إلى روح أبي د. أحمد الباسوسي
كُنتُ أظنّ—يا أبي—أنّ الوقت كفيل بترميم الشقوق، وأن قُرابة سبعة أشهر كافية لأستعيد جلدي القديم، لأرتّب روحي كما رتبتُ كُتبكَ على رفوفها، صامتة، مطواعة، لا تئنّ ولا تحكي...
كنتُ أظن أنّني والآن مستعدّة لقراءتها من جديد، كنت أظن أنني أقوى من تلك اللحظة الأولى، أقوى من الخراب الذي تركه رحيلك في داخلي، أقوى من خوفي من الذكريات حين تنهض من مقاعدها وتجلس قبالتي دون استئذان...
لكن ما إن فتحتُ أول كتاب لك، حتى أدركتُ أني كنتُ أخدع نفسي، وأن الحقيقة لم تتغيّر: ما زال قلبي هشّاً كما تركتَه، وما زالت يدك الغائبة أثقل من كل محاولاتي للتماسك...
كلّ حرفٍ في صفحاتك يا ابي يُشبه باباً يفتح على صوتك، وكلّ جملةٍ كأنّها ظلّك يعود بخطواته الواهنة، وكلّ نقطةٍ في نهايات السطور تشبه دمعةً لم تسقط بعد. أقرأ فأرتجف، وأتقلب بين السطور كمن يبحث عنك في ممرّ يشوبه الضباب، لا يُسمع فيه سوى رجوع صدى فقدك، ولا يُرى سوى ملامحك وهي تتبخّر بين الفراغ والذاكرة...
كنتُ أحسبني شُفيت، كنتُ أظنّ أن بإمكاني أن أراك عبر كلماتك دون أن تهوي روحي من جديد، لكن الذاكرة لا تعرف الرحمة، يا أبي؛ إنها تسحبني من كتفيّ إلى الأمس، تضعني أمامك كما كنتَ: حيِّاً، مبتسماً، تُهدي العالم بعض حنانك، ثم تختفي فجأة، فينكسر المشهد ويتناثر حولي كزجاجٍ داسته الحياة...
أمسكتُ بكتابك مرة أخرى، قلتُ: لعلّ عندما أُكمل صفحته الأولى، فسيكون أخفّ وطأة، ولعلّ الصفحة التي تليها أقلّ قسوة، لكنّ تلك الصفحة كانت أنت أيضاً، وكانت بها من رائحتك، وكان غيابك يصرخ في عينيّ، ويذكّرني أنني مهما طويت الأيام، فلن أستطيع طيّك معها؛ كيف يُطوى أبٌ يا أبي؟ وكيف خبأت نفسك هكذا بين سطورك، أو خلف صوره، وفي صندوقٍ من ذكريات؟
جلستُ طويلاً أمام كلماتك، أراقب كيف تخونني أنفاسي حين أحاول المتابعة، كيف تتشابك دموعي مع الحبر، وكيف يضيق صدري كأنّ الهواء نفسه يرفض فكرة أنك لم تعد هنا...
كيف لعقلي أن يؤمن برحيلك، وأنا كلّما لامستُ كتبك شعرتُ أنّك تعود؟ كيف للروح أن تتقبّل غياب من كان حضورُهُ مرساةً لها، وملجأً للأيام حين تشتدّ؟ أخبرني، يا أبي، كيف يُدرَّب القلب على النسيان؟ كيف أتعلم فتح كُتبك دون أن أفتح معه جرحك؟ كيف أمشي في طرقات الحياة دون أن ألتفت بحثاً عن ظلّك؟
كنتُ أظنّني الآن جاهزة لقراءتك من جديد، لكنّني حين بدأت، وجدتني أرتطم بالصفحة الأولى كما يرتطم الموجُ بصخرةٍ لا تتزحزح، وجدتني صغيرةً، ضعيفةً، عاجزة عن تخطّي الحرف الأول، كأن الحرف بابٌ مغلق، ومفتاحه في يدك وحدك...
أتذكّر كلّ شيءٍ، يا أبي، وكأنّه حدث البارحة: صوتك حين تناديني، ضحكتك التي كانت تدفئ جدران البيت، خطواتك في الممرّ، نظرتك حين تفتح كتاباً جديداً وتدعوني لأقرأ معك، أتساءل: كيف استطاع العالم أن يستمرّ دونك؟ كيف استطاعت الأيام أن تمشي فوق غيابك دون أن تتعثّر؟
كيف لي أن أقرأك بعد أن رحلت؟ كيف لي أن أستقبل كلماتك من غير أن تسبقها يدك إلى كتفي؟ كيف لي أن أصدّق أنّ الحبر الذي تركته كان وداعاً أخيراً، وأنك كتبتَ لي ما يكفيني كي أعيش، ثم مضيت؟
أتعلم؟!
انا -ابنتك- كنت أبحث عنك في السطور، ووجدتك أنت كنت في كل الأحرف والسطور، يا لي من قلبٍ يحاول أن يتعلّم الحياة من بعدك ولا يفهمها، يا لي يا أبي… كيف يمضي العمر دونك؟ وكيف أحاول أن أقرأك… ولكن الآن من دونك؟!
ضحى أحمد الباسوسي
كُنتُ أظنّ—يا أبي—أنّ الوقت كفيل بترميم الشقوق، وأن قُرابة سبعة أشهر كافية لأستعيد جلدي القديم، لأرتّب روحي كما رتبتُ كُتبكَ على رفوفها، صامتة، مطواعة، لا تئنّ ولا تحكي...
كنتُ أظن أنّني والآن مستعدّة لقراءتها من جديد، كنت أظن أنني أقوى من تلك اللحظة الأولى، أقوى من الخراب الذي تركه رحيلك في داخلي، أقوى من خوفي من الذكريات حين تنهض من مقاعدها وتجلس قبالتي دون استئذان...
لكن ما إن فتحتُ أول كتاب لك، حتى أدركتُ أني كنتُ أخدع نفسي، وأن الحقيقة لم تتغيّر: ما زال قلبي هشّاً كما تركتَه، وما زالت يدك الغائبة أثقل من كل محاولاتي للتماسك...
كلّ حرفٍ في صفحاتك يا ابي يُشبه باباً يفتح على صوتك، وكلّ جملةٍ كأنّها ظلّك يعود بخطواته الواهنة، وكلّ نقطةٍ في نهايات السطور تشبه دمعةً لم تسقط بعد. أقرأ فأرتجف، وأتقلب بين السطور كمن يبحث عنك في ممرّ يشوبه الضباب، لا يُسمع فيه سوى رجوع صدى فقدك، ولا يُرى سوى ملامحك وهي تتبخّر بين الفراغ والذاكرة...
كنتُ أحسبني شُفيت، كنتُ أظنّ أن بإمكاني أن أراك عبر كلماتك دون أن تهوي روحي من جديد، لكن الذاكرة لا تعرف الرحمة، يا أبي؛ إنها تسحبني من كتفيّ إلى الأمس، تضعني أمامك كما كنتَ: حيِّاً، مبتسماً، تُهدي العالم بعض حنانك، ثم تختفي فجأة، فينكسر المشهد ويتناثر حولي كزجاجٍ داسته الحياة...
أمسكتُ بكتابك مرة أخرى، قلتُ: لعلّ عندما أُكمل صفحته الأولى، فسيكون أخفّ وطأة، ولعلّ الصفحة التي تليها أقلّ قسوة، لكنّ تلك الصفحة كانت أنت أيضاً، وكانت بها من رائحتك، وكان غيابك يصرخ في عينيّ، ويذكّرني أنني مهما طويت الأيام، فلن أستطيع طيّك معها؛ كيف يُطوى أبٌ يا أبي؟ وكيف خبأت نفسك هكذا بين سطورك، أو خلف صوره، وفي صندوقٍ من ذكريات؟
جلستُ طويلاً أمام كلماتك، أراقب كيف تخونني أنفاسي حين أحاول المتابعة، كيف تتشابك دموعي مع الحبر، وكيف يضيق صدري كأنّ الهواء نفسه يرفض فكرة أنك لم تعد هنا...
كيف لعقلي أن يؤمن برحيلك، وأنا كلّما لامستُ كتبك شعرتُ أنّك تعود؟ كيف للروح أن تتقبّل غياب من كان حضورُهُ مرساةً لها، وملجأً للأيام حين تشتدّ؟ أخبرني، يا أبي، كيف يُدرَّب القلب على النسيان؟ كيف أتعلم فتح كُتبك دون أن أفتح معه جرحك؟ كيف أمشي في طرقات الحياة دون أن ألتفت بحثاً عن ظلّك؟
كنتُ أظنّني الآن جاهزة لقراءتك من جديد، لكنّني حين بدأت، وجدتني أرتطم بالصفحة الأولى كما يرتطم الموجُ بصخرةٍ لا تتزحزح، وجدتني صغيرةً، ضعيفةً، عاجزة عن تخطّي الحرف الأول، كأن الحرف بابٌ مغلق، ومفتاحه في يدك وحدك...
أتذكّر كلّ شيءٍ، يا أبي، وكأنّه حدث البارحة: صوتك حين تناديني، ضحكتك التي كانت تدفئ جدران البيت، خطواتك في الممرّ، نظرتك حين تفتح كتاباً جديداً وتدعوني لأقرأ معك، أتساءل: كيف استطاع العالم أن يستمرّ دونك؟ كيف استطاعت الأيام أن تمشي فوق غيابك دون أن تتعثّر؟
كيف لي أن أقرأك بعد أن رحلت؟ كيف لي أن أستقبل كلماتك من غير أن تسبقها يدك إلى كتفي؟ كيف لي أن أصدّق أنّ الحبر الذي تركته كان وداعاً أخيراً، وأنك كتبتَ لي ما يكفيني كي أعيش، ثم مضيت؟
أتعلم؟!
انا -ابنتك- كنت أبحث عنك في السطور، ووجدتك أنت كنت في كل الأحرف والسطور، يا لي من قلبٍ يحاول أن يتعلّم الحياة من بعدك ولا يفهمها، يا لي يا أبي… كيف يمضي العمر دونك؟ وكيف أحاول أن أقرأك… ولكن الآن من دونك؟!
ضحى أحمد الباسوسي