( الباحث مختار بن عامر: النادي التاشفينية للقرآن بتلمسان جوهرة بنو زويان)
تعتبر مكتبة دار الحديث بمدينة تلمسان بنكا معلوماتيا معرفيا لما تحتوي عليه من كتب في مختلف المجالات و مخطوطات، تستحق أن تتولى السلطات العليا تصنيفها كونها تعتبر مستودعا للمعلومات و المعرفة و تعمل على الحفاظ على تراث الأمّة و تاريخها ، فهي تسير مخزونها المعرفي بوسيلة إلكترونية سعيا منها في مواكبة الرقمنة ، فدار الحديث بتلمسان تعتبر "ملتقى النخب"، و هذا من شأنه أن يجعل منها مكتبة رقمية متاحة عبر "الإنترنت" أي الدخول إليها عن طريق الشبكة العنكبوتية لتكون قريبة من القارئ و الباحث من خارج البلاد و هذا بالنظر إلى ما وصلت إليه التكنولوجيا من تطور يجب مواكبته و التكيف مع عالم الرقمنة
كان لقاء الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية بتلمسان دافعا قويا للوقوف على مكتبة دار الحديث بهذه المدينة العريقة في التاريخ حين نظمت دار الحديث يوما دراسيا، ناقشت فيه "مركزية الدين في فكر مالك بن نبي"، كان الدكتور عبد الحفيظ بورديم ببرنوسه أول شخصية التقينا بها بدار الحديث و هو مختص في الأدب العربي ، و البرنوس عندنا في الجزائر عنوان للهوية، و من باب التواضع و الكرم قادنا الدكتور عبد الحفيظ بورديم إلى مكتبة دار الحديث، فإذا بنا نقف على عالم آخر ، حدثنا عنها حديث العالم الخبير بخبايا دار الحديث و تاريخ نشأتها و كيف تأسست هذه المكتبة فهو طبعا ابن مدينة تلمسان، و يعرف مداخلها و مخارجها، و الحديث عن "دار الحديث" في جانبها التاريخي يعود إلى أيام الاحتلال الفرنسي .
كانت مدارس تلمسان تُدَارُ و تُسَيَّرُ من طرف المستشرقين ، و كانوا في أعمالهم البحثية يسعون لاختراق المجتمع الجزائري في فكره و دينه بغية طمس هويته، لاسيما و تلمسان كانت موضع اهتمام المستشرقين ، حيث أخذوا من ترجمتهم للموروث الإسلامي اتجاهات سياسية و إيديولوجية ، لكن الإمام الشيخ البشير الإبراهيمي تفطن لدسائس المستشرقين، يكشف لنا الدكتور عبد الحفيظ بورديم الدور الذي لعبه الشيخ الإبراهيمي منذ أن حط رحاله بمدينة تلمسان عام 1932، و دفع بالمحسنين من أعيان تلمسان لجمع المال و شراء قطعة أرض ليتم يناء دار الحديث، و استجاب أعيان المدينة لمطلبه، و قد سارع الإبراهيمي إلى إنشاء "دار الحديث" كمدرسة لمواجهة المخطط الاستعماري ، فاختار موقعا مقابل ثانوية (دوسلان de slane) و هو اسم مستشرق يعدُّ من أكبر المستشرقين اهتماما بالبربر في شمال افريقيا.
و قد حرص الشيخ البشير الإبراهيمي على الإشراف بنفسه على إنشاء هذه الدار، و كان التصميم مأخوذا من الطراز المعماري العربي الإسلامي الأندلسي ، قام به المهندس المعماري عبد الرحمان بوشامة، بعد أن اتصل به الشيخ البشير الإبراهيمي و بالرغم من أن هذا الأخير ( بوشامة) كان معروفا بانتمائه للحزب الشيوعي الجزائري يضيف الدكتور عبد الحفيظ بورديم، تجاوبن مع مطلب الإبراهيمي، و وضع كل المخططات في عهد وزير الشؤون الدينية مولود قاسم آيت بلقاسم ، وشُيّدت من قبل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، عام 1937، و بالاشتراك مع الشيخ عبد الحميد بن باديس، قامت المدرسة بدور محوري في مقاومة الاستعمار الثقافي من خلال تعليم النشء وإصلاح المعتقدات الدينية، و تأصيل الوعي الديني و التربوي و التجديد الحضاري، للرد على مساعي الفرنسيين في طمس اللغة العربية و الدين الإسلامي و محاولة تنصير الجزائريين ، كان يوما شهيدا لم تشهده الجزائر مثله من قبل، حيث من دار الحديث يقول محدثنا تأسست الحركة الوطنية مع مصالح بجاية، و في بداية الأربعينيات أسس الشيخ البشير الإبراهيمي مدرسة للبنات سمّاها عائشة أم المؤمنين، إلا أنها واجهت صراعات مع السلطات الفرنسية التي حاولت إغلاقها، و اعتقلت الشيخ الإبراهيمي بدعوى للإساءة للنظام العام كان ذلك بحضور إبراهيم الكتاني آل خليفة و أبو اليقظان الجزائري مؤسس المطبعة العربية.
أما عن الشيخ عبد الحميد ابن باديس يكشف لنا الدكتور عبد الحفيظ بورديم عن العمل الذي كان يقوم به العلامة عبد الحميد ابن باديس، حين زار تلمسان عام 1917، و أول عمل به ابن باديس شرح منظومة العظات وضعها الشيخ أحمد بن محمد الهاشمي التلمساني و هو من مواليد مدينة سبدو من أعمال تلمسان من أبوين ينحدران من آل بيت النبوة حيث يرجع نسبهما إلى سبط رسول الله الحسن ابن علي بن ابي طالب ، و كان والده قاضي البلدة، التقى الشيخ عبد الحميد ابن باديس كما يقول الدكتور عبد الحفيظ بورديم بأحد قضاء تلمسان و هو الشيخ شعيب و تكررت زيارته إلى تلمسان عام 1931 من أجل التعريف بجمعية العلماء المسلمين ، ظلت دار الحديث تواصل نشاطها كإشعاع فكري ثقافي تربوي، إلى غاية 1996 يضيف الدكتور بورديم تم توسيعها، فدار الحديث اليوم تحفة معمارية بكل مرافقها حيث تضم مكتبة ثرية بالكتب في مختلف المجالات، قاعة للمحاضرات، مائضة و قاعة للصلاة في الطابق العلوي.
و لا يزال مسيري دار الحديث يحتفظون بمكتب الشيخ البشير الإبراهيمي و كرسيه و خزانته، تعود إلى الفترة ما بين 1889-1965 ، و المكتبة حسب الأستاذ مختار بن عامر و هو المشرف على المكتبة ، فهي تسيّر نفسها بنفسها حيث تعتمد على مساهمات المحسنين، تضم أكثر من 6500 عنوان ، و يداوم عليها أكثر من 1500 منخرط من طلبة و باحثين، و زوار من داخل و خارج الجزائر، من ميزة مكتبة دار الحديث بتلمسان أنها توفر كل سبل الراحة للطلبة و الباحثين و تساهم في التحصيل العلمي من خلال الإعارات الخارجية ، كما تتميز بمنهجها الأكاديمي ، فهي تحرص على تلبية احتياجات الطلبة والباحثين المهتمين بتطوير معرفتهم في الدراسات الشرعية والفكرية، كما تقوم بدورات في القراءات ، ما يجدر الإشارة إليه و حسب محدثنا يوجد في تلمسان 20 ناديا، منه النادي التاشفينية للقرآن و هو شبه جامعة يعود إنشاؤه إلى عهد الاستعمار في القرن الثامن عشر/ التاسع عشر، فهذا النادي يعتبر جوهرة بن زيان الذين شيدوا العديد من المعالم المعمارية من قصور و مساجد و زوايا و مدارس ، حيث كانت هذه المعالم منارة لكل العلوم.
علجية عيش