقذف لطخات سوداء على تنورتها الوحيدة، أطلقت سيلاً طويلاً من الشتائم واللعنات. لقد كانت المرأة الوحيدة في الأسرة كلها وواحدة من بين القلاقئل من النساء التركيات اللواتي يلجأن إلى استخدام مثل هذه اللغة البذيئة على هذا النحو غير المتحفظ والصخّاب والذكي.ص13.
الآن، ربما ثمة طيور ميتة من بين الأشياء التي يحتويها عالم زليخا الفوضوي، ولكنه لا يحتوي مؤكداً على رقة ويأس..ص17.
زليخا حيث تكون في مبنى خاص بالولادات، تُسأل عن زوجها، لأجل طفلها، فترد، رغم النظرات المسلطة عليها: لا والد للطفل. وبدلاً من بابا ليس هناك سوى الفراغ.
" ثم شعورها بأن ذلك يسهل مهمتها: فالتعليمات البيروقراطية كانت أقل اهتماماً بإنقاذ الأطفال الذين يولدون من زواج غير شرعي..فالطفل الذي لا أب له في اسطنبول ليس سوى لقيط آخر، وما اللقيط إلا سن أخرى مقلقة في فك المدينة على استعداد للانقلاع في أي وقت.ص24.
وتعترف لأختها سورية حول طفلها قائلة:
لدي خبر سار إذاً.. إنني لم أقتله. لم اقتلها.. مهما كانت . هذا لا يعني أنني لم أرغب في القتل، لأنني كنت أرغب حقاً كنت أريد أن أجري الإجهاض، لكنه لم يحدث لسبب ما.ص45.
ثمة رسالة غيبية أرسلت إليها تضمنت عبارة" لن تقتلي هذه الطفلة !".ص45.
هتفت غوسيوم:
لقيطة! أتريدين أن تأتي إلى هذه العائلة بطفلة غير شرعية؟ لقيطة!.
ومن ثم: عار عليك! طالما ألحقت الخزي والعار بهذه الأسرة. ص46.
وهكذا توفي الرجال في شجرة عائلة قزانجي وهم في ريعان الشباب جيلاً بعد جيلوكأنهم ملتزمون بقاعدة غير مكتوبة... هناك من كان أطول عمراً في العائلة.ص47، وخال لأحد الآباء، وجلال،وصباح الدين،ومصطفى " الولد الوحيد في الجيل الحالي والجوهرة الثمينة التي خلقها الله وسط أربع بنات... وكان عاجزاً " عن التواصل الاجتماعي في المدرسة الثانوية..ص49"
تقول العمة فارسنغ لبارسام، جهة اللغة الأرمنية والموقف التركي الرسمي منها: فل لي كم من الأتراك تعلَّموا الأرمنية. لآ أحد ! لماذا تتعلم أمهاتنا لغتهم وليس العكس؟ص80.
أسمعت الجدة غولسوم آسيا قولها: لقيطة!
لفظت الكلمة لفظاً بالغ الهدوء مما جعل آسيا لا تفهم من فورها أن جدتها كانت توجه الكلام إليها وليس إلى الزهرة " التي كانت تسقيها).
لم تتعلم آسيا معنى الكلمة إلا بعد مرور سنة واحدة عندما اقترب موعد عيد ميلادها التاسع إذ وصفها أحد أطفال المدرسة بأنها لقيطة. واكتشفت وهي في العاشرة أنها بخلاف كل فتيات صفها لا تحظى بنموزذج دون الذكر في منزلها.. وفي الوقت المحدد الذي بلغت آسيا قزانجي سن الرابعة عشرة أدركت أيضاً أنها لا تنتمي إلى اسطنبول أكثر من انتماء العلامات المؤقتة التي تصنعها دائرة البلدية لتفيد أن الطريق تحت الإنشاء أو أن المبنى قيد تحت الإعمار....وفي سن التاسعة عشرة بدأت تفهم حقيقة أخرى تضاف إلى اكتشافاتها السابقة وهي أن الانتحار في هذا العالم الغريب كان امتيازاَ نادراً ندرة الياقوت وأنها لن تكون واحدة ممن يتمتعن بمثل هذا الامتياز في أسرة كأسرتها.ص90
عن مقهى كونديرا" المكان الوحيد الذي لا تستهلك فيه أية طاقة في الحديث وتنفح الندُل إكرامية لقاء معاملة غير حسنة. أما السبب الذي سمّي به على اسم الأديب المشهور كوندير فهو ما لا يعرفه أحد على وجه التوكيد- هذا نقص في المعلومات يزيد من وحدته أنه ليس في المكان أي شيء، نعم أي شيء، يذكّر بميلان كونديرا أو أي من رواياته.ص107.
قول أرمانوش عن الانكشارية: كان الانكشارية أطفالاً من النصارى ألقي القبض عليهم وجعلتهم الدولة العثمانية يتحولون عن ديانتهم مع إعطائهم فرصة لتسلق السلّم الاجتماعي على حساب احتقار ملتهم ونسيان ماضيهم.ص155.
كانت أرمانوش الأرمنية تجسّد معنويات شعبها أجيالاً في إثر أجيال مضت على حين أن الفرد التركي الاعتيادي لا يملك مثل هذا المفهوم عن التواصل مع الأجداد. لقد عاش الأرمن والأتراك في إطاري زمن مختلفين. فالزمان في رأي الأرمن دورة يتجسد فيها الماضي بالحاضر والحاضر يولد المستقبل. أما الأتراك ، فإنهم ينظرون إلى الزمان بوصفه يحتشد بالجمل الاعتراضية ينتهي فيه الماضي عند نقطة محددة، فيبدأ الحاضر من جديد من نقطة الصفر ولا يوجد بين الاثنين سوى الانقطاع.ص222.
قول آسيا في جلسة مناقشة حول قضية الأرمن: القضية هي أن المثقفين( الانتلجنسيا ) الأرمن كانوا أول الذين جرى إعدامهم كي تبقى الجالية الأرمنية بلا عقول رائدة.ص282.
من بين المتوجدين في المكان، كان المعروف بـكاتب السيناريو اللاوطني للأشرطة السينمائية المتشددة في وطنيتها، يعكس كل أقوال كل من آسيا وأرمانوش، من موقع أنه الأعلم بالقضية، وأن هناك مبالغة عما جرى للأرمن " صص 281-286. مصلاً في الصفحة الأخيرة ما يخص قوله:ثمة شيء يقال له الهستيريا الجماعية. أنا لا أقول إن الأرمن مصابون بالهستيريا أو ما شابه ذلك.. إنها حقيقة ثابتة علمياً مفادها أن الجماعات في وسعها استغلال أفكار أفرادها..
كان أهانيس الاسطنبولي يدرك أهمية اللغة الأرمنية في تعليم الصغار لإبقاء الماضي حياً "ص305"
كان ضد التعصب القومي لأن فائدته تقتصر لديه ( في إحلال شقاء محل شقاء آخر.ص311)
ودوهم بيت أوهانيس من قبل الجنود الأتراك.. ليُتهَّم مع غيره بالتآمر ( مع حفنة من المتمرين الأشرار.ص317.
هناك من يحاول التأكيد على عظمة التاريخ العثماني، وتفنيد حقيقة الإبادة الأرمنية، كقول فتاة تركية: الإبادة الجماعية مصطلح مثقل بالإيماءات. فهو ينطوي على إبادة منظمة تنظيماً جيداً وممنهجة ومتفلسفة.ص351.
في النهاية زليخا " الخالة " وهي تعلِم آرام بحقيقة أقداح الشاي التاريخية، وأنها تروي القصص، لتعيدنا إلى البداية:
حيث ينزل المطر على هيئة قطرات على سلطان الخامس من المنزل وهو شبعان( ربما لم يعرف القواعد. لم يعرف أن كل ما يسقط من السماء لا ينبغي أن تُصب عليه اللعنة.. بما في ذلك المطر.ص477).
مطر في البداية، مطر في النهاية، فبين السماء والأرض أكثر من علاقة مناخية، طبيعية، إنها شراكة معززة بما هو تملّكي، وحتى من نوع قدَري فارض لسطته الرمزية في المجتمع المحتضن أساساً لخاصية اللقيطة، حيث لا يجوز الامتعاض من نزول المطر وآثاره، وما يترتب عليه من تغيير في معالم المكان، وفي المدينة بالذات، من تخريب، جرّاء انعدام الحائل الصناعي المطلوب، وبؤس المدنية.
حيث نلاحظ أن الاعتراف بوجود لقيطة تأتي من قبل النساء أنفسهن" غولسوم الجدة " وهو اعتراف بواقعة لا تخفى في الذاكرة، بحكم تاريخ جائر، وأن وراء ذلك خللاً اجتماعياً، لا بد من مسائلة من كان السبب. وما كان من شأنه من حلول لعنة، تعميقاً للجرح العائلي الأرمني " المصغر والمنمذج " لعنة وردت في " مائة عام من العزلة " لماركيز، ضمن عائلة " بوينديا " جرّاء عملية سفاح قربى تنبأت به أم أورسولا، لها مغزاها المهلِك سلالياً، بالنسبة لأفراد عائلة بوينديا، حيث يولد طفل بذنب خنزير !


حركية السرد في " لقيطة ستانبول " من منظور غولشاه شيشمان، في مقالها السالف ذكره
وقد أوردنا بعضاً مما يفيد هذا الجانب، حول شخصية الكاتبة ودلالة اللقيطة، وفي العنوان التركي كذلك، يمكننا متابعة حركية مقالها الجدير بالقراءة، كونه شاملاً، ودقيقاً، وفيه رشاقة تعبير، وقوة مكاشفة لجوانب مفصلية فيها، ما يستحق الاهتمام، بادئين بذكْر مشاهد عن شخصيات مؤثرة في الرواية:
تذهب زليخة كازانجي الحامل إلى موعدها مع طبيبة النساء لإجراء عملية إجهاض، فتقرر الاحتفاظ بطفلها، ثم تغادر.
- روز، وهي أم لطفل واحد انفصلت عنه مؤخرًا، برسام تشاكماكجيان، وهو أرمني، تلتقي بمصطفى، أصغر أبناء عائلة كازانجي، وتتزوجه في أريزونا.
- تعارض عائلة برسام زواج كنتهم السابقة من تركي، معتقدةً أن أحفادهم يجب أن يُربوا كأرمن.
- الجزء الثاني
- نتعرف على آسيا كازانجي، ابنة زليخة، التي أتمت الثامنة عشرة.
- نتعرف على أرمانوش، ابنة روزا تشاكماكجيان، التي تُقارب آسيا في العمر.
- تغادر أرمانوش إلى إسطنبول دون علم والديها، متلهفةً لرؤية الأماكن التي وُلدت ونشأت فيها جدتها، الأرمنية من الشتات، وبالتالي فهم موطنها الأصلي.
- أرمانوش، التي ذهبت إلى اسطنبول، كانت ضيفة على عائلة زوج والدتها مصطفى كازانجي.
الكشف عن أن زوجة رضا سليم كازانجي السابقة، جيسيان، هي ابنة أخت سيده وجدة أرمانوش، المعروفة باسم جدة شوشان.
الجزء الثالث
- وصلت روز، والدة أرمانوش، وزوج أمها مصطفى إلى إسطنبول بعد علمهما بزيارتها.
- اكتُشف أن والد آسيا هو خالها، مصطفى كازانجي، الذي اغتصب أختها زليخة.
- في إحدى الأمسيات، ذهبت بانو، الابنة الكبرى لعائلة كازانجي، إلى غرفة أخيها مصطفى وأعطته طبقًا من عشوة.
- بدأ مصطفى، بوعي وإرادة، بتناول عشوة أخته التي أحضرتها له، ليكتشف أنها مسمومة، ويموت.
وجهة النظر والراوي Bakış Açısı ve Anlatıcı
تعتمد رواية "الأب واللقيط" على منظور إلهي Tanrısal bakış açısı وراو تجريدي soyut bir anlatıcı. هذا الراوي، بمنظوره المسيطر، هو "الحاكم النهائي لعالم الرواية، بل إلهها" (تشيتشلي ٢٠٠٤: ٨٤). لا يقتصر هذا الراوي على معرفة شخصية زليحة، وردود أفعالها تجاه الأحداث، بل حتى أفكارها، بل يدرك أيضًا أفكار الآخرين:
"مهما حلّ بك من السماء، فعليك تقبّله. مهما كان المطر غزيرًا، أو قارسًا، فلا يمكنك أن تلعن ما تراه الغيوم مناسبًا لنا في الأسفل. هذا هو سياق الأمور Böyledir bu düzen.. الجميع يعلم ذلك، بمن فيهم زليحة." (شفق ٢٠٠٦: ٩)
عن المكان Mekân: تتضمن رواية "الأب واللقيط" مساحات مادية داخلية وخارجية، بالإضافة إلى مساحات مفتوحة ومغلقة مبنية وظيفيًا.
تُمثل إسطنبول، المكان المادي الواسع للعمل. في الجزء من الرواية الذي يبدأ بشخصية زليخة في شوارع إسطنبول، يُعرض صخب الحياة في إسطنبول، وحركة المرور فيها، أي كيف تتدفق الحياة في شوارع إسطنبول في يوم عادي، في ضوء الحالة النفسية لزليخة. غاضبةً من المطر، غاضبةً منه، يبدو أن معركة زليخة في شوارع إسطنبول تشمل المدينة بأكملها:
"لا يمكننا القول إننا وحدنا تمامًا في هذا الصراع. ففي النهاية، شوارع إسطنبول، بأسمائها القديمة المكتوبة على لافتات معدنية، تقاتل معنا أيضًا.
وصفت الكاتبة مقهى كونديرا، وهو موقع رئيس في الرواية، حيث تقضي آسيا وأصدقاؤها أوقاتهم غالبًا، وصفًا دقيقًا. هذا التصميم الداخلي المبني وظيفيًا، مع إطاراته التي تحمل صور الطريق على جدرانه، يثير في نفوس رواد المكان رغبة في الانطلاق والهروب والابتعاد عن الحاضر والمدينة التي يعيشون فيها:
جدران مقهى كونديرا الأربعة مغطاة بإطارات متنوعة؛ تختبئ داخلها مئات الصور واللوحات والرسومات. الإطارات متراصة بإحكام، واحدة تحت الأخرى، جنبًا إلى جنب، وبشكل قطري، إلى درجة أن المرء قد يظن للحظة أنه لا يوجد جدار منفصل تحتها.
"هذا ما أحبته آسيا أكثر في مقهى كونديرا: حالة من التعب أشبه بالغيبوبة، وتنافر لزج لم يُكلف أحد نفسه عناء تصحيحه. كان يقع خارج الزمان والمكان. كانت مدينة إسطنبول في حالة من الاضطراب الدائم، لكن في مقهى كونديرا، لم يسود سوى الرضا عن النفس. (...) هنا، تصرف الجميع بانعزال أكبر بكثير مما كانوا عليه في الواقع. كان مقهى كونديرا تناقض المدينة، بل حتى إنكارها." (شفق ٢٠٠٦: ٩٦)
بطلة الرواية، آسيا، التي تأخذ مكانها في حبكة الجزء الرابع من الرواية، تشبه والدتها جسديًا، لكنها تشترك معها أيضًا في روحها المتمردة والعنيدة. ورثت آسيا أنف والدتها المنحني وثدييها الكبيرين وشعرها الأسود الكثيف والمجعد، فتتميز بشخصية غير تقليدية، تمامًا مثل والدتها، في: اكتشافها أنها ابنة زنا في الثامنة من عمرها، ومحاولة الانتحار قبل بلوغها الثامنة عشرة، وشعورها بالغربة في مدينتها، ومناداتها زليخة بـ"خالتها" بدلًا من "أمها"، وكرهها لمن هم من جنسها، ولذلك تختار أصدقاءها من الرجال فقط. ما يميز آسيا هو قدرتها على إيذاء نفسها:
"لأن آسيا كانت لا تزال صغيرة، لم تبدُ عليها علامات التعب من الدنيا بعد. لكنها كانت قادرة على تدمير نفسها. إن ميلها إلى هدم ما بنته بيديها ليس سمة فريدة لكل من في هذه الحياة. كانت آسيا واحدة من شخصين تحت سقف واحد يشتركان في هذه السمة. لمعت في عينيها جاذبية شريرة لتدمير الذات." (شفق ٢٠٠٦: ١٣٥)
آسيا، التي تشعر بالحاجة إلى الانتقام من الرجال على الرغم من أنها لا تعرف ما الانتقام الذي تريده، تلعب بلا شك دورًا مهمًا في هذه الرغبة. تعيش آسيا حياة محاطة بالنساء، خالية من شخصية الأب، وقد شكل افتقارها للأب شخصيتها إلى حد كبير. "نشأتُ بين عماتي، اللواتي لعبن جميعاً دور الأمومة.
بسبب فقدانها للإيمان بالحياة وتشاؤمها الشديد الذي يجعلها لا تثق بالزمن، يدور موقف آسيا في الرواية حول "محاولة الشعور بالانتماء".
تعيش آسيا في المستقبل، لا في الماضي. يتجلى هذا المنظور في معالجة الرواية للإبادة الجماعية للأرمن. وفقًا لآسيا، يتمسك الأرمن بالماضي ليحافظوا على تجدد آلامهم ولتجنب نسيان ما مروا به. تعتقد آسيا أن التعلق بالماضي خطأ، ولذلك تدعو إلى التطلع دائمًا إلى المستقبل. يتأثر هذا الموقف أيضًا بكونها ابنة غير شرعية. بالنسبة له، أن تكون ابنة غير شرعية يعني عدم وجود أب، ولكن عدم وجود ماضٍ. آسيا، التي يبدو أنها تتجاهل ماضيها لأنها لا تعرف عنه شيئًا، تعتقد أحيانًا أن معرفة أحداث الماضي أفضل من عدم معرفتها على الإطلاق.
يتجلى هنا ألم جهلها بهوية والدها. بعيدًا عن سر عائلتها وعن ماضيها، تسعى آسيا إلى السعادة ليس في وطنها بل في الخارج، مانعةً إياهم من أسرارها الخاصة. في هذا البحث، لا تحاول فقط العثور على مكان انتمائها ومكانتها الذاتية، بل أيضًا على ذاتها، ذاتها. مع ذلك، وبالنظر إلى التناقضات التي تعيشها آسيا، لا يمكن القول إنها خضعت لأي تغيير أو تطور؛ لأن "البحث عن الذات لطالما انتهى إلى استياء متناقض". (كونديرا ٢٠٠٩: ٣٧). لا يزال يعاني من خيبات الأمل والأسئلة في ذهنه طوال الرواية دون أن يجد لها إجابة أو حلًا.
وزليخة في الرواية شخصية محورية / معيارية Norm Karakter/ler.
تتجلى روح زليخة المتمردة في جميع أنحاء الرواية. زليخة، التي تسلك طريقها الخاص، وتضع قواعدها الخاصة، وتعيش حياتها كما تشاء، ولا تتنازل أبدًا عن رغباتها وملذاتها مهما كلف الأمر، تعكس كل هذه السمات: قرارها إنجاب طفلها دون إجهاض، واستعدادها لتربية طفل يتيم الأب في سن التاسعة عشرة، ورفضها التخلي عن أسلوبها في ملابس المراهقة حتى في أواخر الثلاثينيات، وعدم زواجها، واختيارها مهنة فنان وشم.
ولأنها أنجبت طفلها "غير شرعي"، يبدو أن زليخة قد ورثت سمات شخصية مماثلة لابنتها آسيا، بطلة الرواية. بهذا المعنى، تعتبر زليخة الشخصية المعيارية الوحيدة في الرواية، ليس لأنها توضح عيوب آسيا، بل لأنها تكملها.
أرمانوش تشاكماكجيان هي الشخصية المحورية في الرواية، إذ تقف على الجانب الأرمني من آراء آسيا حول العلاقات التركية الأرمنية.
أرمانوش، ابنة أم أمريكية وأب أمريكي من أصل أرمني، تعاني من متلازمة الانتماء، شعور بالانتماء أو السعي للانتماء إلى مكان ما.
أرمانوش، المثقفة، قارئة نهمة. تُمثّل جسرًا بين عائلة كازانجي في إسطنبول وعائلة تشاكماكجيان في سان فرانسيسكو، ويكشف وصولها إلى إسطنبول عن الرابطة التي تمتد لتسعين عامًا بين هاتين العائلتين. هي بطلة الرواية التي تُوجّه أحداثها وتُحرّك أحداثها، إذ تكشف قصص كلتا العائلتين. أرمانوش هي من تُجسّد في الرواية فكرة وجوب اعتراف الأتراك بالإبادة الجماعية للأرمن، أو على الأقل تقديم اعتذار لهم:
إنّ الحوارات حول الأرمن والأتراك حول "شجرة أنوش" على موقع مقهى كونستانتينوبوليس، الذي تُعدُّ عضوًا فيه، بالإضافة إلى تفاصيل قصة حياة جدتها التي ترويها أرمانوش لعائلة كازانجي، تُمهّد الطريق لنقل هذه الرسائل إلى القارئ.
كثرة الشخصيات وثراء تفاعلها وتباين مواقع وضخ سردية الرواية بالمزيدات من الحبكات المحكمة والمفاجآت المترتبة عليها ، إذا تجاوزنا شخصيتي كل من زليخه وآسيا المعززتين كثيراً في الرواية نجد أسماء تستغرق صفحات الرواية وتترك عليها بصمتها:
مع الأعضاء الآخرين في عائلة كازانجي هم العمة جيفرييه، العمة فريده، العمة بانو، مصطفى كازانجي، رضا سليم كازانجي،ليفين كازانجي ، جيجياني ، والجدة غولسوم؛ زوجة مصطفى روز جاكماكجيان؛ العمة سوربون، العمة فارسينيج، العمة زاروهي، برسام تشاكماكجيان، والجدة سوشان من عائلة تشاكماكجيان، الذين يعكسون أنماط الحياة والثقافة الأرمنية؛ وأوهانيس إسطنبولييان، وديكران إسطنبولييان، وأرمانوش إسطنبولييان، وفيرفانت إسطنبولييان، وليفون أستا، أقارب عائلة تشاكماكجيان من جهة الأم، هم بعض الشخصيات الخلفية. ومن بين هؤلاء، يبرز رضا سليم كازانجي، وليفنت كازانجي، وجميع أفراد عائلة إسطنبولييان كأبطال للأحداث المحورية.طوثمة أسماء أخرى في مواقع أخرى حيث يُضمّ طاقم العمل أيضًا شيطان بانو كازانجي الشرير أغولو بك، الذي يروي لها قصة حياة أوهانيس إسطنبوليان، وشيطانتها الطيبة شكرشربت هانم..
في الخاتمة Sonuç، ثمة عودة إلى البداية وتبعاتها وتشعبات النص الروائي المتشابك سردياً، حيث التركيز على آسيا:
آسيا، التي تجهل هوية والدها، تختار التطلع إلى المستقبل بدلًا من الخوض في الماضي لمعرفة جذورها. أرمانوش، ابنة أم أمريكية وأب أرمني، تأتي إلى إسطنبول من الولايات المتحدة بحثًا عن جذورها وبالتالي فهم موطنها. تعكس مواقف الفتاتين الصغيرتين هذه وجهات نظر الأتراك والأرمن حول أحداث الماضي والعلاقات التركية الأرمنية.
آسيا، التي تعتقد أن الذكريات الجماعية والفردية عبء على عاتقنا، تعتقد أن التاريخ قد استعبد أرمانوش. ترغب أرمانوش في الحفاظ على ذكرياتها حية حتى لا يُنسى ألمها.
تتفق آسيا مع أرمانوش في أن التاريخ الرسمي مبني على الرقابة والحذف، وتعتقد أن هذا ينطبق على التواريخ الرسمية لجميع الأمم.
تعتقد آسيا أن جميع الدول القومية تُبدع أساطيرها الخاصة ثم تُصدّقها دون وعي. وتُؤكد أن تركيا ليست أمة متجانسة؛ ففي بلد يتعايش فيه الأتراك والكرد والشركس واليهود والأبخاز والجورجيون واللاز، يجب اعتبار الاختلافات الإيديولوجية أمرًا طبيعيًا. وهناك رسالة أخرى نقلتها آسيا وهي أن الإمبراطورية العثمانية كانت ثقافة عادلة.
كما هو واضح، تُمثل آسيا وأرمانوش الجانبين المتعارضين في القضية الأرمنية في الرواية.," أخيراً": بهذا المعنى، تعرض الكاتبة القضية من منظور كلا الجانبين، دون انحياز أو الترويج لإيديولوجية معينة. ما يجب فعله هو أن يتغير كلا الجانبين ويتخلصا من عقائدهما المتجذرة.
...إلخ
قراءة هادئة ولماحة بالمقابل. إن عرض وجهات النظر المختلفة تمثيل لمجتمع مختلف في أصواته ولغاته وأنشطته، وهي اللازمة المرفقة بمجمل أعمال أليف شفق، وتبعاً لنوعية الرواية كنص يفجّر مكبوتات، ويرنو إلى آفاق وفيها تطلعات مستقبلية يمكن رسمها طبعاً، وبصدد تركيا كنظام، له طابع هرمي، ومجتمع لا يخفي تستره وتحفظه على تاريخ لا يراد سماع صوته، لأن في ذلك أكثر من بلبلة معاصرة.
الهموم العائلية تتفاعل مع بعضها بعضاً، وإدراك الآخر من موقع الذاكرة المنجرحة ملحوظ بقوة،ولآسيا اللقيطة وجاهتها اسماً ومسمى، في استيعاب حقيقة ولادتها المرة وخلفيتها، وما تشعر به في قرارة نفسها جهة خلخلة كل من الزمان والمكان: هما ليسا خطيين ولا دائريين، ولا منكسرين، ثمة تشويه قاعدي فيهما بما يتناسب والأرضية الواسع وغير المستوية التي تشهد حركة شخصياتها ومصائرها المؤلمة والمعذّبة، وأن يكون مقهى " كونديرا " مثلاً استثناء في القاعدة، دون معرفة كيفية ظهور الاسم هذا، فلأنه مقهى، وليس مستقراً، أي " نزْلاً " أو فندقاً، أو موتيلاً " حيث يستقطب مختلفين، وكأن جدرانه المثقلة بالصور دالة على حكم الزمان والمكان، والمقهى شاهد على ذلك، وعدم معرفة حقيقة الاسم من جنس المكان عينه، لأن ثمة الكثير مما هو موجود، ويُرى، إنما دون ظهوره على حقيقته، كونه " تحت الوصاية الجبرية " لتاريخ عنيد!
لكن الباقي والمتبقي ومن خلال الشخصيات المختلفة، والأرمنية، على وجه الخصوص، هو استمرار الأرمن كقضية، وهي ليست الوحيدة الدالة على مجرد إيجاد حل لها، سوف يسهل حل القضايا الأخرى لمكوناتها" تركيا " الاجتماعية، الاثنية، أو القومية والسياسية، لكنها قضية عالقة في أفق النظام، وتحول دون رؤية الآتي بعلامة " خير" أو تفاؤل، طالما أن هناك إيديولوجيا اللغة الواحدة بقوميتها الواحدة تحكم البلاد والعباد. وقد قاربت الناقد غولشاه نقاطاً حساسة في الرواية، ومن داخل تركيا، ولها في ذلك بصمة اعتبار، وبهدوء، دون الدخول في مسارات نقدية توتر الوضع وتزيد طينه بِلة.

رواية التعبير عن الذات في مجتمع ذكوري
هوذا مقال آخر مكتوب بالتركية، طي عنوان
مقال شرارة تشافوشيان *نجمة شادرام: الرواية الذاتية عند أليف شفق: التعبير عن الذات في مجتمع ذكوري:
Sharareh CHAVOSHIAN *Najmeh SHADARAM: Autofiction chez Elif Shafak : s’exprimer dans une société machiste

مقاربة نقدية ومكاشفة أدبية ولكنها تُقرأ في متابعتها لما هو مضمر، أو حتى مسكوت عنه، في نسيج الرواية، على خلفية ثقافة نقدية، وما فيها من تبصرات توسّع دائرة الحكي المنتظَر سماعه، إلى جانب استقراء الصريح عبارة، واستنطاق المخفي فيه بالمقابل، وبدءاً مما هو استشراقي، وهي لفتة لافتة، إن جاز التعبير، كون الكاتبة تعيش في لندن، كما أنها ولدت في ستراسبورغ، وتعلمت هناك، وفي ثقافتها الشخصية، من السهل العثور على مؤثرات ذات نسَب استشراقي، ونفاذها إلى صميم كتاباتها، هذا ممكن، إنما لا يعني ذلك أن تذكيراً بهذا الجانب، يضيق الدائرة على الرواية، بالعكس، يتطلب ذلك مرونة أكبر، نظراً للمساحة الجغرافية الواسعة التي تُسمى هنا، بمن فيها، وكما هو المذكور عما هو استشراقي هنا وهناك:

(كما رأينا، أحد تيارات الاستشراق هو تشكيل الشرق لخلق جوٍّ حول السرد. ثم يصف المؤلفون الغربيون في أعمالهم شرقًا مُتخيلًا ليجعلوا أنفسهم وقراءهم يحلمون، ويغمروهم في جوٍّ من الخيال، دون القلق بشأن ترسيخ بعض الكليشيهات أو ارتكاب أي أخطاء.
تقترب العديد من المواضيع والمقاطع في الرواية من هذه الحركة، لا سيما في طريقة تناول الكاتبة للدين بمزجه بممارسات العرافة، وفي مناقشتها للكحول في الدول الإسلامية. تتجسد ممارسات الدين والتنجيم في شخصية واحدة، العمة بانو. أكثر أفراد عائلة كازانجي تدينًا، وأسلوبها في معايشة الدين يشوبه غموض ولمسة من التصوف.)
إنه توجيه للنظر إلى أحد مفاعيل الاستشراق، الاستشراق الذي قيل فيه الكثير، ومجرد تهجئته يثير حفيظة الكثيرين، جرّاء تاريخ حافل، لا يُطمأن إليه، في المجتمعات التي ينظَر فيها استشراقياً، عاجزة عن بناء نفسها من الداخل، وركودها. كما نرى في النقاط التالية:
( في بداية الرواية، وفي الفقرة التي تصف موعد زليخة مع طبيبة النساء، تُشير الرواية عدة مرات إلى صلاة الجمعة. تدور أحداث الرواية في أول جمعة من شهر تموز، وزليخة، التي كان موعدها الساعة الثالثة عصرًا، تصل متأخرة 46 دقيقة. تدخل غرفة العمليات بعد دقائق من وصولها، ويُذكر أن صلاة الجمعة تُقام في تلك اللحظة. ولأن أوقات الصلاة محددة مسبقًا، وصلاة الجمعة تُوافق صلاة الظهر، فلا تُؤدى إلا بين الساعة 12:30 و1:20 ظهرًا. هنا، يتوافق الوقت المحدد مع صلاة أخرى، صلاة إكيندي، في وقت متأخر من بعد الظهر. تكثر الإشارات إلى الكحول في الرواية بعبارات مبتذلة. "هذا البلد مدين بحريته لهذه الزجاجة الصغيرة التي أستطيع التلويح بها بحرية [...] هذه الزجاجة هي ما يميز تركيا عن جميع الدول الإسلامية الأخرى." ٥٦. إذا صدقنا هذا القول، فهذا يعني أن الدول الإسلامية الأخرى لا تتحلى بالقدر نفسه من التسامح تجاه الكحول.
أن العمل يدور حول موضوعين رئيسين: "الواقع الأرمني" والعلاقات بين الشرق والغرب، وموضوعين آخرين خاصين بالعائلات: العنف ضد المرأة ومحنة المنفى.
تجدر الإشارة إلى أن العائلة الأرمنية وقصتها من نسج الخيال، لكنها تستند إلى حقائق تاريخية، وقد خطرت فكرة كتابة رواية حول هذا الموضوع لأليف شفق خلال لقاءاتها مع الجدات الأرمنيات. وهكذا تتبنى الكاتبة منظور الأرمن. في الواقع، تُروى جميع الذكريات من وجهة نظر عائلة تشاكماخجيان. عندما حاولت أرمانوش معرفة المزيد من عائلة كازانجي، واجهت أشخاصًا يجهلون الحقائق تمامًا، حتى أن إحدى عماتها سألتها عن هوية من يقف وراء هذه الأحداث. لذا، نواجه حالتين متعارضتين تمامًا. من جهة، عائلة منفية تعيش في ذاكرة الأتراك وكراهيةهم،62 ومن جهة أخرى، عائلة لا تكترث إطلاقًا لهذه اللحظة التاريخية.
تسلط الكاتبة، بمبالغتها نوعًا ما، الضوء على إحدى أكبر المشكلات المعاصرة في التاريخ التركي، والتي لم تُحل تمامًا بعد. نشعر أنها تريد، من خلال روايتها، أن تُقدم لهذا الشعب درسًا في التاريخ، وأن تُذكرهم بأن التاريخ لا يبدأ مع العصر الكمالي. في الواقع، تكتب:
بالنسبة للأرمن، كان الزمن دورةً يتجسد فيها الماضي في الحاضر، ويولد الحاضر المستقبل. أما بالنسبة للأتراك، فقد توقف الماضي عند نقطة محددة، وبدأ الحاضر من الصفر في نقطة أخرى. لم يكن بينهما سوى الفراغ.65
الثنائية الدائمة بين الشرق والغرب، بين التقليد والحداثة، حاضرة بقوة في تركيا، وخاصةً في ستانبول، التي تُبلور هذه القضايا بفضل موقعها الجغرافي وتاريخها.
تنعكس هذه الثنائية في شخصيات الرواية، ولا سيما شخصيات زليخة وآسيا وأرمانوش. تُجسد الشخصيتان الأوليان الشرق المتأثر بالغرب والمُنجذب إليه، وأسلوب حياته، وانطباعه بمزيد من الحرية، بينما تنجذب الأخيرة إلى هذا الشرق كما روته عائلتها وتخيله عقلها. لكن في الحياة اليومية، يكون هذا الانجذاب ملموسًا للغاية. وينعكس ذلك في أنماط الملابس، التي تتبعها زليخة، بل وتُبالغ في إبرازها، بتنانيرها القصيرة، وكعوبها العالية، وثقوبها. إنها تشرب الكحول وتدخن،70 وتريد أن تتبع خياراتها الخاصة دون الاستماع إلى النصائح التقليدية لمن حولها.71 وبالمثل، تستمع آسيا إلى الموسيقى الأمريكية،72 وتتحدث القليل من الإنكليزية، وتنتقد بشدة المجتمع والسياسة التركية.73 لا تريد أرمانوش أن تعيش على الطريقة الشرقية، لكنها لا تزال ترغب في فهم وتجربة الثقافة التي تنتمي إليها مباشرة في بلدها الأصلي،74 وليس بعد الآن من خلال العدسة المحدودة بالضرورة للتقاليد الأرمنية لعائلتها.)
ما يمكن قوله هنا، هو التذكير بالعمل البحثي والمكتسب حضوراً عالمياً لإدوارد سعيد " الاستشراق " والذي ينطلق من هذه المقولة التي بالكاد يخلو منها أي مبحث له صلة نسب بالعلاقة" شرق- غرب " وما في " دخيلة " الغرب مما " يُسمم " البدن " الشرقي " ظلماً.
حيث يقول سعيد في أساس العلاقة هذه:
( لقد شرقن الشرق لا لمجرد أن أوروبا اكتشفت أنه شرقي بجميع تلك الطرق التي اعتبرها الإنسان الأوروبي في المتوسط في القرن التاسع عشر عادية معروفة، بل لأن الشرق كان قابلاً لأن يُجعَل- أي يخضع لكونه شرقياً . ص 42 .
وما يزيد العلاقة التنابذية وضوحاً( الاستشراق قائم على مقدمة أساسية هي الخارجية. ص 54 )
-إدوارد سعيد: الاستشراق، نقله إلى العربية: كمال أبو ديب، منشورات المؤسسة الجامعية، بيروت، ط2، 1984 .
يعني بالنسبة للناقدة التركية، أن ثمة " تواطؤاً " ما، خفياً أو معلناً من داخل النص، بين رؤية الكاتبة لـ" شرقها " والأرمن كحامل محوري في النص، جهة النظر إليهم تاريخاً وثقافة، وما للاستشراق من صيت سحري، هيمنوي بمقولاته وفنون قوله الجانبية، وضرورة التحرر من هذه النظرة، حيث العالم تغير، والعلاقات تغيرت.
إنما هل يمكن اعتماد ثنائية " الخارجي- الداخلي " في قراءة ما نقرأه هنا؟ هل يمكن الاكتفاء بت" الداخلي، والإيحاء إلى أننا بعيدون عن مؤثرات الاستشراق " الخارجي " وأن الداخل عديم الصلات به؟ وثمة الكثير" من ألبسة وسلع وغيرها دالة على خلاف ذلك؟
والناظر، على سبيل المثال، في المجتمع التركي المعاصر، أو الراهن، على وجه الدقة، يلاحظ إلى أي مدى تتنامى هيمنة ليس الدين " الإسلامي " إنما تدينه على مظاهر الحياة كافة، وبالنسبة للمرأة خصوصاً، وما يعنيه ذلك من بؤس الحريات ذات الصلة بما هو حي.
إن ما كتبه يشار كمال" 1923-2015" الكاتب الكردي والمعروف بالتركية وعالمياً بشكل جيد، يرينا ما هو صارخ في المجتمع التركي، جهة التعامل مع الآخرين الذين يطالبون بالنظر إليهم على أنهم مختلفون عن الترك:
(...) لقد قرر قادة تركيا استنزاف البركة لصيد الأسماك وأعلنوا حرباً عامة. شاهدنا بسرعة وتعلمنا كيف يجب أن يتم تصريف البركة وصيد الأسماك. لقد شاهده العالم كله وتعلَّمه. لكن الناس من أصل تركي لم يكونوا مدركين حقًا ، حيث تم منْع الصحف من الإشارة إلى تجفيف البركة ، أو لأن صحافتنا غير الخاضعة للرقابة ، مكرسة تمامًا للوطن وقومية ، لم تعط معلومات عن البركة ، معتقدة أن العالم لن يسمع ، لن يعرف ولن يرى ما يحدث. كانت الطريقة المستخدمة لتصريف البركة قاسية لدرجة أن الدخان الكثيف ارتفع إلى الطابق السابع من السماء. إنما بالنسبة لصحافتنا ، استرضاء العالم ، إقناع شعبنا - أو الاعتقاد بأنهم تمكنوا من الإقناع - كانت الوطنية ، القومية. لم تكن على علم بجريمتها ضد الإنسانية. صرخت عيونها ، ملطخة بالدماء ، أفواه ، بصوت واحد: "لن نتخلى عن حجر واحد ، ولا حفنة واحدة من الأرض". (...) "مرحبًا! الرفيق ألعزيز ، وطني عظيم ، لا أحد يريد حصاة أو حفنة من الأرض. مواطنونا الكرد يريدون لغتهم وثقافتهم التي ندمرها.
ينظر في مقاله
9- KEMAL, YAŞAR: Le ciel noir sur la Turquie , ovipot.hypotheses.org
كمال، يشار: السماء المظلمة فوق تركيا
يعني ذلك أن تركيا " النظام " مستعدة لأن تمارس أي سياسة تصفوية وحتى الآن، ما وسعها جهدها للحيلولة دون ظهور معارض لها.
وما أفصحت عنه شفق في مقابلة معها طي عنوان:
"أريد أن أخلق مساحة ديمقراطية مفتوحة في رواياتي"15 ك2، 2020 ، يسهم كثيراً في إظهار قوى المأثور النصي وتجلياته التاريخية:
( من المستحيل التزام الصمت "عندما تُنتهك حقوق الإنسان. للأسف، أصبحت تركيا أكبر سجن للصحفيين في العالم. في الماضي، كانت الصين أو روسيا هي من سجّلت ذلك، لكن تركيا تخطّت حتى ذلك الرقم القياسي". وتستشهد بقضايا عثمان كافالا، وأحمد ألتان، الذي لا يزال مسجونًا، والفنانة زهرة دوغان، التي أُطلق سراحها ورحّبت بها منظمة القلم الدولية، التي تُؤيّدها أليف شفق بشدة، تضامنًا مع "جميع الكُتّاب المعتقلين والمُراقَبين حول العالم، في المجر، والبرازيل، وفي هذه الدول ذات الأنظمة الاستبدادية". وقد حُوكمت هي نفسها بسبب روايتها "لقيطة ستانبول"، التي تناولت الإبادة الجماعية للأرمن. "كان الأمر سرياليًا لأنه كان كلام شخصية خيالية. كان على محاميّ التركيّ أن يدافع عن شخصيتي الأرمنية". عامٌ من التجارب والإهانات - كانت الروائية حاملاً آنذاك، وتتذكر فترةً عصيبةً للغاية.)

وما يمضي بنا إلى داخل الرواية أكثر :
في هذه الرواية الوحيدة، المؤلفة من حوالي 400 صفحة، تتناول أليف شفق، تارة بشكل مباشر وتارة أخرى ببراعة، قضايا معاصرة ومثيرة للجدل في تركيا، تتشابك بطريقة معقدة وبسيطة في آن واحد، في حبكة تتكشف كخيط أريان، لتقود القارئ في النهاية إلى حل جميع الألغاز. وبينما ينصب التركيز على "الحقيقة الأرمنية"، الموضوع الرئيس للكتاب، فإن المواضيع الأخرى لا تقل قوة، وتُعالج دون إصدار أحكام أو خطاب غير ضروري من جانب الكاتبة، التي يبدو أنها تقدم للقارئ حقائق بسيطة لتوضيحها بشكل أفضل. وتحرص على عرض وجهات النظر المختلفة حول أهم قضيتين110 من خلال حوارات منطقية، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو في مقهى كونديرا. ومع ذلك، لن تُفسر الرواية بالضرورة بالطريقة نفسها، خاصةً بناءً على معرفة القارئ بالشرق والقضايا التي تواجه العالم التركي. لذلك، يمكننا التمييز بين ثلاثة مستويات للقراءة:
المستوى الأول مُخصص لمن لا يملك معرفةً واسعةً بالثقافة الشرقية وتركيا. سينطلقون بعدها في رحلةٍ ممتعة عبر التاريخ، ينغمسون في أجواءٍ شرقيةٍ مميزة، كالطعام والجن والتقاليد الشعبية. سيطمئنهم حضور أرمانوش الغربي، الذي سيرشدهم لفهم أحداث عام ١٩١٥. سيتجاهلون، بالطبع، بعض الأخطاء المتعلقة بمواقيت الصلاة وقوانين الكحول، على سبيل المثال.
المستوى الثاني مُخصص للقراء الذين لا يملكون معرفةً متعمقةً بالتاريخ التركي، ولكن لديهم فهمٌ أساسيٌّ له، وكذلك للثقافة الشرقية.
المستوى الثالث والأخير مُخصص للقراء المُلِمين بتركيا وتاريخها وثقافتها، والثقافة الشرقية عمومًا. سيلاحظون حينها بوضوح أن جميع المواضيع التي يتناولها الكتاب لا تزال ذات صلة ومثيرة للجدل. من الواضح أن استشراق أليف شفق ليس استشراق أعمالها المبكرة. إن تركيزها على مسألة "الحقيقة الأرمنية" يسمح لها بجذب القارئ إلى موضوع الكتاب الرئيس، ويمثل "الشجرة التي تخفي الغابة". إنها نقطة انطلاق لمناقشة المجتمع التركي. المنظور الذي تُضفيه أليف شفق على روايتها خارجي عمدًا، ويبقى خارج نطاق السياسة والدراسات التاريخية. إنها تستخدم ثقافتها الغربية للتحدث بحرية وموضوعية أكبر عن القضايا المعاصرة لثقافتها الشرقية الأصلية، والتي تُظهر معرفتها وإتقانها لها، ربما كما لو كانت تُثبت أنها ملكها بالكامل. أليف شفق، وستانبول، وآسيا، وأرمانوش، عالم واحد، عالم بين عالمين، ووجهتي نظر عالميتين، والرواية لقطة من هذا، صورة. في القرن الحادي والعشرين، تطور الاستشراق، ولم يعد يقتصر على البحث عن سحر الشرق وغرائبه ليقود القارئ إلى الأحلام، أو لدراسة هذا العالم، أو لإظهار تفوق أحدهما على الآخر. بل أصبح الآن جدليًا عمدًا، ولا يتردد في التنديد، بصوت عالٍ ولكن بمهارة، بتجاوزات أو مشاكل شرق أقل تجسيدًا للأوهام، ومجتمع يشبه سائر المجتمعات، بأحلامه ومشاكله وتجاوزاته. تُقدم لنا إليف شافاق عرضًا باهرًا لهذا في رواية "لقيطة ستانبول".
المستوى الثالث والأخير مُخصص للقراء المُلِمين بتركيا وتاريخها وثقافتها، والثقافة الشرقية عمومًا. سيلاحظون حينها بوضوح أن جميع المواضيع التي يتناولها الكتاب لا تزال ذات صلة ومثيرة للجدل. من الواضح أن استشراق أليف شفق ليس استشراق أعمالها المبكرة. إن تركيزها على مسألة "الحقيقة الأرمنية" يسمح لها بجذب القارئ إلى موضوع الكتاب الرئيس، ويمثل "الشجرة التي تخفي الغابة". إنها نقطة انطلاق لمناقشة المجتمع التركي. المنظور الذي تُضفيه أليف شفق على روايتها خارجي عمدًا، ويبقى خارج نطاق السياسة والدراسات التاريخية. إنها تستخدم ثقافتها الغربية للتحدث بحرية وموضوعية أكبر عن القضايا المعاصرة لثقافتها الشرقية الأصلية، والتي تُظهر معرفتها وإتقانها لها، ربما كما لو كانت تُثبت أنها ملكها بالكامل. في القرن الحادي والعشرين، تطور الاستشراق، ولم يعد يقتصر على البحث عن سحر الشرق وغرائبه ليقود القارئ إلى الأحلام، أو لدراسة هذا العالم، أو لإظهار تفوق أحدهما على الآخر. بل أصبح الآن جدليًا عمدًا، ولا يتردد في التنديد، بصوت عالٍ ولكن بمهارة، بتجاوزات أو مشاكل شرق أقل تجسيدًا للأوهام، ومجتمع يشبه سائر المجتمعات، بأحلامه ومشاكله وتجاوزاته. تُقدم لنا إليف شافاق عرضًا باهرًا لهذا في رواية "لقيطة ستانبول".
مقال شرارة تشافوشيان *نجمة شادرام: الرواية الذاتية عند أليف شفق: التعبير عن الذات في مجتمع ذكوري:
Sharareh CHAVOSHIAN *Najmeh SHADARAM: Autofiction chez Elif Shafak : s’exprimer dans une société machiste
إنها قراءة معززة بالدلالات والثراء المفاهيمي، سوى أن فيها ما يقلل من نفاذ الأثر القيمي المختلف، كما لو أن هناك دفاعاً واضحاً ومبطناً بالمقابل عن صيرورة المجتمع التركي، عن تركيا النظام، وكيل المديح له، والسعي إلى الدخول في حاضنته أكثر، وما في نبرة كتابة من هذا النوع، من دور مركَّب، كما هو دور الشخصية النسائية المركَّب: الامتعاض مما يجري، ومحاولة التكيف معه في آن.
كيف يمكن نسيان تاريخ لا يزال يضطهد الذاكرة عموماً، وهي في تنوعها، وجعلأها إحادية، وبالنسبة للأرمن هنا، ورفض الاعتراف بالمجازر المرتكبة ضدهم؟ إن الحديث عن الذاكرة مرفَق بالتنهدات، والحسرات، إنما بالتوق إلى ما هو منشود.
إن ما يمضي إليه تزفيتان تودوروف، في كتابه الملهِم: الأمل والذاكرة " خلاصة القرن العشرين "، نقله إلى العربية : نرمين العمري، منشورات العبيكان، الرياض،الرياض، ط1، 2006 . يعزز الثقة بما يتردد هنا قولاً على صعيد الكشف عن الحقيقة الصادمة:
( إن الحفاظ على ذكرى الألم الذي لحق بنا قد يقودنا إلى ردود أفعال انتقامية، وكذلك النسيان، يمكن أن يولّد نتائج وخيمة . ص 238 .
إن تبجيلنا للذاكرة لا يخدم في كثير من الأحيان التاريخ بالشكل المطلوب، وكذلك الأمر بالنسبة للعدالة عندما تتوقف عن كونها مصدراً للوثائق التي تقدَّم للتاريخ من أجل تحليلها، وتصبح إخراجاً للمعرفة التاريخية.ص282.)
إنه تثمين للمحاولة، وتنبيه إلى الخطورة، نظراً للمآسي الممكنة الحدوث، ولكن ثمة مؤشر فاعل في ميدان العلاقة لاى يهدأ بحكم الضرورة طبعاً، لا التاريخ يمكنه البقاء كما هو، ولا الذاكرة يمكنها السكوت والصمت والضغط متواصل عليها.

في سياق مكمّل
في مقال بالفرنسية، ثمة ما يضيء بنية العلاقة النصية في الرواية، حيث نقرأ:
من التركيات "Turqueries " في قصر فرساي إلى الشرقيات "Orientales " لهيغو (1829)، مرورًا بـ"رسائل مونتسكيو الفارسية" (1721)، غذّى الشرق خيال البرجوازية الأورُبية، بل وأيضًا، وقبل كل شيء، خيال الفنانين والكتاب. الاستشراق مفهوم يشمل تخصصات متعددة ومساحة جغرافية شاسعة. ويمكن تطبيقه على العديد من الإنتاجات، سواء أكانت علمية أم سياسية أم فنية أم أدبية.
على سؤال: ولكن ما المستشرق؟ يُطرح هذا السؤال في أعمال ج. ل. تريتر، والإجابة متعددة الأوجه. فهي تتجسد بالقدر نفسه في عالم آثار متخصص في العالم الشرقي، ومسافر يبحث عن مكان آخر أو طرق تجارية جديدة على غرار ماركو بولو، ومصور صحفي يرغب في مدح فرد غير ملوث بالمجتمع البشري أمام العالم "المتحضر"، أو تصوير شخص غير مسيحي بشع يجب معاقبته، أو حتى في امرأة خطت خطوة الاستقلال وشرعت في حلمها بالشرق.
كما توضح في مقال كتبته لصحيفة واشنطن بوست، كان لقاءها بجدات أرمنيات هو ما ألهمها لكتابة هذا الكتاب. ثم التقت بالعديد من العائلات الأرمنية والتركية لمساعدتها على فهم هذه الفترة العصيبة من التاريخ. تتناول الرواية، ببنيتها المعقدة، مواضيع معاصرة محددة من خلال قصة عائلتين يعيش أبطالهما في بلدين مختلفين.
في الواقع، آسيا ممزقة بوضوح بين الحداثة الغربية التي تجذبها والتي استوعبت سماتها في أسلوب حياتها وطريقة معيشتها، وبين الحفاظ على تقاليد شرقية معينة، مرتبطة أيضًا وبشكل خاص بأسلوب حياتها داخل عائلتها. على العكس من ذلك، فإن أرمانوش، التي تغربت تمامًا من خلال حياتها مع والدتها الأمريكية، تسعى مع ذلك إلى إعادة التواصل مع جذورها الشرقية وفهمها، والتي تلمح أسلوب حياتها من خلال عائلة والدها. أما الموضوع الخاص بالعائلة التركية، فيتجسد هنا من خلال سر عائلي يحيط بزليخة ومصطفى. يتعلق هذا السر بالعنف ضد المرأة.
Entretien Elif Shafak : «L’essence d’Istanbul est féminine»
ميلاني هوشار-أردوغان كارتال: الاستشراق عند أليف شفق في رواية "لقيطة ستانبول"
أبسط ما يمكن قوله هو أن هذا التمزق له قاعدته البنيوية في العمق المجتمعي لنظام لا يهادن، ويراهن على ماض موجه لديه، وأن الحديث عن متحولات الاستشراق لا يقصينا عما يجري في الداخل، وتواطئه خارجاً.

عن التنبؤ في الرواية
وجه آخر يخص ثراء المثار في " لقيطة اسطنبول " وهو التنبؤ " كما نقرأ في مقال مكتوب بالتركية:
في ملخص لمقال شيدم بالا مول: التنبؤ بالمستقبل في روايات إليف شفق Çiğdem PALA MULL: ELİF ŞAFAK’IN ROMANLARINDA ÖNSEME
تركز هذه الدراسة على عنصر أدبي شائع الاستخدام في الأدب الغربي عند تحليل الروايات أو القصص القصيرة. هذا العنصر، الذي تُرجم إلى التركية بـ "önseme" (التنبؤ)، نادر الاستخدام في النقد الأدبي التركي، ويُناقش بشكل أكثر شيوعًا في سياق السينما والمسرح. يُستخدم التنبؤ بالمستقبل في حبكة الرواية أو القصة القصيرة للتنبؤ بالأحداث المستقبلية، وقد أتقنت إليف شفق، إحدى أشهر الشخصيات في الأدب التركي المعاصر، استخدام التنبؤ بالمستقبل في رواياتها. ستناقش هذه الدراسة استخدام التنبؤ بالمستقبل في روايتي إليف شفق، "الأب واللقيط" و"إسكندر"، مع أمثلة.
إن تقسيم الرواية قيد الدراسة إلى ثمانية عشر فصلاً، ليس مجرد ترقيمها، بل تسمية كل فصل بـ "قرفة، حمص، سكر حبيبي، بندق محمص، فانيليا، فستق، قمح، صنوبر، قشور برتقال، لوز، مشمش مجفف، بذور رمان، تين مجفف، ماء، زبيب، ماء ورد، أرز، وسيانيد البوتاسيوم"، هو استراتيجية الراوي. باستخدام هذه العناوين الفرعية، يُلمّح الراوي إلى حدث داخل النص - وهو نوع من السرد المبكر - ويحاول في الوقت نفسه شرح حدث تاريخي خارج النص بما يتوافق مع أطروحته. (ييفلي، ٢٠١٣: ٢٦٤٤)
آسيا، ابنة زليخة غير الشرعية، التي نلتقي بها في بداية الرواية، نشأت وهي تُلقّب بـ"البنت غير الشرعية"، وهو ما تُشدد عليه غولسوم تحديدًا. كما أن مخاطبتها لوالدتها بـ"العمة زليخة" تُنذر بذلك. فهي تُصرّح بأن هذا ما تُفضّله والدتها. علاوة على ذلك، إذا قرأنا هذا الكتاب بالإنجليزية، فإن هذا النذر يكون أوضح، إذ إن كلمتي "عمة teyze " و"خالة hala " مترادفتان في الإنجليزية.
والد آسيا هو في الواقع عمها مصطفى. اغتصبها شقيقها مصطفى. في نهاية الرواية، بعد أن أدرك أن آسيا هو والده، انتحر مصطفى عمدًا بتناول عشورة مسمومة أحضرتها له عمته بانو.
هذا التنبؤ قائم على إحداثيات بينية بالتأكيد، أي ما يصل الآتي وهو غير مرئي بالحاضر وما قبله، وهو مرئي، وفي ضوء مكاشفته. ألأم تقم رواية " مائة عام من العزلة " المذكورة سالفاً على التنبؤ بكامل روعتها؟ ربما بالطريقة هذه تمثل العائلة الأرمنية المنمذجة صورة " الحامل " لحبات المسبحة والتي تسمّي مكونات تركيا مجتمعياً، وتنويعات الحبات هذه، وكيف يُحكَم عليها وهي محمولة بخيط مشمّع ومحكوم الإغلاق عليها كثيراً!

في مناح مختلفة ومكملة
في مقال عنها وبالتركية، تحت عنوان لافت: Baba ve Piç” İtalya’da Tiyatro Oyunu Oldu ، أي "الأب واللقيطة" تحولت إلى مسرحية في إيطاليا
اقتباس رواية "الأب واللقيط" للكاتبة أليف شفق، التي تُرجمت أعمالها إلى أكثر من 30 لغة، إلى مسرحية في إيطاليا، والتي أثارت جدلاً واسعاً في تركيا. وقد لاقى العرض الأول في فلورنسا للمسرحية، التي نفدت تذاكرها بالكامل، والتي تلعب دور البطولة فيها سيرا يلماز، استحساناً كبيراً.
وقول الممثلة في العرض المسرحي سيرا يلماز: من الجيد أن يتزامن عرض المسرحية مع الذكرى المئوية لأحداث عام ١٩١٥.
وتذكرت سيرا يلماز تصريح شفق خلال المحاكمة، والذي جاء فيه: "أردت المساهمة في تهيئة بيئة إنسانية وسلمية بين المجتمعين"، والذي رفعه المحامي كمال كرينتشز، وقالت: "أي كاتب في تركيا لم يخضع للمحاكمة؟ مواجهة الماضي أمر بالغ الأهمية. هذا مهم للصحة النفسية والاجتماعية".
وفي ملخص لمقال شيدم بالا مول: التنبؤ بالمستقبل في روايات إليف شفق Çiğdem PALA MULL: ELİF ŞAFAK’IN ROMANLARINDA ÖNSEME
تركز هذه الدراسة على عنصر أدبي شائع الاستخدام في الأدب الغربي عند تحليل الروايات أو القصص القصيرة. هذا العنصر، الذي تُرجم إلى التركية بـ "önseme" (التنبؤ)، نادر الاستخدام في النقد الأدبي التركي، ويُناقش بشكل أكثر شيوعًا في سياق السينما والمسرح. يُستخدم التنبؤ بالمستقبل في حبكة الرواية أو القصة القصيرة للتنبؤ بالأحداث المستقبلية، وقد أتقنت إليف شفق، إحدى أشهر الشخصيات في الأدب التركي المعاصر، استخدام التنبؤ بالمستقبل في رواياتها. ستناقش هذه الدراسة استخدام التنبؤ بالمستقبل في روايتي إليف شفق، "الأب واللقيط" و"إسكندر"، مع أمثلة.
إن تقسيم الرواية قيد الدراسة إلى ثمانية عشر فصلاً، ليس مجرد ترقيمها، بل تسمية كل فصل بـ "قرفة، حمص، سكر حبيبي، بندق محمص، فانيليا، فستق، قمح، صنوبر، قشور برتقال، لوز، مشمش مجفف، بذور رمان، تين مجفف، ماء، زبيب، ماء ورد، أرز، وسيانيد البوتاسيوم"، هو استراتيجية الراوي. باستخدام هذه العناوين الفرعية، يُلمّح الراوي إلى حدث داخل النص - وهو نوع من السرد المبكر - ويحاول في الوقت نفسه شرح حدث تاريخي خارج النص بما يتوافق مع أطروحته. (ييفلي، ٢٠١٣: ٢٦٤٤)
آسيا، ابنة زليخة غير الشرعية، التي نلتقي بها في بداية الرواية، نشأت وهي تُلقّب بـ"البنت غير الشرعية"، وهو ما تُشدد عليه غولسوم تحديدًا. كما أن مخاطبتها لوالدتها بـ"العمة زليخة" تُنذر بذلك. فهي تُصرّح بأن هذا ما تُفضّله والدتها. علاوة على ذلك، إذا قرأنا هذا الكتاب بالإنجليزية، فإن هذا النذر يكون أوضح، إذ إن كلمتي "عمة teyze " و"خالة hala " مترادفتان في الإنجليزية.
والد آسيا هو في الواقع عمها مصطفى. اغتصبها شقيقها مصطفى. في نهاية الرواية، بعد أن أدرك أن آسيا هو والده، انتحر مصطفى عمدًا بتناول عشورة مسمومة أحضرتها له عمته بانو.
ذلك يعبّر عما مستقى من اتلنوع ويتلقفه الواقع في جغرافيات مختلفة، كما في مسرحة الرواية وتداعياتها !

وما هو مسطور عنها وتعريفاً بها وتوصيفاً لها، سنة صدورها 2006
على غلافها، ومخاطبة المرأة: الأنثى، تعبيراً عن الهوية الدقيقة لجنسانية الرواية:
هل قرأتِ رواية إليف شفق "الأب واللقيط"؟ اقرأيها Okuyun. بما أن الكثير قد كُتب عنها، فسأختصر: اقرأيها لتكتشفي طبقاتٍ مختلفة، وقراءاتٍ مختلفة، ودلالاتٍ مختلفة. اقرأيها لتكتشفي وتستمتعي بغنى اللغة التركية اللامتناهي، وألعاب أليف شفق اللغوية، وعبثها اللغوي، وسرعة لسانها، و"شقاوتها" اللغوية التي تتحدى التمييز الجنسي. اقرأيها لأنها روايةٌ آسرةٌ تُخبرنا عن النسيان، والتذكر، والذكريات، والصمت، والأسرار والحقائق، والتمرد والخضوع، والهروب والسعي.
زينب أورال، جمهوريت

روايةٌ نابضةٌ بالحياة ومسلية. أسرتني هذه الرواية الرائعة. وعندما عدتُ، كان بانتظاري واقعٌ مختلف.
آلان تشيوس، شيكاغو تريبيون

شجاعة وجميلة Cesur ve güzel ... على الرغم من أن الكتاب يضم شخصيات عديدة، إلا أن أكثرها جاذبيةً ليست إحدى سيدات عائلة كازانجي، بل ربما إسطنبول نفسها. جون فريمان، ستار تريبيون
تتمتع شفق بمهارة فائقة في ابتكار شخصيات نسائية قوية، ومن المؤكد أن وصفها الحي لإسطنبول سيجذب الكثيرين إلى المدينة. تبقى شخصيات شفق عالقةً في الأذهان لفترة طويلة بعد الانتهاء من قراءة الكتاب.
باتريشيا كوريجان، سانت لويس بوست ديسباتش
هل قرأتِ رواية إليف شفق "الأب واللقيط"؟ اقرأيها. بما أن الكثير قد كُتب عنها، فسأختصر: اقرأيها لتكتشفي طبقاتٍ مختلفة، وقراءاتٍ مختلفة، ودلالاتٍ مختلفة. اقرأيها لتكتشفي وتستمتعي بغنى اللغة التركية اللامتناهي، وألعاب إليف شفق اللغوية، وعبثها اللغوي، وسرعة لسانها، و"شقاوتها" اللغوية التي تتحدى التمييز الجنسي. اقرأيها لأنها روايةٌ آسرةٌ تُخبرنا عن النسيان، والتذكر، والذكريات، والصمت، والأسرار والحقائق، والتمرد والخضوع، والهروب والسعي.
زينب أورال، جمهوريت

روايةٌ نابضةٌ بالحياة ومسلية. أسرتني هذه الرواية الرائعة. وعندما عدتُ، كان بانتظاري واقعٌ مختلف.
آلان تشيوس، شيكاغو تريبيون

شجاعة وجميلة Cesur ve güzel... على الرغم من أن الكتاب يضم شخصيات عديدة، إلا أن أكثرها جاذبيةً ليست إحدى سيدات عائلة كازانجي، بل ربما إسطنبول نفسها. جون فريمان، ستار تريبيون

تتمتع شفق بمهارة فائقة في ابتكار شخصيات نسائية قوية kadın karakterler yaratma konusunda çok hünerli ، ومن المؤكد أن وصفها الحي لإسطنبول سيجذب الكثيرين إلى المدينة. تبقى شخصيات شفق عالقةً في الأذهان لفترة طويلة بعد الانتهاء من قراءة الكتاب.
باتريشيا كوريجان، سانت لويس بوست ديسباتش

وفي مكان آخر:
تسافر رواية "الأب والولد غير الشرعي" على طول خط اسطنبول-سان فرانسيسكو: تتشابك قصص عائلة كازانجي التركية المسلمة وعائلة تشاكماكجيان الأمريكية الأرمنية، على مدى 90 عامًا. أيُفضّل نسيان الماضي تمامًا، أم حمل وعي الماضي معك؟ من ناحية أخرى، تُعدّ "الأب والولد غير الشرعي" رواية نسائية: قصة أربعة أجيال من النساء من عائلة مات رجالها فجأةً ودون سبب، تاركين وراءهم النساء فقط. ستستمتع بقراءة هذه الرواية، المُفعمة بذكريات الجدات والمربيات والعمات.
رواية "الأب واللقيط" رواية متعددة الدلالات، مبنية على استعارات ساخرة، مستمدة من سخرية قاسية، وتنفتح على قراءات متنوعة؛ رواية "الأب وولده" تستدعي الذاكرة، وتنسي...
رواية أليف شفق الأخيرة، "الأب وولده"، بقصتها وأسلوبها الفريدين، تأخذنا في رحلة بين إسطنبول وسان فرانسيسكو، بين الحاضر والماضي، بين الإنساني والروحي، وفي الوقت نفسه تُلامس جراح المجتمع العميقة (القضية الأرمنية، والنظام الأبوي، وسفاح القربى).
على الرغم من خطورة القضايا التي تتناولها، أعتقد أنها من أكثر روايات إليف شفق تفاؤلاً. وأهم ما في هذا التفاؤل هو إيحاءها بإمكانية أن يبني الناس، الذين يواجهون ماضيهم الاجتماعي والفردي، والذين يتخلصون من عباءة اللامبالاة ويكتسبون ذاكرة، مستقبلاً بضمير أكثر صفاءً وأساس أقوى.


ومن بين التعليقات وهي متنوعة وبالتركية
تعليقات تمثل تلويناً لفعل القراءة والنص الجاري تداوله، وربما تكون طريفة بما تقوله دون تكليف:
رواية أليف شفق تتناول الإبادة الجماعية الأرمنية وسفاح القربى. أعتقد أن هدف شافاق الرئيس هو جمع شخصيات متعددة ذات رؤى فكرية مختلفة في روايتها، وتجسيد التنوع والاختلاف في مجتمعنا بشكل كامل. كما تكشف الرواية أن الماضي لا مفر منه، وأن السبب الحقيقي لكثير من الأحداث المستقبلية هو ما حدث في الماضي، وقد نجحت في ذلك.

النقطة الوحيدة التي لم تنجح فيها هي الشعور بالنقص الذي يبقى بعد إنهاء الكتاب. فبينما تُغرقنا الرواية بالعواطف، تُنهي آسيا القصة بـ"أب" صامت، دون حتى التطرق إلى هذه النقطة. لم يرضني ذلك beni tatmin etmedi .

انكسر حجر الرصف الذي كانت تطأه فجأة، وتناثرت بركة الزّيفوس تحته على تنورتها اللافندرية. انفجرت زليخة باللعنات. إنها المرأة الوحيدة في عائلة قازان التي تستطيع استخدام مثل هذه اللغة البذيئة بصراحة ودون تردد. تُعتبر هذه الصفة نادرة ليس فقط بين نساء قازان، بل بين جميع النساء التركيات أيضًا. ربما لهذا السبب، كلما بدأت باللعن، كانت تلعن وتلعن، كما لو كانت تحاول إخفاء شتائم زميلاتها من النساء. الأمر نفسه هذه المرة. بدأت تلعن كل بلدية في التاريخ لأنها، منذ أن كانت طفلة، لم ترَ يومًا واحدًا تلك الحجارة اللعينة مثبتة في مكانها. يحدق بها المارة بدهشة. كلمات بذيئة türden küfürler لا تليق بفم امرأة.

رواية أليف شفق تروي قصةً لا يقبلها أي مجتمع حديث ومتحضر اليوم.
بسبب عنوانها، يتضح الطابع اللاأخلاقي etik disi oldugu للقصة، لذا أعتقد أنها ليست حرقًا للأحداث. وكما هو الحال مع سؤال "هل ما زلت ترغب بمشاهدة هذا المحتوى؟" الذي يظهر قبل بعض مقاطع الفيديو التي تحتوي على عنف شديد، فإن هذا الكتاب لا يقرأه إلا من يقبلون احتمالية مواجهة الفجور.
أعتقد أن حبكة الرواية وسيناريوهاتها ممتازان، والأحداث معقولة جدًا، والصدف معقولة جدًا. مع أن الشخصيات الأرمنية ليست الشخصيات الرئيسية، إلا أنها تُثري القصة. أجد أنه من المفيد رؤية الأحداث من منظور الآخرين، ورؤيتها من وجهات نظر مختلفة، بدلًا من التاريخ الذي يُدرّس/يُفرض علينا في المدارس. أخيرًا، العمة بانو ليست الشخصية الرئيسة، لكنها في رأيي هي من تحمل أحداث القصة، وقد ساهمت بشكل كبير في كل من الشخصيات الرئيسة والقصة بأفعالها.
...إلخ
إن إحدى الفضائل الكبرى للأدب، للنقد، للفكر، تكمن ليس في إرضاء مختلف الأذواق، وتغليب بعضها على البعض الآخر، وإنما في محاولة تهذيبها من خلال أسلوب الكتابة، أو السرديات الإبداعية ومغايرتها، وفي استيلاد أذواق يقظة، ونشطة، وقادرة على الدخول في التاريخ وعمرانه، والتقريب بين مكونات الذاكرة الجماعية المختلفة، وحينها لا تكون اللقيطة في حالة مظلومية الآخر، أو الذات، وتبعاتها البؤرية الشديدة توتراً، وإنما ثمرة مرة لشجرة ضخمة بفروعها، عميقة بجذورها لمجتمع بكامله.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى