خالد عطية - نافذة الروح في الغربة

هذا الانكسار الذي ينمو في الجسد ليس وهناً ولا مرضاً، بل هو شقّ سرّي في الروح يتّسع كلما تقدّم بنا العمر، كأن كل خطوة نخطوها تجعلنا نقترب أكثر من حقيقتنا ونبتعد عن كل ما تكدّس فوقها من ضجيج. وفي الغربة تحديداً، يصبح هذا الشقّ أكثر وضوحاً؛ فالمسافة الطويلة بين مخيم النيرب وألمانيا تسحب الغطاء عن الذاكرة وتتركها عارية تحت ضوء لا يرحم. هناك، حيث يعلو صمت الأمكنة على ضجيج البشر، يبدأ الماضي يخرج بوجوهه جميعاً: من ربت على أرواحنا، ومن آلمنا، ومن خذلنا، ومن ظننّاه رفيقاً فإذا به ظلّ مصلحة عابر.
نكتشف في الغربة أن الذاكرة ليست صندوقاً مغلقاً، بل بابٌ يُفتح حين لا نملك القوة على منعه. نمتلك وقتاً أطول نعم، لكن الحقيقة أن الاستحضار لا يأتي من فائض الوقت… بل من فراغ الروح. في الغربة، تُخلع عنّا طبقات الانشغال والأدوار والمسؤوليات اليومية، فتظهر التفاصيل التي خبّأها الزحام، وتنهض الأسئلة التي خفنا مواجهتها: من كنّا؟ ومن صار كل واحد منا الآن؟ وما الذي تبقى في داخلنا من كل تلك العلاقات التي عبرت حياتنا؟
لماذا نعرّي أنفسنا هناك؟ لأن الغربة لا تطلب الإذن، هي تُعرّي بطبيعتها. تجرّدنا من الأمكنة التي نعرفها، من الوجوه التي تُسكّن جرحنا دون أن تدري، من العادات التي تخفف ثقل أيامنا. تتركنا وجهاً لوجه مع ذواتنا، مع أكثر ما حاولنا نسيانه. وهكذا، حين يشتد الليل وتضيق الغرفة وتخفت الأصوات، يبدأ القلب يتلمّس كدماته القديمة، يسأل نفسه: كيف حملنا كل هذا دون أن ننكسر؟ ولماذا لا يزال بعض الراحلين يقيمون فينا كأنهم لم يغادروا قط؟
أتذكر جلسة الوداع الطويلة في بيت صديقي بمخيم النيرب. جلسنا، والصمت يلفنا أحياناً، ثقيل كحجرٍ بين الروحين، لكنه لم يكن خاوياً، بل مليئاً بما لم يُقال. حاول بكل ما أوتي من قوة أن يبقيني، أراد أن يمسك بيدي كي لا أغادر، يكرر بصوته الهادئ وبدفء النظر: “ابقَ، لن تكون الغربة هنا.” لكننا نحن الاثنين كنا نعرف الحقيقة: الخيار قد اتُخذ، والخطوة القادمة لا رجعة فيها. في تلك اللحظات، أصبح الصمت لغة أعمق من الكلمات، والبيت كله كأنه يتنفس معنا، يعترف بالحزن، يحتضن الرحيل، ويترك لنا ذكرى لا يمحوها الزمن. كانت لحظة صدق نادرة، حقيقية، محفورة في القلب، تتوهج في ذاكرتي كلما شعرت بالغربة.
وفي الغربة، تُعرّي الروح نفسها أكثر فأكثر. هنا، في ألمانيا، تتكشف الذاكرة كبيت بلا سقف، وتعود كل التفاصيل: ضحكاتنا في الحارات، الركض بين البيوت، الليل البارد، والخبز الذي كان يخفف ثقل الأيام… وذاك الصديق، واقف في آخر الزقاق من ذاك الماضي، يلوّح لي كأن الوقت لم يتحرك، كأن الرحيل لم يكن سوى فصل آخر في قصتنا.
ندرك حينها أن الذاكرة لا تعيدنا إلى الماضي بقدر ما تحاول أن تشرح لنا الحاضر. فنحن لا نسترجع الوجوه لأننا نشتاقها فحسب، بل لأن كل وجهٍ منهم كان مرآة صغيرة تعكس جزءاً منّا. في الغربة يصبح الماضي أكثر وضوحاً لأن المسافة تكسر الوهم، ولأن الصمت الطويل يجعل الحقيقة تنطق. نرى الذين أحببناهم بصدق، والذين خذلونا دون رحمة، والذين كانوا عبئاً على أرواحنا ونحن لم نكن نعلم. ونرى أيضاً النسخ القديمة منا: الطفل الذي صدّق العالم، الشاب الذي أحبّ حتى الاحتراق، والإنسان الذي ظنّ أن الصداقة أبقى من الزمن.
ومع كل هذا الألم، ثمة حكمة خفية نخرج بها في النهاية: نكتشف أن الخذلان لم يكن النهاية، بل درساً كي نميّز الضوء الحقيقي في العيون. وأن الذين عبروا سريعاً لم يكونوا خسارة، بل مساحة أُخليت ليأتي بعدها ما هو أصدق. وأن الوحدة ليست علامة ضعف، بل دليل على أن القلب ما زال يدقّ ويبحث ويفهم ويعيد ترتيب نفسه.
ربما… هذا هو سرّ الغربة: أنها لا تبعدنا عن العالم، بل تقرّبنا من أنفسنا. لا تمحو الوجوه من ذاكرتنا، بل تكشف قيمتها الحقيقية. لا تنثر الماضي، بل تنظّمه. وكلما اتسع ذلك الانكسار في داخلنا، أدركنا أنه ليس جرحاً كما كنا نظن… بل نافذة. نافذة تطلّ على أعماقنا، لعلّنا نرى ما لم نكن نرى، ونفهم ما لم نكن نفهم. نافذة… مهما آلمتنا، تبقى الطريق الوحيد لنعرف من نحن حقاً .
ولكم جميعاً، أنتم الذين مررتم في الذاكرة:
إلى الذين أحببناهم بصدق:
شكرٌ عميق لأنكم تركتم في الروح نوراً لا يطفئه الزمن، ولأن وجودكم —حتى لو صار ذكرى— ما زال يدفئ القلب في أكثر ليالي الغربة برودة.
إلى الذين خذلونا:
لا بأس… فخذلانكم لم يكسرنا، بل علّمنا أن نرى أنفسنا بأوضح مما كنّا نرى، وأن نختار بعينٍ أكثر حكمة وأقل سذاجة.
إلى الذين كانوا عبئاً على أرواحنا:
سامحناكم… ليس حباً بكم، بل حباً بأنفسنا، لأن أرواحنا تستحق خفةً لم نكن نعرفها إلا بعد أن ابتعدنا.
إلى الذين عبروا سريعاً:
شكراً لمروركم. فقد كنتم فصلاً وانتهى، وفصول الحياة لا يجب أن تطول جميعها ليكون لها أثر.
وإلى الذين بقوا رغم كل شيء:
أنتم الوطن حين يبتعد الوطن، وأنتم النسخة التي يتمنى القلب أن تظلّ قريبة حتى آخر الطريق.
وإلى أولئك الذين وصلونا متأخرين…
أولئك الذين حين عرفناهم تمنّينا لو أن العمر التفت قليلاً ليمنحنا فرصة أوسع للاقتراب، أولئك الذين قال حضورهم الهادئ: “ليتني عرفتك قبل هذا التعب.”
ننظر إليهم فنشعر بشيء يشبه الحسرة، لا لأن قطار العمر مضى، بل لأننا ندرك كم كان يمكن للحياة أن تكون ألطف لو التقينا بهم أبكر.
لكن…
هل يتسع القلب لهم؟
نعم، القلب يتسع… بل إن أكثر ما يميّزه أنه يظل قابلاً للدهشة، قادراً على منح حيز جديد لمن يستحق، حتى لو جاء متأخراً. العمر يمضي، نعم، لكنه لا يغلق أبوابه تماماً. القلوب التي عرفت الألم، القلوب التي جُرِّبت في الغربة وفي الوحدة وفي فقدان الوجوه، تتعلم أن تُبقي نافذة صغيرة مفتوحة للضوء حين يظهر.
فمن يصل متأخراً لكنه صادق، يربح مكانه دون ضجيج.
ومن يُشبه سلامنا الداخلي، يدخل دون إذن.
ومن يشعرنا بأن الحياة لا تزال قادرة على منحنا ما هو أجمل… يستحق أن نفتح له قلوبنا، حتى لو كان الوصول في آخر المحطات.
فالقلوب، مهما شاخت، لا تزال تعرف كيف تحب.
ومهما امتلأت، تظل تحتفظ بركنٍ صغير لا يُفتح إلا لأشخاص لم يكونوا في الحسبان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى