أليف شفق
إمضاءة عالقة
في تعليق طريف، للمخرج السينمائي الكبير جان لوك غودار ، ومن باب المقارنة بين كلّ من السينما والتلفاز، قال: عندما نذهب إلى السينما، ننظر إلى الأعلى. وعندما نشاهد التلفزيون، ننظر إلى الأسفل.
الطبعة التركية للرواية
هل أستطيع القول، وفي ضوء ما عشتُه ورأيته، أن العلاقة المنظورية بين كل من الرجل والمرأة، هي في مقام النظرة إلى كل من السينما والتلفاز؟
أليس مجرد التذكير باسم الرجل/ الذكر، يدفع بقائله، ومن حوله إلى النظر عالياً، أما بالنسبة إلى المرأة، فإلى أسفل؟ أليست رؤية جسم الذكر، وهو طفل بكامل عريه يثير الضحك والبهجة، مقابل الشعور بالخجل والخزي إزاء جسم البنت/ الأنثى عارياً؟ أترانا في غفل عما يجري إلى هذي الدرجة، لنغض الطرف، سيميائياً، وأثنوغرافياً، واجتماعياً وسياسياً، وفقهياً " بقالبه التديني العميق" عما يتم من إجراءات، ومن تصورات، وإطلاق أحكام في هذه العلاقة البينية؟
ألا يعتبَر الرجل/ الذكر في الحالة هذه تاريخاً، برموزه" القوامية" والدلالة اللافتة في أصل" القوامية " ذكورياً، والمرأة/ الأنثى في الحالة المقابلة، ودون المستوى الأول ذاكرة،، وما في الذاكرة من محكومية تسمّي الطاعن فيها، والمتلبس لحقيقتها ومحوّرها: الرجل تاريخاً؟
هل يعني هذا/ ألا يعني هذا أن التاريخ هو الماضي الذي يتنفس في الحاضر، ويقتعد القرفصاء مستريحاً في الغد وهو في استهوائه؟ وأن الذاكرة هي تاريخ ينتظر اسمه، أو سهمه المعتبر في التاريخ، وتوتر الانتظار، ومكابداته، وتتكور على نفسها منغصَّة ومتنهدة، وتعول في صمت في الغد؟
ثمة شيء من هذا القبيل، لحظة النظر في المرأة ذاكرة معاقبة محرومة من الخروج إلى ضوء العلن، وتاريخاً يسمّيها لا حباً بها بل كراهية لها.
ربما أجدني في الحالة هذه إزاء ما يتردد حول أهمية الكلام وشفاهته ومحوريته الكبرى في ذمة من يرون أنه الأصل في الكلام بداية، وليجري كيل المديح المستمر وإعادة إنتاجه محواه زمنياً، هو نفسه الزمن المتكرر بالمعهود فيه، الكلام الموثَّق، بينما الكتابة، فهي في مرتبة " الابن الضال ". نعم، فقط " الابن الضال " الذكر، في بعض منه، وليس بوصفه منبوذاً من أبيه، إنما كونه يعارضه ليحل محله ذكراً آخر، أو يقاوم سلطته الشفاهية بما يردعه ويقصيه عن فتنة الخطاب الحيوي المباشر، لمن هم من حوله، والكتابة تكون مالكة صلاحية من نوع آخر، وهي في عهدة حضور، بينما هو " الأب المسمى " في عهدة غياب. وتلك حالة المرأة، حين تتكلم وجهاً لوجهاً، فما بالك وهي تمارس الكتابة، لتكون أكثر خطورة من موقع الابن الضال، فهذا تحوير ملموس في الدائرة النوعية نفسها، بينما هي فتحوير وتوليف خارجها نزعاً لاعتراف لا مفر منه، من جهة المرأة وهي امرأة وليست أنثى، بما أن الأنثى تكون منزوعة القوام النوعي" أنثى أي كائن وكيف ؟".
في رواية الروائية التركية أليف شفق، متابعة لهذا المقضّ لمضجع كل من الرجل والمرأة معاً، ليس بالتساوي، إنما بمنحى آخر، تعارضيّ: للرجل، وهو يعيش تزايداً في قلقه من سلبه لما اعتبره حقاً إلهياً ، أو سماوياً أو شرعياً أبدياً له، وللمرأة، وهي تقدّر حجم التكلفة، الخسارة، النزف الروحي، ووجع المعايشة، والتخوف من الممكن حدوثه، في وضعية جديدة مستجدة.
ومن موقعها كامرأة وشعورها الفصيح بأنها امرأة، ووعيها العميق لهذي الميزة المحقة بها، تحاول شفق التحرك على خطوط مظللة بتدرجية ألوانها، من الأكثر شفافية، إلى أكثرها عتمة وقتامة بالمقابل، كما هو دأبها في رواياتها التي تجاوزت الدزينة عدداً، وتكون المرأة هي الاسم العلَم المصرَّح به رغم المخاوف، تعبيراً عن إرادتها المعبّرة عن كونها امرأة، ويجب أن ينظَر إليها امراة، وليس أن تصبح امرة، كما عبَّرت سيمون دي بوفوار قبل قرابة ثمانية عقود.
وفي العنوان ثمة توأم لاعلاقة ، دون تطابق بينهما: أن تكون البنات الثلاث بنات حواء، لا يعني نسخيَتهن للأم الأسطورية، الدينية، والمتداولة هنا وهناك، ليكون آدم في المرصاد في كل هؤلاء الذين من صلب أحفاده الذكور، إنهن ينتمين إلى هوايات وهويات نوعية، ثقافية واعتقادية مختلفة، تأكيداً على أن الزمن ليس مجرداً من بعده الثالث: الحركي/ التغيري، وأن حواء إذا كانت " الضلع الأعوج " كما هو مفهوم " الأنثى " في الدونية قيمياً،رغم أن الاسم يحمل صفة مفارقة، أكثر من آدمها الذي يعني: وجه الأرض/ التربة، وهي الحياة. البنات الثلاث أكثر من مفهوم هندسي ثابت، إنه قابل للتحول بزواياه وأضلاعه ومساحته المستغرقة سيميائياً، وأن البنات هؤلاء يترجم لسان سارد / ساردة الكاتبة في اتجاهات مختلفة، ذهاباً وإياباً، وما يعنيه ذلك من مسح مستمر، قاعي، وأفقي لجغرافية الرواية ورحابتها.
كيف هن إناثها؟ أهن اللواتي/ اللاتي يعشن في ذمة " أرباب بيوتهن " كما هو المعتاد، أم إناث جسماً، لكنهن نسوة/ نساء روحاً وتطلعات بالتأكيد؟.أهن إناث الذين ينسبوهن، كما تقدم إلى خاصية " الضلع الأعوج " الضاربة، أم سوية الجسد المعزز بضلوع على مقاسهن؟
ذلك هو الرهان في الرواية، وما يزيدنا معرفة مجتمعية، ثقافية، وإبداعية في العمق، بمآل متخيلها الفضائي، وذائقتها الاجتماعية .
إشارة إلى العنوان برسمه
وضع العنوان وما فيه من حضور حسابي " ثلاث بنات " ما يشي بفكرة قائمة مؤثرة في تفكير الكاتبة، لعل في ذلك الزمان والمكان والارتفاع/ العمق، كما تقدم، تبيراً عن رد فعل إزاء تجريد للمرأة من عمقها العائد إليها دون تصرف.
وفي المرسوم، ولا ندري كيف جرى اختيار اللوحة، أهي مرسومة في ضوء قراءة النص، أم من خلال التذكير ببعض المعلومات، أم هكذا، بناء على اجتهاد الراسم لها؟
في النسخة التركية: ثمة العيون، وهي إضافة عين إلى العينين الرئيستين، كوما في ذلك من دلالة افتتانية، وما يغطي الوجه ودلالته هو الآخر، والعين المضافة تأتي تشغيراً لمتخيل القارىء، إقصاء لحالة قائمة ومباشرة، لا يعلَن عنها بسهولة.
في غلاف طبعة أخرى، تظهر العيون الثلاث، وكل عين تمثل وجهاً، عيون تكاد تتمايز عن بعضها بعضاً. وما في العين الواحدة من اختزال وجهي للمرأة بالذات، وفي نظرة جانبية، تعميقاً لمأثرة الرؤية وزاويتها طبعاً.
في غلاف الطبعة الفرنسية، لا شيء مما تقدم، يُذكر، ضبعاً وهي مرفقة تالياً برواية " مهندس السلطان " كما هو مسطور في الأسفل.
بينما في العربية، فثمة تقنية لعبة، ثمة وجوه نساء، دون عيون، وما يجعل المرئي في مقام اللوحة المؤثرة حقاً
تنوع واختلاف يردَان في سياق طريقة التعامل مع النص، وعنوانه، وموقع المرأة، موقع حواء و"بناتها الثلاث " وحقيقتهن !
الدخول عبر معبَر ضيق
جرثومة أعمال شفق الروائية، وجذمورها" الجذع، وما ينبت لصق الجذع عميقاً ليصبح شجرة " عائلياً. العائلة تظلل أعمالها، وهي نفسها، وفي أكثر من مقابلة معها، وما صرحت بها في لقاءات لها، حول هذا الجانب، تؤكد ذلك. طبعاً لأن العائلة تبقى، بمعان شتى، الحبل المشيمي الخارجي للجسد مع تقدمه في العمق، ويستحيل بتره أو تجاهله، وتبعاً لنوعية الحساسية لأي منا، وذهنيته.
شخصية الكاتب على صعيد الكتابة انشطارية، تشظيوية، انتثارية، لتكون أقدر على رؤية ما تبحث فيه وتتحرى صمته ومحرك صمته والخفي بينهما، ومعاودة تحرّي الأثر المتبقي، وما في ذلك من بعثرة وجمهرة، وزيادة معرفة تالياً.
ما يضيء محتوى الرواية في الاستهلال الأول مقطع شعري من ريلكه، يكاد يترجم مباشرة ما هو مؤثر صداعاً غير مفارق لها:
ماذا ستفعل أيها الرب عندما أموت ؟
عندما أرقد أنا إبريقك مكسوراً؟
عندما أفسد أنا شرابك أو أجف؟
إنني رداؤك، تجارة تتاجر بها،
فتفقد المعنى وتفقدني.
وكذلك في الاستهلال الآخر : في أبيات شعرية لرابعة العدوية" مترجمة نثراً "
وفي الثاني إشارة إلى رابعة العدوية بأنها: أول امرأة متصورة- القرن الثامن عشر- العراق-ص5، والصحيح " الثامن الميلادي "عموماً. فقد عاشت بين عامي " 713-801.
كما لو أننا نمثل على مسرح في فضاء معلوم بحدود معلومة، تظهر ستانبول " إسطنبول " في الرواية ذات الترجمة العربية، هي لاعبة الدور الرئيس مكانياً، عنواناً رئيساً، أو عنواناً يلي العنوان الرئيس، وفي هذه الرواية، مناصفة، بطريقة مع أوكسفورد، والمسافة القائمة بينهما تشهد تحركات تواريخ، وتوتراته وذاكرات لا تهدأ في مخاضاتها العسيرة والمرصودة، لوجود تباين نوعي بين المدينتين.
إنما تأتي ستانبول أولاً وأخيراً، إنها جرحها، وجعها، صوتها البوحي والنوحي والمتوجع، وصمتها المتراكم بنكباته . وما يمكننا قوله في هذا الاختيار المكاني لستانبول عينها، فهو تاريخي، وثمة ذاكرة تقول أكثر من التاريخ حول ستانبول حسباً ونسباً، إنها ثنائية الجغرافية القارية: أورُبا وآسيا، ثنائية في تكوينها التاريخي: كيف كانت قبل عام خمسة قرون، وفي تنوعاتها الديمواغرافية، وليس أحادية الهوية واللغة، كما هو السائد في تركيا منذ قرن ونيف، بعلامته الفارقة أتاتوركياً. إنها المرجل الذي يغلي ويفيض بمائه الحارق على من حوله.
حديث العقدة الستانبولية
نعم، العقدة الستانبولية لدى شفق في رواياتها، كما الحال هنا في توصيفها، حيث تتقدم المدينة كاسم عنواناً يلي كل عنوان رئيس في الرواية، لأنها تقابل مدينة أوكسفورد بعد انتقال أسرة نالباتوغلو إليها، حيث يكون لها الموقع نفسه، مع سردية الأسرة الحياتية فيها. عقدة قائمة في النسيج المجتمعي الستانبولي المنمذج الذي يسمي ما حوله، وليس العكس، عقدة تقابَل بعقد المدينة الأوربية وجامعتها ونوعيتها المغايرة، وهي ثنائية تتفعل في مجمل رواياتها، وداخلها، حيث تعيش هذه الحالة" الظاهرة " بصفتها امرأة تتجاوز نطاقها الفردي.
كل بداية تصدم، وكل نهاية تؤلم، وما بينهما، يفتقد الردم الذي يشكل تسوية لعلاقات، لأن الرواية هذه كشقيقاتها الأخريات رواية الأزمة المستعصية في ضوء ما يحدث إلى الآن، ثنائية جرى ويجري تفجيرها وتوتيرها وتسييرها واقعاً، ويجب تمثيلها كتابة وتفاعلاً، ومن خلال شخصية رئيسة، شخصة امرأة، تشعر، كما هو مقدًَّر، أن الأنثوي فيها علة مفعلة فيها غصباً عنها، في مجتمع جعلها هكذا، شخصية نازبيري" أو بيري " إيجازاً" بموقعها، وأنشطتها وعلاقاتها، وما في هذا الرصيد من أهلية تجيز لها هذا الحضور المحوري.
لنقرأ هذه الفقرات:
كان النهار نهاراً اعتيادياً من نهارات الربيع في اسطنبول، عصراً طويلاً وثقيلاً مثل غيره من أوقات العصر الكثيرة حين اكتشفت، غاضبة أنها قادرة على أن تقتل شخصاً ما. وكان الشك يساورها دوماً في أن أكثر النساء هدوءاً وعذوبة يتعرضن تحت وطأة الكرب لجيشان العنف وتفجره. ولما كانت ترى أنها هي نفسها ليست هادئة ولا عذبة، فقد اعتقدت أن مقدرتها على فقدان السيطرة أكبر من غيرها إلى حد بعيد.ص13.
كانت نابيري نالباتوغلو- المعروفة بين الناس أجمعين ببيري- امرأة طيبة، إذ كانت تدعم الصدقات، وتزيد في حدة الوعي بمرض ألزهايمر، وتجمع الأموال من أجل الأسر المحتاجة.ص14.
وهي" بيري " في شوارع اسطنبولها، وتوارد خواطرها عنها: لقد توسعت إسطنبول على نحو لا يمكن السيطرة عليه، وظلت تتمدد وتتوسع مثل سمكة ذهبية منتفخة، غير مدركة أنها التهمت ما هو أكبر من طاقتها على الهضم، ولا تزال تبحث من حولها عن المزيد لتأكله.ص15.
كان الجنون يجري في شوارع المدينة جريان دواء مخدر في الدورة الدموية..ص16.
وضعها المغاير أسرياً: كم كانت مختلفة في مرحلة مقارنة بابنتها، على الرغم من والدتها لم تكن مراعية لمشاعرها أو متعاطفة وغير قاسية معها ولو قليلاً، كما تتعامل هي الآن مع ابنتها. ص20.
كرهها للحفلات الستانبولية.ص21.
أسرتها أسرة نالباتوغلو في شارع الشاعر الصامت الكائن في أحد أحياء الطبقة الوسطى في الجانب الآسيوي من مدينة إسطنبول.ص30
هذه ليست أخبار، إنما إشعارات بوقائع، بودائع خسائر تاريخ، ومصائر أفراد ينكفئون على ذاكراتهم كثيراً، حيث يفقتدون المناخ المناسب لإيجاد نوع من الوئام القابل للجرد دون تخوف من النتيجة، والممكن ضبطه، دون تحفظ، لأن تاريخاً هنا يعني الجميع.
هناك شعور بفقد الروح، باليتم المجتمعي، والقيمي، وشفق متلهفة عبر ساردها لرؤية " غودو المنتظر" ولا يبدو أنه سيظهر، في ضوء تجربتها الحياتية، فتكون الثنائية فاعلة بقوة وجبروت وإيلام في كتابتها، رغم سعيها إلى التجاوز. أهو استلام بطغيان واقع يستحيل تغييره، أم اعتراف بواقع لا بد أن يشهد تغيراً، وإلا فإنه سينهار، وهو ينغلق على نفسه، مفتوناً بصورته في مرآة ذاته ؟
كما لو أن الروائية تجد في نفسها ما هو واجب عليها فعله جهة موضوع شبكي، معقد ومهدّد، كأنها الوحيدة في ميدانها ذاك!
هوذا شعور بالحداد التاريخي الحي الميت، والذاكرة الميتة الحية، والنعي المستمر لما لا يتحقق تجاوزاً للحالتين.
في ملف بالفرنسية حول دور المرأة الكاتبة في مجتمع يحكمه الرجال تحت عنوان:
Christine Planté: La petite sœur de Balzac" Essai sur la femme auteur"
كريستين بلانتيه: "أخت بلزاك الصغيرة" مقالة عن الكاتبة
نقرأ في التقديم:
لماذا أسماء النساء قليلة في تاريخنا الأدبي؟ في القرن التاسع عشر، ورغم أن النساء تمكن من الكتابة والنشر، مثل لور سورفيل، شقيقة بلزاك الصغرى، فقد واجهن ثقل الأحكام المسبقة والأعراف الاجتماعية والأدبية. ولكي نفهم وضعهن، والطريقة التي اختفين بها من الذاكرة الثقافية، أو تحولن إلى أدوار ثانوية وصور كاريكاتيرية، يتعين علينا أن نركز على شخصية "المؤلفة المرأة"، التي حُكم عليها بقرنها بالفناء.
وفي مقال يتصدر الملف، ضمن الرسالة التي أرسلتها امرأة شابة في عام 1832 إلى صديقة لها في المقاطعة:
إن كتابات النساء التي تنهمر علينا في عصرنا هذا تجعلني في حيرة بشأن وضعي كامرأة. إنها متوسطة إلى حد أنها تثير اشمئزاز النوع، وأكثر من أي وقت مضى أجد أن سمعة الكاتبة غير مرغوب فيها، لأنها تمنح شهادة عدم القدرة في كثير من الأحيان أكثر من شهادة الخلود! وحتى في تلك الحالة، فإن هذه السمعة جيدة فقط في الماضي. بينما نحن على قيد الحياة، فإنه يعزلنا عن مجالنا، وعن عواطفنا، وعن جنسنا؛ نحن لا نصبح رجلاً ولا امرأة. ماذا تعتقد في كل هذا؟ مهمتنا جميلة جدًا في أي مكان آخر!
ذلك ما يمكننا اشعور به، لحظة قراءة روايات شفق، وهذه الروائية " البيريية" نسبة إلى " بيري " بليغة الأثر بخاصيتها.
بيري تذكرنا، تذكرنا هنا، بالمناخ النفسي والفلسفي الطابع وهو بمسوحه الدينية لأعمال دوستويفسكي" الجريمة والعقاب ، كمثال حي!
ويمكن القول أن هذا الانشغال المستمر بمثل هذه الوضعية، ييرينا إياها وكأنها في " المنعكس الدائري" بعائده النفسي، أي العودة المستمرة إلى المثير الفاعل الأول، وهو الملحوظ في رواياتها وهنا أكثر، حيث إن شغف الاهتمام بالشخصية، وتفاعلاً معها، يترجم بعضاً من التواطؤ معها، حباً لها، وكأنها تتنشط بالنيابة عنها، والسعي المجهد للململة كل ما يمكن إبرازه في سلوكها، وكأنها لسان حالها المقرب، أي ما يدفع بالقارىء لأن يقرأ روايتها، وهو بعد كل قراءة معينة يتوقف، ويتفكرها هي.
تنوير ما يمكن تنويره
للإحاطة بهذا العالم الجهنمي والمركًّب مجتمعياً، وما يصلنا عبره بالمجتمع : ساحة النص داخلاً وخارجاً. يمكننا المتابعة:
جهة معاناة طرفينية:
لم تكن الهوة بين والديْ بيري واضحة أكثر مما هي عليه في ركن معين من أركان حجرة الجلوس. فهنالك رفان من فوق جهاز التلفاز، أحدهما محجوز لكتب أبيها، مثل :" أتاتورك: ولادة جديدة لأمة": للمؤلف لورد كينزوس، " الخطاب العظيم " لأتاتورك نفسه.. " الجريمة والعقاب" لدوستويفسكي..وطبعة قديمة لكتاب" رباعيات الخيام " مهلهلة الغلاف لكثرة قراءتها..
أما الرف الثاني، فكان يختلف الاختلاف كله عن الرف الأول،..مثل: " صحيح البخاري" و" تهذيب الأصول" للغزالي، و" الدليل إلى الصلاة والدعاء في الإسلام".. و" الشيطان يهمس في أذنك " لأوزمباز أفندي.ص42.
وجهة المناخ السلطوي الرهيب:
اللعبة السلطوية مع أوميد صاحب الكتب والمثقف.. مداهمة رجال الشرطة لبيته، وتوبيخه لأنه يقتني كتباً رديئة، من وجهة نظره مثل كتاب" قبلة المرأة العنكبوت" وقوله له: اللعنة على أهل الغرب، إن كان لديهم مشكلة فهي مشكلتهم. أما في بلدنا فالناس جميعاً سعداء. فنحن ليس لدينا طبقات، بل نحن لا نعرف حتى مغزى هذه الكلمة. ..كلنا أتراك. انتهى. الدين نفسه والجنسية نفسها والشيء نفسه في كل شيء. ص 53.
تعذيبه في المعتقل لأيام، صص57- والحكم عليه أخيراً لمدة ثمانية أيام وأربعة أشهر..ص59.
وما يرفع من شأن بيري ويقرّبنا منها فهماً أكثر:
في تلك الأيام تقريباً، بدأت بيري تعيد صياغة علاقتها بالرب، فتوقفت عن الصلاة قبل الخلود إلى النوم بخلاف ما علمته إياها والدتها، بيد أنها رفضت أن تكون غير مبالية تجاه الرب على النقيض من نصيحة أبيها...
بدأت خصامها مع الرب.
وجادلته في كل شيء، وطرحت أسئلة كانت تعلم بأن الأجوبة عنها ليست سهلة.. من نوع: هل في وسه الله أن يسمع من خلال جدران السجن وما وراء قضبان الزنازين؟ فإذا كان لا يسمع، فذلك لا يعني أنه غير قادر على كل شيء وقدير..ص62.
كان الرب في رأيها يشبه متاهة من دون خارطة: دائرة من دون مركز، أحجية لا يمكن لمُ أطرافها.ص63.
بيري كانت تسأل من بين أسئلتها الكثيرة: أما من وسيلة أخرى، مكان آخر للأمور لا تقع ضمن نطاق الإيمان أو اللاإيمان، ولا الدين الخالص أو العقل الخالص؟ طريق ثالث لمن يشبهني من الناس؟ .. أشعر أحياناً كأنني أفتش عن لغة جديدة، لغة وحيدة لا يتكلمها أحد سواي..ص98.
وما يوسّع دائرة المخاوف:
في إسطنبول- تسعينيات القرن العشرين:
سلَّط اعتقال أوميد الضوء على أركان مظلمة من حالات الضعف والإخفاقات التي كانت أسرة نالبانوتوغلو تخفيها عن نفسها وعن الآخرين، على حد سواء... وغدت أحلام بيري تزيدها اضطراباً، وباتت صرخاتها أعلى صوتاً.ص111.
اضطراب العائلة، مثلاً: كان الأب وابنه يتشاجران باستمرار، شجاراً عنيفاً ومُرّاً، ويتعالى صوتاها الذكوريان المضطربان، ويتبادلان صيحات الاتهامات السيئة..ص112.
كانت سلمى تقف إلى جانب ولدها الأصغر دوماً.ص113.
وهاكان الابن الآخر، والجامعي،عمل في صحيفة موغلة في توجهها القومي.. وطفق يكتب باسم مستعار أعمدة صحافية غدت على نحو متزايد حادة ومتوعدة وهجومية في فحواها. وكان يميط اللثام أسبوعياً عن خونة الأمة، التفاح العفن الذي سوف يفسد كل ما في السنة إن لم يعالج أمره: اليهود والأرمن واليونانيين والأكراد والعلويين.. ولا توجد جماعة عرقية واحدة يمكن لأي مواطن تركي أن يوليها ثقته إلأا إذا كانت تركية.ص114.
بيري ، كانت دوماً تنجذب إلى الناس، رجالاً كانوا أم نساء، الذين يتصف ماضيهم بتجارب قاسية، وثمة شك في عيونهم، وجروح غير مرئية في أرواحهم.ص132.
وفي العودة إلى بيري:
أسطنبول- تسعينيات القرن العشرين:
مرت بيري في أثناء المدرسة الثانوية في مراحل من الإيمان ومراحل الشك..ص140.
وصول الأسرة إلى مدينة أوكسفورد" سنة 2000"، كانت في رفقة أبيها المصحوب بالقلق، وأمها المشغولة البال أكثر منه.ص161.
أسطنبول -2016:درست بيري في أوكسفورد كيف أدت البورجوازية في الغرب -بقيمها الفردية الحرة ومعارضتها الإقطاعية- دوراً تقديماً في مجرى التاريخ. أما هنا" ستانبول- فقد كانت الفكرة الرأسمالية فكرة تخطر في البال لاحقاً، خاتمة لحدث لم يُردّ بعد.. وقد رضخ البورجوازيون المحليون، بما عرف عنهم من مراوغة سيئة الصيت، للثقافة التي كانت تحيط بهم. وكما هو شأن رقاص الساعة الذي لا يعرف الراحة، لبثوا يتأرجحون بين نخبة تؤكد ذاتها وسيادة دولة خجول. وكانت الدولة- بكل ما في الكلمة من معنى- بداية كل شيء ونهايته.ص202" لمن السرد؟"
تملكتها حالات خواطرية وتصورات كهذه وهي في المطعم الاستانبولي، والنقاشات العقيمة .. فل تتحمل( هكذا كان شعورها في هذه الليلة: إسطنبول تقضم روحها.ص203)
عندما عادت بيري إلى إسطنبول، حاولت من دون نجاح، أن تسلك سلوك الفتاة المنشرحة في حين أنها ليست كذلك..أما في أوكسفورد، فقد استمتعت بعد أن زال العبء من على كتفيها، أو قل احتفظت بالعزلة..ص213.
وبخلاف أعداد كبيرة من العلمانيين الذين كانت بيري تعرفيهم، ومن ضمنهم والدها، فإنها لم تكن تعارض معارضة شديدة ومستمرة النساء المحجّبات، لهذا كانت صداقتها سهلة مع منى، إذ كانت تفضّل التفكير في ما يدور داخل رؤوس الناس وليس في ما يعتمرونه، وهذا هو جوهر مأزقها، ولم تكشف عنه لأبويها قط..ص259.
نقاشات حول الدين والعلمانية في أوكسفورد وبيري حاضر.، في إطار " الطريق الثالث " كما هو عنوان عريض لقسم من الكتاب، سنة 2000، صص 285-298.وهنا بدأ إعجابها بأزور كونها في الطريق الثالث.
كانت تشك في سوية النساء من حولها، جراء التربية المجتمعية..أما بخصوص الرب ، فكانت مصممة على أن تخشاه، وإن كانت علاقتها به طيبة جداً. غير أن السبب الحقيقي الكامن وراء اضطرابها وقلقها ذو طبيعة مختلفة. السبب هو نفسها هي، كآبتها وغموضها، ما أشاع فيها الذعر والهلع. ص344.
طي عنوان رئيس: القائمة، تالياً إطنبول-2016: ثمة تلاطم أمواج الوضع ومفارقاته، بين نوعين من المدن، كما نقرأ:نوع يطمئن السكان إلى أن الغد وبعد الغد واليوم الذي تعقبهما أيام لن تكون مغايرة. وثمة نوع آخر يفعل ما هو خلاف ذلك، مذكراً السكان بعدم استقرار الحياة.أما إسطنبول، فهي من النوع الثاني، إذ لا مجال أمام الاستيطان والتعمق في التفكير.. وأهل إسطنبول يندفعون من خبر عاجل إلى آخر، يتحركون بسرعة ويستهلكون الحدث بعجالة إلى أن يقع حدث آخر يتطلب كامل انتباههم.ص490.
وما يخص الدين ومحل إعرابة في مجتمع متشظ:
حديث شيرين عن المهووسين في الدين" في أوساط النصارى واليهود): وعلينا أن ندين كل شل من أشكال التعصب مهما يكن مصدره، لكن ليس في وسعك إنكار حقيقة واضحة، وهي أن التطرف موجود في الشرق الأوسط أكثر من أي مكان آخر..فهل في وسعك التجوال وحيدة في مصر من دون أن تكوني هدفاً للتحرش الجنسي؟..إن الناس يلتزمون الصمت في إزاء هذه الأحداث لأنها تسبب الحرج لهن. لكن لماذا نشعر نحن بالحرج ولا يشعر به من يتحرش بنا.؟ ص503.
صديقتها منى تحاول تبرير الموقف، وبعد تقديم تاريخي عن الاستعمار والرأسمالية: لا تنسي التركة المثيرة للهلع التي خلَّفها الاستعمار القديم. قرون من السلب والنهب والاستغلال. هذا هو السبب الذي جعل الغرب يصل إلى هذا المستوى من الثراء! لتترك الإسلام في سلام ونبدأ الحديث في قضايا جوهري,ص504.
تتساءل شيرين عن سبب استياء شباب المسلمين..
تجيب منى:
ربما لأننا نتعرض لهجوم. ففي كل يوم، أجد نفسي مضطرة إلى الدفاع عن نفسي في حين أنني لم لأقترف أي ذنب..ص505.
وتقول تالياً، بعد صفحات، عن أنها لا تعاارض أحداً( لكنني أعترض على أولئك المصابين برهاب الإسلام..ص508.
ونبهتها شيرين إلى حدود وضعتها لها وهي ألا تتكلم ضد النبي، وما عدا ذلك ممكن( يمكنك أن تتكلمي عليّ. لا بأس. لكن لا يمكنني أن أسمح للناس بأن يتكلموا ضد نبي، في حين أنهم لا يعرفون شيئاً عنه. إذا أردت توجيه النقد إلى العالم الإسلامي، فلا بأس. أما النبي ، فعليك أن تتركيه وشأنه.ص509.
وما يسمح لنا برؤية الداخل وكأنه الخارج وتوقع المفارقة والتنائي:
في علاقة بيري بأزور، تكمن في أنها بقدر ما كانت مفتونة ، فقد كرهت مسحة التشامخ والأنفة، تلك المسحة التي كانت صلافة مغروسة في أعماقه كأنها لعنة من اللعنات..ص557.
محاولة بيري الانتحار وصدمة كل من شرين ومنى لحظة سماعهما لذلك.ص558.
وحين صارحت آزور في النهاية أنه، وقد قرأت كل كتبه قد تغير كثيراً( لقد تغيرتَ، وأصبحت أكثر سخرية..ص590.)
وفي توضيح آخر، كادت أن تجيب: أنا في خزانة ثياب داخل قصر منيف في إسطنبول اقتحمه مسلحون، وفي فمي الخوف وطعم كمأة اسمها أوكسفورد. لا لم تستطع أن تخبره بذلك؟ ص591" من عندي: لأنها لم تزل تميل إليه)
ورد عليها تالياً، دون أن يعرف حقيقة محنتها الداتخلية:
ظننت يا بيري حين التقيتك أنك لا تعلمين شيئاً، لكنك كنت تحملين أهواء برتراند رسل الثلاثة: التوق إلى الحب، والبحث عن المعرفة، والعاطفة غير المحتملة تجاه معاناة البشر..
مؤكداً تالياً مباشرة: كنت تملكين هذه الأهواء..ص591.
في النهاية تباهي آوزر باسمه وشخصيته:
لا بد من أنني واحد من آخر الناس على وجه الأرض، الذين يُنظر إليهم على أنهم آلهة.
قالت بيري:
لست أنت، بل هو آزور الذي خلقته أنا لنفسي. آزور الذي احتجت إليه، لأفهم ماضيّ المتشظي، هذا هو الأستاذ الذي سحرني، أزور الساكن في قلبي..
وفي النهاية، وبعد ذلك، وهي تعيش اضطراباً،.. ثمة ما يحرك المشهد التصارعي بينهما، من جهة الساردة، عما كان يمكن النظر فيه، عند الإشارة إلى أن الحياة تتغير، إذا ( كان ممكناً أن يكون الأمر معكوساً: هو في دائرة الخطر، وهي في مأمن. إنها الأستاذة اليوم وهو طالب. تبادل أدوار، فالكلمات لا تبقى ثابتة أبداً...
في الجمل الأخيرة المتبقية من نص الرواية: وفي الوقت الذي أطلق فيه الهاتف إشارته الأخيرة، قبل أن يهمد نهائياً، فتحت باب خزانة الثياب... وخرجت.ص595.
إنها تذكرنا بما كانت تستشعره نفسياً من قبل، حيث تستدعى هنا خزانة الثياب الآنفة الذكر.. إشهاراً بأنها أصبحت خارجها: امرة تعيش حريتها، وقد بلغت الدرجة التي تعرف فيها وبها ما تعنيه الحرية الفعلية لامرأة ليست مجرد أنثى. أنثى الرجل ، إنما امرأة مقابلة.
في متابعة لكتابات عنها
لقد أشير في أكثر من مكان إلى مدى الإقبال على قراءة روايات شفق في وطنها، تأكيداً على أن هناك جوعاً لا يهدأ إلى ذلك.
فنقرأ حول المكتوب بالتركية عن بنات حوّاء الثلاث Havva'nın Üç Kızı، 19 آب 2016، في 424 ص.
رحلةٌ مُذهلةٌ بين الإيمان İnanca، الكفر inançsızlığa ، والبحث، ونساءٍ مختلفات، والحب...
في خضمّ نقاشات حول الله، والعلم، والهوية، والانتماء، والعلاقة بين الشرق والغرب Doğu-Batı، رجلٌ فريدٌ وجذاب، وفضيحةٌ صادمة، وقصة حبٍّ استثنائية... لم تُكتمل... ثم أُعيدت إلى الحياة بعد سنوات...
بلغتها الآسرة وحبكتها الآسرة، تأخذنا إليف شفق في رحلةٍ آسرةٍ من الإيمان، والكفر، والبحث، والنساء المتنوعات، والحب.
تروي رواية "بنات حواء الثلاث" قصةً معاصرةً تتأرجح بين تركيا وأوروبا، بين الأمس واليوم.
تتناول الرواية إحدى أكثر قضايا قرننا إثارةً للجدل من خلال أبطالٍ مستفزّين، وهي روايةٌ سريعة الإيقاع لا تُنسى.
وما كتب فيها في مكان آخر:
لننتقل إلى الرواية. في تركيا اليوم، هي امرأةٌ في حالةٍ من الفوضى. نشأتها وعائلتها تُشكلان فسيفساءً من تركيا. ولأنها رواية، فهي نمطٌ يجمع كل الألوان. كانت والدتها مُنخرطةً في نظامٍ ديني، بينما كان والدها مُنخرطًا بشدة في النظام اليساري. وقد اختبر إخوتها التأثير الكامل لكليهما. إنها في حالةٍ من الغموض، في لحظةٍ من عدم اليقين بشأن الحياة. بفضل والدها، الذي تشعر بقربه منها، حدّدت وجودها حول التعليم. مثلي تمامًا، كانت في إنجلترا في مرحلةٍ ما من حياتها. أما الآن، في تركيا، فهي أمٌّ ثريةٌ وزوجةٌ وامرأةٌ لديها ثلاثة أطفال. في إحدى الأمسيات، دُعيت إلى قصر، حيث تناولت هي وزوجها وابنتها العشاء مع أثرياء تركيا الجدد، ممن يُسمّون بالمثقفين، وأولئك الذين، كما نرى من حولنا، اختاروا استغلال هذه الإمكانات القيادية الاجتماعية لمصالحهم الشخصية. يبدأ الكتاب بزيارتهم للعشاء وينتهي بتناوله. تُخبرنا بيري عن نفسها، مُسترجعةً سنوات دراستها الجامعية في أكسفورد. في هذه الأثناء، نلتقي بابنتي هافا الأخريين، منى، المسلمة المتدينة، وشيرين، الفتاة المهووسة بالدين والتي تخلت عنه تمامًا. كما نلتقي بالبروفيسور آزور، الذي يربط بين هؤلاء الفتيات الثلاث ويُعرّف بدقة مُطهّر بيري.
وما يفيد في هذا الجانب جهة المكتوب على غلاف الرواية بطبعتها الفرنتسية:
تدور أحداث الكتاب حول شخصية نازبيري نالبانت أوغلو، التي يناديها أحباؤها بمودة بيري، والذين نتابعهم طوال الرواية في فترات مختلفة من حياتها بين عامي 1980 و2016. عندما تبدأ القصة في إسطنبول عام 2016، تكون بيري في الأربعينيات من عمرها، متزوجة، وأم لثلاثة أطفال، من بينهم ابنة مراهقة. في المشهد الافتتاحي، بعد أن علقت في زحمة المرور، سرق لص حقيبتها. يوجد داخل الحقيبة العديد من الحلي، ولكن أيضًا شيء ثمين ترتبط به بشدة: صورة لثلاث فتيات صغيرات، من بينهن هي، في أراضي جامعة أكسفورد (في المملكة المتحدة)، محاطة برجل أكبر سنًا من المفترض أنه أستاذهم. في نفس المساء، ينتظر بيري زوجها في حفل عشاء بين الطبقة العليا في إسطنبول. وبينما تستعرض أفخر الأطباق أمامها وسط أكثر الشخصيات نفوذاً في المدينة، تتدفق ذكريات الشابة مرة أخرى. ذكريات تتقاطع فيها شخصيات من طفولتها (والديها، اللذين كانا على خلاف دائم بشأن الدين، وشقيقيها) وأجزاء من حياتها المبكرة عندما كانت طالبة في أكسفورد...
ذلك دأب من يهتم بأعمالها كامرأة تتمرد على تلك الأنوثة المركَّبة بقالب ذكري/ ذكوري. وأن السرد الذي يبرز كما لو أنه من خلالها مباشرة، جرّاء حيوية التعبير ونباهته، وكنه طبيعته، تريد الكاتبة لنفسها حصة معتبرة في كل ما يتردد نصاً.
لقد جاء بلسان إحدى الناقدات، حول مغزى مهم لهذا النوع من الكتابة: تُنقش الكتابة الذاتية ضمن عنصر "موجود مسبقًا" في الذاكرة الجماعية للنساء، حيث لا تُعرّف الذات المتحدثة هويتها إلا داخل مجتمعها مع الآخر ومع صمتها المشترك المفروض. الكتابة رد فعل على هذا الماضي الصامت، لتشجيع الآخر على التحدث عن نفسه.
ينظر حول ذلك
Claudine GAETZI:Le roman comme une possibilité d’une expérience fantasmée
كلودين غيتزي: الرواية كإمكانية لتجربة مُتخيلة
ذلك ما يمكن توكيده في بعض مما أفصحت عنه الكاتبة وقيل فيها ضمناً، كما في حوار معها طي عنوان" "أريد أن أخلق مساحة ديمقراطية مفتوحة في رواياتي"١٥ كانون الثاني ٢٠٢٠
وبينما تُمثّل مواطناتها الآن في جميع المهن في المجتمع التركي، إلا أنهن غائبات تقريبًا عن الساحة السياسية: "سلطة اتخاذ القرار في تركيا بيد الرجال، وهذا ما يُفسر النظرة المحافظة والأبوية التي تُسيطر على المجتمع". "ردًا على تصريحات الرئيس أردوغان الأخيرة حول الخصوبة في تركيا، تقول الكاتبة:
"على السياسيين في السلطة أن يتوقفوا عن إملاء شروط الحياة على النساء. القرار يعود للنساء في اختيار ما إذا كنّ يرغبن في مواصلة مسيرتهن المهنية، أو الزواج، أو إنجاب الأطفال، وعدد الأطفال الذين يُردن إنجابهم. هذه قرارات شخصية". يمكننا أن نقرر بأنفسنا. في الماضي، وصف أردوغان النساء اللواتي لا ينجبن بـ"الناقصات" و"والقاصرات". ليس من حقه تصنيف النساء إلى فئات مصطنعة والحكم عليهن بهذه الطريقة. لم أسمع قط سياسية أو أي امرأة تُطالب الرجال بإنجاب أطفال أو السعي وراء مهنة. لكن السياسيين المتغطرسين يفعلون ذلك طوال الوقت. كفى. هناك مشاكل جسيمة في تركيا يجب أن نركز عليها: حقوق المرأة آخذة في التدهور، والعنف ضدها في ازدياد هائل. إنها مشاكل في المجتمع، وفي الثقافة، وفي النظام القانوني، وفي عقلية السياسيين. علينا أن نكافح هذا التمييز المتجذر، والتمييز الجنسي، والنظام الأبوي.
أليف شفق، امرأة ناشطة، بدأت نشاطها النسوي في سن مبكرة جدًا، واختارت اسمها المستعار في الثامنة عشرة من منظور أموميّ: "نشأتُ دون أن أرى والدي، لم أُرِد النشر باسمه، وأردت إعادة ابتكار نفسي ككاتبة. اتخذتُ اسم أمي، شفق، وهو اسم لا يُشير إلى جنس معين، وهو نادر في اللغة التركية. يعني "الفجر"."
في هذه المساحة الحدودية بين الليل والنهار، حيث تتقاطع الهويات، حيث كل شيء ممكن. تمامًا كما هو الحال في الأدب.
Elif Shafak : « Je veux créer un open space démocratique dans mes romans »
وما قيل في العلاقة بين بيري وشفق:
في الخمسين من عمرها، تعيش الروائية التركية في لندن، إذ راقبها نظام أنقرة بقيادة رجب طيب أردوغان عن كثب لسنوات طويلة لسببين: فهي معارضة، ولم تُخفِ هذه الحقيقة قط، معارضة للنظام الحاكم، وقد كشفت علنًا عن ميولها الجنسية المزدوجة...
Serge Bressan : "L’Île aux arbres disparus" d’Elif Shafak : l’amour, l’exil et le figuier
"سيرج بريسان: جزيرة الأشجار المختفية" لإليف شافاق: الحب، المنفى، وشجرة التين...
وفي مكان آخر، وبشكل موسع:
بيري، مثل شفق، في رحلة بحث عن الهوية. يتميز هذا البحث بلحظات من الشك والاستكشاف والتأمل في مكانتها في العالم.
كثيرًا ما شعرتُ بالتمزق بين عالمين: عالم عائلتي وعالم دراستي. ساعدتني أكسفورد في إيجاد التوازن، لكن العملية كانت طويلة ومعقدة. (شفق، ٢٠١٦، ص ١٣٠)
علاقات بيري مع شيرين ومنى، بالإضافة إلى تفاعلها مع البروفيسور آزور، مستوحاة من علاقات شفق الشخصية. لعبت صداقاته وتأثيرها دورًا مهمًا في تطوره الشخصي والفكري.
أنا وشيرين ومنى شكّلنا ثلاثيًا لا ينفصل. نقاشاتنا ومناظراتنا ولحظات تواطؤنا شكّلت نظرتي للعالم. (شفق، ٢٠١٦، ص ١٠٥) بيري، الراوية الرئيسة في رواية "بنات حواء الثلاث"، شابة تركية تدرس في أكسفورد. درست شفق نفسها في الخارج، بما في ذلك في جامعة ميشيغان، مما منحها فهمًا عميقًا للتحديات والتجارب التي تواجهها طالبة دولية تكافح لإعادة تعريف هويتها المختلطة. كانت أكسفورد عالمًا مختلفًا، بتقاليدها العريقة وتوقعاتها الصارمة. بالنسبة لفتاة من ستانبول، كان الأمر تحديًا، ولكنه أيضًا مغامرة مثيرة. (شفق، ٢٠١٦، ص ٣٥) للنساء القويات في الأسرة تأثير كبير على تشكيل هوية الكاتبة وخيارات حياتها. زليخة، الجدة في رواية "لقيطة ستانبول"، شخصية قوية ومتمردة، تُجسّد صورة المرأة القوية في عائلة شفق:
كانت زليخة امرأةً تتبع غرائزها دائمًا، حتى لو عنى ذلك مخالفة توقعات المجتمع. (شفق، ٢٠٠٦، ص ٤٧). في هذه الرواية، تعكس آسيا سعي شفق الخاص وراء الهوية، وانفتاحها على ثقافات مختلفة:
لطالما تساءلت آسيا عن هويتها الحقيقية. لم تشعر بأنها تركية تمامًا ولا بأي شيء آخر.١٢ كانت مزيجًا هجينًا من الثقافات واللغات والتقاليد. كان هذا مصدر قوتها ونقطة ضعفها في آنٍ واحد. (شفق، ٢٠٠٦، ص ٨٢).
المنفى أشبه بالبقاء بين عالمين، بحثًا دائمًا عن مكان تشعر فيه حقًا بأنك في وطنك. (شفق، ٢٠٠٦، ص ٦٨).
Sharareh CHAVOSHIAN *Najmeh SHADARAM: Autofiction chez Elif Shafak : s’exprimer dans une société machiste
شرارة تشافوشيان *نجمة شادرام: الرواية الذاتية في رواية إليف شافاك: التعبير عن الذات في مجتمع أبوي
وفي الذي أثاره ألكسندرا شوارتزبرو، في مقاله: صورة لأليف شفق، لا إله ولا سلطان، حول نوعية ثقافة الكاتبة:
كاتبة تركية مسلمة علمانية ونسوية ثنائية الجنس، تحذر من تصنيفات الهوية وتنتقد أردوغان الاستبدادي الذي يزور باريس يوم الجمعة.
مهما فعلت، لا تسأل أليف شفق إن كانت مؤمنة أم ملحدة؛ فهي تكره أي شيء يشبه اليقين. بالنسبة لهذه الروائية التركية، صاحبة سلسلة من الكتب الأكثر مبيعًا، لا يرتبط الإيمان بالضرورة بالدين. تؤكد هذه المسلمة العلمانية، وعيناها الرماديتان الواسعتان، المتجعدتان بالخضرة، مثبتتان على عينيك. "لا أحب الطريقة التي يقسم بها العالم البشرية بين مؤمنين وغير مؤمنين؛ لا أحب يقينيات الملحدين ولا يقينيات المتدينين." الإيمان يحتاج إلى شك، وإلا أصبح عقيدة، والعقائد خطيرة.
في رواية "ثلاث بنات حواء"، الصادرة في فرنسا هذه الأيام، تحتفظ البطلة، بيري، وهي مسلمة تركية ممزقة بين أم متدينة وأب علماني، وهي مراهقة، بـ"مذكرات الله" تدوّن فيها جميع الأسئلة التي تُقلقها. على سبيل المثال، هذا السؤال: "ألا يوجد حقًا طريق آخر، ولا مساحة أخرى لأشياء ليست إيمانًا ولا كفرًا - لا دينًا خالصًا ولا عقلًا خالصًا؟ - طريق ثالث لأناس مثلي؟" لمن يجدون الثنائيات مُتصلبة للغاية ولا يرغبون في الالتزام بها؟ بعد أن غادرت للدراسة في كلية الدراسات العليا للفلسفة واللاهوت بجامعة أكسفورد لتجنب أن تصبح زوجةً خاضعة، تقع بطلتنا في حب أحد أساتذتها، أزور، غير التقليدي تمامًا، الذي يُدير ندوة بعنوان "اختراق عقل الله - إله العقل"، والتي تهدف إلى تحطيم اليقينيات وزرع البلبلة بين طلابها. ألا تشعر إليف شافاق بأنها أقرب إلى أزور منها إلى بيري؟ تتألق عيناها: "أحب الاختباء وراء الشخصيات الذكورية". صرّح عمدة لندن، صادق خان، وهو مسلم علماني مثلها، الشهر الماضي في صحيفة فاينانشال تايمز أن *بنات حواء الثلاث* هو كتابه المفضل لعام ٢٠١٧: "أحب الطريقة التي تُصوّر بها، كمسلم، صعوبات العيش بين عالمين، بين الغرب والشرق".
في روايتها "بنات حواء الثلاث"، وهي من أكثر الكتب قراءةً في تركيا فور صدورها، لا تُفرّط في الحديث عن برجوازية ستانبول ولا عن نظام أردوغان الاستبدادي، بل تُنسج كل ذلك بمهارة في قصة حب تُجنّبها الوقوع فورًا في سجون النظام خلال زيارة لها إلى ستانبول. في الواقع، تقول إنها هذه الأيام تضاءلت رغبتها في الذهاب إلى هناك. فقد استسلم زوجها الصحفي؛ إذ كان يجد صعوبة متزايدة في ممارسة مهنته هناك. استقرت في لندن وتُركّز على شغفها: الإعلام الرقمي. تُقرّ قائلةً: "أصبحت تركيا بلدًا صعبًا للغاية على الكُتّاب والصحفيين. نعلم جميعًا أنه بسبب قصيدة أو مقال أو تغريدة، يُمكن أن يُزجّ المرء في السجن أو يُنفى.
لكن بعد أن عاشت هنا وهناك، دون أي روابط وطيدة، تقول الروائية إنها شعرت دائمًا بالغربة أينما كانت. "بدأت الكتابة في الثامنة من عمري. بدت حياتي مملة للغاية إلى درجة أنني كنت بحاجة إلى ابتكارها. كنت أدوّن مذكراتي وأتحدث إلى شخصيات خيالية". في الثانية والعشرين من عمرها، وبينما كانت تُحصّل شهاداتها الجامعية (في العلاقات الدولية، والعلوم السياسية، ودراسات النوع الاجتماعي...)، نشرت مجموعتها القصصية الأولى، ثم في الرابعة والعشرين من عمرها، نشرت روايتها الأولى. توضح قائلةً: "يبدأ البعض الكتابة لأن لديهم ما يقولونه. أما أنا، فأحب أن أضع نفسي مكان الآخرين، وأن أتجاوز حدود الهوية. لهذا السبب، تُعدّ الأقليات مهمةً للغاية في رواياتي".
Alexandra Schwartzbrod: portrait Elif Shafak, ni Dieu ni sultan
هكذا الحال مع كاترين لاجون، في : نساء العالم - وكارين لاجون، كبيرة مراسلي قسم الشؤون الخارجية في صحيفة "JDD"، تسترجع رحلات النساء الاستثنائية أو غير العادية حول العالم. هذا الأسبوع، تحدثت مع الروائية الناشطة التركية إليف شفق في مقهى باريسي.
ما الذي قد يكون أكثر مأساوية؟ فقدان طفل، بالتأكيد. ولكن أليس الكتاب كطفل حلم به المرء لأسابيع، بل لأشهر؟ لقد ارتكب رجب طيب أردوغان جريمة قتل الأطفال. فقد حظر حوالي ١٤٠ ألف كتاب، مدعيًا أنها تروج لأفكار الداعية المكروه فتح الله غولن، المنفي في الولايات المتحدة والمتهم بتدبير محاولة الانقلاب في تموز ٢٠١٦. وهكذا، لم يعد باروخ سبينوزا ولويس ألتوسير وألبير كامو متاحين. ما الذي قد يكون أكثر مأساوية لكاتب من قرار كهذا؟
الروائية التركية إليف شفق، الناشطة في مجال حقوق المرأة والمثقفة النسوية، تترنح. تلك التي أعلنت قبل فترة وجيزة أن "ستانبول روح حرة"، تترنح الآن تحت وطأة هذا الوحش الذي يتخيل نفسه آخر سلطان عثماني. من المؤكد أن روايتها الأخيرة، "بنات حواء الثلاث"، لن تُرضي الديكتاتور التركي على الأرجح. بقلمها الذي يبدو كسولاً، حللّت هذه المرأة الرائعة تركيا المعاصرة تحليلاً دقيقاً. تتنهد الروائية خلال زيارة إلى باريس قائلةً: "أصبحت الكلمات ثقيلة في بلدي، وأصبحت خطيرة".
لا تحب الكاتبة التفكير الثنائي.
بطلتها تُدعى بيري. هي ليست إليف شفق. قالت بابتسامة عريضة، وعيناها مكحلتان، مما منحها مظهر الممثلة التراجيدية: "لا، لو اضطررتُ للتشبه بإحدى الشخصيات، لاخترتُ أن أكون أكثر رجولة".
لا أحب أن يكون التفكير قائمًا على الثنائية؛ أحب أن أتخيل وجود طريق ثالث.
"لا أحب أن يكون التفكير قائمًا على الثنائية؛ أحب أن أتخيل وجود طريق ثالث." ومع ذلك، هناك العديد من الثنائيات في هذا الكتاب. بيري ووالدها، منصور نالبانتوغلو، الأب المُحب المُستنير، والمؤيد المُتحمس لأتاتورك، الذي يُراقب أصغر الإخوة بشراسةٍ مُخملية. بيري ووالدتها، سلمى، التي انجرفت تدريجيًا نحو الدين، ارتدتا الحجاب، واستبدلتا الروايات بالأحاديث؛ تكتب الكاتبة: "لقد ضرب الدين الأسرة بوحشيةٍ كالصاعقة، وشقّ هوةً، فقسمها إلى معسكرين مُتحاربين".
عودة سريعة إلى عام ٢٠١٦. بيري متزوجة، ولديها ابنة تُثقل كاهلها بكل مشكلة تخطر على بال، وزوج، وأمسيات تقضيها في إسطنبول الجديدة، حيث الرأسمالية لا دين لها، والمال يبقى مالاً. العشاء، الضيوف، الوسيلة. كل شيء موجود. تُصرّ الكاتبة قائلةً: "رأيتُ ذلك بأم عيني؛ العبارات التي أستخدمها في روايتي، سمعتها"، مُقرةً بأن عنوان العمل كان "العشاء الأخير لبرجوازية إسطنبول". "الديمقراطية ليست لنا؛ نحن بحاجة إلى قائد قوي" - كل تلك الكليشيهات التي نسمعها على جانبي البحر الأبيض المتوسط.
ثلاث بنات حواء Trois filles d’Eve ، تأليف إليف شافاك، ترجمة دومينيك غي-بلانكيه، دار فلاماريون، ٣٥٢ صفحة، ٢٢ يورو.
Elif Shafak, l'écrivaine qui défie Erdogan
إن ما أوردته من فقرات طوال نسبياً، محاولة أخرى، كتلك المحاولات التي قمت بها في مقالات ذلك في هذا المنحى، بغية إمكانية قراءة المسطور عن الروائية وأعمالها، والنظرة إليها داخل مجتمعها وخارجها .
وحين أتحدث أو أكتب بالطريقة هذه، فليقين معرفي، مأخوذ بعالم غاية في التنوع، وعلى وجه التحديد، عندما تكون الكتابة متمحورة حول تكويننا الجنسي، وما نكون عليه جنسانياً. وحسبي أن أقول: إذا أراد أحدنا " نحن الذكور الغلاظ " أن نتأكد من مدى سوية أرواحنا، فلننظر بعينين يقظتين ومفتوحتين على آخر، لنعرف إلى أي مدى تظهر المرأة في مرآتنا الداخلية محكومة بالرقة التي تكاد تجزئها جرّاء ثقل افتتاننا بها، وضغطنا عليها، وليس لأنها رقيقة كمفهوم جمالي وروحي، وإنما يسهل " هضم " جسدها، وطرحه نفاية دون خجل!
إناث شفق إناثنا، أما نساؤها، نسوتها، فهن يخصنها، ولا بد أنهن، على أكثر من مستوى " فوبيا " ذكورتنا!