محمد بشكار - نقترب من أنفسنا.. في شفشاون!

لو أردت تطريز تعبير يستمد بلاغته من فصاحة الذهب الصريح، لما استطعت قول شيء مما كان يجيش في دواخلي لحظة احتفاء شفشاون بديواني «عبثا كم أريد.. » (دار توبقال، 2013)؛ ولكن لو توسلت بالكَلِمِ الذي بقي مائلا على شفا اللسان والفؤاد على حد سواء، لقلت عفو الخاطر؛ إن شفشاون في ذلكم المساء الذي امتزج حليبه بالعسل، قد أحاطتني بجبالها الشماء، وأنا أصيخ ليس السمع فقط، بل رهيف القلب أيضا، لشهادات زادتني شعرا، حتى تمنيت لو كان لي أكثر من قلب...!
أليس تهديك شفشاون رجالا أفذاذاً من عيار الجبال الذين يزيدون الإنسان شموخا، حين يقرأونك ديواناً، وهم؛ الشاعر المغربي الكبير «عبد الكريم الطبال»، وأحد رواد النقد المغربي الحديث، الأديب «نجيب العوفي»، والقاصة والباحثة عاشقة اللغة السيدة «الزهرة حمودان»، والشاعر والإعلامي المفعم بالعنفوان «عبد الجواد الخنيفي»، ثم شفشاون طُراً بكل ناسها الطيبين والأشف من ماء؟؛ لعمري، إن شفشاون وهي تفتح ديواني، إنما نزلت بسمائها لأمشي إلى أقصى الأزرق الذي يُغْني خرسه البليغ عن كل كلام؛ حقا، بالشعر نقترب من أنفسنا، وكلما حققنا هذه المقاربة مع الذات، بصدق وجمالية وليس نرجسية سوداء، اقتربنا أكثر من الناس ومن القصيدة الأجمل؛ وما أشبه هذا التوق الذي يسكن الشاعر، بأمل أن تشرق الشمس في الليل، عسى تكسر نمط ما تعودناه من سهرات في ضيافة القصيدة؛ لذلك ربما، سمَّيتُ هذا الديوان: عبثاً كم أريد.. !

1.jpg

قبل أن يَجِنَّ المساء في شفشاون، وتعانق قاعة المحاضرات بمركب محمد السادس، من أتاها عاشقاً للذة الشعر، هجست وأنا موقن أني تارك نفسي في شفشاون ولو عدت جسداً إلى الرباط؛ إذا كانت شفشاون هي القصيدة في ذاتها دون مسافة تخييل أو إزار أنثوي شفيف منسوج في الجبل، فهل نحتاج لقول الشعر في حضرتها؟؛ بل يكفي الصمت قصيداً؛ ما دام كل هذا الإزرقاق الذي يحوطنا في كل مكان بالمدينة، يجعلنا نرتفع عن الأرض كي نمشي على سماء؛ وبهذا الإيهام الذي لا تحده كتابة أو حتى شطح الدراويش، تبقى شفشاون القصيدة الأجمل التي تمارس المحو على كل القصائد، ولو كتبها الشاعر عبد الكريم الطبال... !

(ملحق"العلم الثقافي" 2013/6/20)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى