سلكتُ طريق دمشق كثيراً، وأنا أعيش حالات كثيراً، محمولاً بمراحل عمرية مختلفة، ذهاباً وإياباً، في فصول أربعة، سعياً إلى حياة، وتعبيراً عن حياة، وخشية من حياة. وهأناذا الآن على طريق دمشق في عمر مختلف" سبعينيّ "، وفي وصعية مختلفة " مريضاً " ليس وحدي، هذي المرة، إنما مع عائلتي، وبيني وبين دمشق مساقة طويلة زمنياً، وقد انطلقتُ إليها من " دهوك-إقليم كُردستان العراق " حيث أقيم منذ " 2013 " إقامةَ انتظار، مروراً بقامشلي/ قامشلوكي، قامشلو " كما هي تهجئاتها المحلية "، حيث إقامتي الفعلية.
طريق دمشق رغم أنه سالك، ولكنه لا يزال في انتظار ما يجعل السالك آمناً مطمئناً على نفسه، ليكون هناك ترافقٌ بين المرض الجسمي، وتوأمه النفسي في القلق والتوتر. حالة مركَّبة لا يمكن تجاهلها، خصوصاً، حين يكون سالك الطريق هذا في سيارة خاصة، برفقة أهل. السرد يكون أكثر سخونة وتوتراُ بالتأكيد .
ومعاناتي من ضيق التنفس منذ سنوات صاحبتي عمْراً، إنما هي أشد وطأة إيلام منذ سنتين. بيني وبينها صراع، وتوق إلى السوية العضوية، ولو بنسبة ما.
كانت انطلاقتنا معاً من دهوك في صباح الخميس " 27-11/ 2025 " عبْر معبر سيمالكا الحدودي- النهري، نلتقي أرضاً تعيش هي نفسها توتراً، وأهلاً وأصحاباً، معارف وأصدقاء لا يخفون هم أنفسهم قلق انتظار الوضع في عموم سوريا وليس في جهة دون أخرى. ثمة بحث عن الدواء ليس لحالة مرضية واحدة، إنما حالات، هذه المرة. ونحن جميعاً نعيشها بنسَب مختلفة. ليكون للمرض معنى آخر.
من قامشلي، قامشلو، قامشلوكي هذه، انطلقناً صباحاً ، في 28 " من تشريننا الثاني، في سيارة” Van مع أفراد من عائلة رفيقة دربي المريضة بدورها، كما قلت، طي سماء صافية، لا تخفي برودتها وتجهمها .الطريق أكثر من كونه طويلاً. يصعب تقديره تحت وطأة الحالة النفسية، وسط ما يجري سماعه، أو تردّده من أخبار هنا وهناك.
لا يحتاج سالك الطريق أحياناً إلى السؤال عما يجري، وما يمكن أن يجري، ليعرف حقيقة الوضع، إذ إن رؤية ما يمتد على جانبي الطريق، جهة الأبنية، وهياكل السيارات ومَزَق إطاراتها، ووجوه الناس، والمنصوب من أشباه خيام، أو بيوت صفائحية بعرَضيتها، بألوانها الداكنة، وصفائح البنزين والمازوت، والنفايات المختلفة، شاهدة عيان لا يخطئها النظر، لقراءة سْفر الحياة المعاش منذ عقد زمني ونيّف، وحالة الخوف التي يستحيل تلافيها مع هذه المشاهد. ليس من طريق حيادي وواحد، في " عروضه المنبسطة ، في خطابه البصري المباشر هنا.
الطريق ليس واحداً في التفافاته، انتقالاً بين مسافات تتقاسم الطريق، مروراً بزوايا، منعطفات، نقاط ترابية، حًفَر، نقاط تفتيش.
السرد البصري: المرئي، كما قلت، لا يحتاج إلى داعم يترجم حقيقة الجاري بتاريخه القصير والعميق والطويل بأوجاعه، ونحن خروجٌ من الحسكة " المحافظة " ونحن خروجٌ أشدُّ وطأة بؤرية مشاهد الدمار والخراب المروّع " من دير الزور التي لا تكفيها آلاف مؤلفة من الصفحات لسرد المرئي من خراب المدينة، مدينة في ذاكرة فرانشكتاينية، والذهول المصاحب وراء كيفية استحالتها هكذا بأهوالها.
ونحن نقطع المسافة الفاصلة بين دير الزور وتدمر المدينة المحاطة بالصحراء، مسافة تصل إلى " 270 " كم، حيث مشهد الصحراء المترامي الأطراف، يعلِمك بعواصف الجغرافيا والتاريخ معاً، بمسارح عملية لحشود وجوه غير معروفة، مسلحة وفيها من شهوة القتل للآخر الكثير ومطاردة لها من جهات مختلفة: دولية، ومحلية ونظامية، والأرض لا تزال تعيش لغْميتها وحمّى متغيرات متعددة الأسماء، وهياكل العربات العسكرية، المصفحات، الدبابات المحروقة والمتناثرة وإطارات السيارات الممزقة على مد النظر، تُعلِم الناظر برعب هذا " الغول " الصحراوي، المرئي واللامرئي والرابض في المكان. ودائماً ثمة البيوت المتناثرة، القرى، وما أقلها، في تباعدها عن بعضها بعضاً، وخوائها كثيراً، تزيد يقين المكان الخرِب عمقَ مأساة.
وهكذا أبصرنا تدمر" لا بد أن زنوبيا تبكيها تنوح وتعول في الصميم "، وجوانب دمار فيها، والقلعة المنهوية، لنجد أنفسنا في حِمَى تتمة صحراء تستدعي تحفزاً ويقظة وتخوفاً، من خلال نقاط التفتيش، دون أن نتعرض لأي إزعاج في أي منها، إنما مما يمكن أن يحصل فجاة باعتراض ممن يخشى منه، وما يصعب التفكير لرعبه. حتى مرورنا بـ" أبو الشامات " والضِمير، ليجري " استقبالنا " بخراب مماثل لدير الزور على مشارف دمشق " دوما " كما لو أن هناك هندسة متقنة ونفّذت بدقة لامتناهية في تحول العمران إلى دمار وما تحت الأنقاض من أرواح ملفوظة أنفاسها وأسرار وسواها، وما يعنيه كل ذلك قبل الدخول، حيث الهامش اعتباراً يترجم عنف الداخل اقتداراً ، حتى دخولنا دمشق، حيث حركة الحياة، إنما لا يمكن الجزم على أنها الحياة التي كانت تعاش قبل الأحداث، إن وجوه الناس بسحنتها ذات الهيئة المرَضية أو المطعونة في روحها شاهدة ذلك.
ندخل دمشق وفي داخلنا تخوف مما عشناه، يضاف إلى ما كنا نعيشه، وإلى ما يمكن أن نعيشه دالياً. وفي ذلك قاسم مشترك .
أشير هنا إلى أدواء شتى، مترابطة وتتقاسم المكان وتاريخه، الناس وانتماءاتهم، الوجوه وعلاماتها اللونية وسواها. أدواء يصعب حصرها.
ندخل دمشق ولدينا عناوين لأطباء حجزنا الدور مسبقاً.كما لو أن المكان كله يشكو أمراضاً/ أدواء، ربما المرض الأكثر خفة ووطأة هو المسمى بالعضوي، لأنه من الممكن الحديث عنه، تشخيصه، اقتفاء حقيقته، بينما العِلل/ الأدواء الأخرى بمرجعيتها النفسية فصعبة جداً.
بفضل أهل الفضل الكرماء ممن ساعدونا في مراجعة أطباء مختصين ذوي خبرة تلمسنا بعضاً من الراحة، من جهة العائلة كان الدكتور والأستاذ الجامعي، وصاحب المكانة العلمية رجب مقصود، والمختص بالسكري والغدد الصم ناحية ساحة الشهبندر.. لقد كان دقيقاً في تشخيصه، جليّ التواضع، وهو يمطر العائلة بأسئلة لها صلة بمرضها الذي أضناها وأشقاها كثيراً.
بالمقابل كان الدكتور والأستاذ الجامعي وصاحب المكانة بدوره عمار وجيه الزين، أخصائي أمراض صدرية، في المزة، ساحة الشيخ سعد، لافتاً بلطفه وقدرته على سبْر الحالة التي أعيشها " ضيق التنفس " ومن جوانب مختلفة، ليكون لهذا التعامل النفسي تأثيره على عموم الجسد، وتوقع التحسّن وتجاوز هذه الحالة الآلمة والمؤلمة . وأشير هنا إلى جهود الطبيب الشاب صالح" اختصاص جراحة عصبية " ابن الصديق الدكتور " الجامعي " فرزند، اختصاص فلسفة، في تسهيل أمورنا في الجانب الطبي وغيره في المعاملات التي كانت تهمنا .
دمشق التي أمضينا فيها أياماً عدة، أرتْنا الكثير، وأخفت عنا الكثير " هي نفسها لا تستطيع التأكيد على أنها كمكان، وحتى كهوية اجتماعية، ثقافية، وسياسية.." قادرة على إبراز معالمه والنظر إلى الغد القريب جداً في ضوئه "، كما رأينا مشاهد عدة حول ذلك في حركات الناس، وجوههم، معاملاتهم مع بعضهم بعضاً، حيث فيها ما يشجّع على التفاءل، وما يضعفه في الجانب الآخر..
وخروجاً من دمشق، دون أن ندعها خارجاً، وهي لا يمكن أن تكون كذلك، وقد حملنا معنا من صورتها مكاناً وعلاقات، الكثير الكثير مما يطمئن ومما يقلق معاً، كما قلت.
ليكون الذي عشناه ورأيناه فيها شاغلاً لنا كثيراً.
وأشير إلى مظاهر لها صلة بالتدين، بالدين في هيئاته، في الكلمات المنطوقة، والهيئات ، تشغل النفوس والرؤوس.
ومثالاً علا ذلك ما لاحظته من عبارة مكتوبة بخط اليد العريض، وضمن مسافات متباينة بين تدمر ودير الزور، ومعها تحديد المسافة:دير الزور" 160 كم " وأعلاها عبارة " لا حول ولا قوة إلا بالله "، دير الزور " 100" وأعلاها عبارة " صل على النبي "،دير الزور " 60 كم " وأعلاها عبارة حمداً لله، دير الزور " 40 كم " وأعلاها عبارة سبحان الله.. هناك عبارات أخرى بأيد ، وبخط عريض، مثل: سوا نعمّرها مع " دير الزور " 75 كم "، و" دير الزور الأبية " و" فندق بادية الشام يرحب بكم " عند الاقتراب من عاصمة الصحراء..
واللافت والمنبني على رعب وعنف، هو في رؤية مجمع نفايات الدبابات والمصفحات والمدافع التي أصبحت خردة، قبل دخول المدينة جهة اليمين، إنها ساحة مكشوفة تتراكم هذه القطع فوق بعضها بعضاً، كما لو أنها تسمِع الناظر ما حصل وتبعاتها النفسية، وأنها تشد الناظر إليها ليعيش مضاعفات الحالة تالياً.
هذه المشاهد مجتمعة تبقي اليقين عالقاً في فراغ لا يعدُ الناظر عن قرب خاصة، بأي طمأنينة، رغم أن الناس يعيشون حياتهم اليومية، إنما ليس هناك من يمكنه التجرد من تخوفات مكانية، من القطع بيقين أنه مصالِح مع نفسه سكَينة وطمأنينة ووعد منتظر بالآتي .
لا طبيب هنا يصلح لمكاشفة حالات كهذه، لأنها تعني أصحابها، أهليها، والمعنيين بها في ضوء انفجارات سالفة ونافذة الأثر إلى الأبعد.
ونحن انتماءٌ إلى هذه الحالة/ الظاهرة، وداخلنا القلق والمعزّز لكل ذلك .
ونحن نعبر هذه المدن، نقطع هذه المسافات، نتفاعل مع أهل المكان بألسنتهم المختلفة، وتنوع طباعهم، هنا وهناك، حتى ونحن في قامشلو/ قامشلي، قامشلوكي، بالهواء الذي يشكو هو الآخر اسمه ومسماه في كربونه وخلافه حتى المدينة وخارجها، ونخرج منها وهي تنبض داخلنا بوجوه أهلها، ومن التقيناهم، ومن تحدثنا إليها، كان ثمة شيء ما يسمّي وجع المكان، حتى وصولنا إلى حيث نقيم في دهوك.
لا أعدِم الأمل هنا، وهو بنوع من التجاهل لتحديات الجاري وأفق الآتي، تعبيراً عن أن بعضاً من التفاؤل لا بد منه، لتكون هناك قابلية ممكنة لتخفيف الألم الجسمي ذي الصلة بالمرض، والألم النفسي المتشعب، ذي الصلة بمحصّلات الأحداث وذيولها، وحيث النظر يمتد ويمتد تعبيراً عن مأثرة المكان ودلالته، إلى طريق دمشق، وما ما تردد حوله وباسمه بصيغ شتى.
شكراً لكل الذين خففوا عنا مخاوف الطريق ومعاناة المسافات المتقطعة، واحتضنونا أهلاً ومعارف وأصدقاء، لنكون أكثر عافية، أكثر قدرة على الحياة . لا بأس ببعض الوهْم، طالما أنه يفلتر الروح بما يفيد ولو قليلاً!
طريق دمشق رغم أنه سالك، ولكنه لا يزال في انتظار ما يجعل السالك آمناً مطمئناً على نفسه، ليكون هناك ترافقٌ بين المرض الجسمي، وتوأمه النفسي في القلق والتوتر. حالة مركَّبة لا يمكن تجاهلها، خصوصاً، حين يكون سالك الطريق هذا في سيارة خاصة، برفقة أهل. السرد يكون أكثر سخونة وتوتراُ بالتأكيد .
ومعاناتي من ضيق التنفس منذ سنوات صاحبتي عمْراً، إنما هي أشد وطأة إيلام منذ سنتين. بيني وبينها صراع، وتوق إلى السوية العضوية، ولو بنسبة ما.
كانت انطلاقتنا معاً من دهوك في صباح الخميس " 27-11/ 2025 " عبْر معبر سيمالكا الحدودي- النهري، نلتقي أرضاً تعيش هي نفسها توتراً، وأهلاً وأصحاباً، معارف وأصدقاء لا يخفون هم أنفسهم قلق انتظار الوضع في عموم سوريا وليس في جهة دون أخرى. ثمة بحث عن الدواء ليس لحالة مرضية واحدة، إنما حالات، هذه المرة. ونحن جميعاً نعيشها بنسَب مختلفة. ليكون للمرض معنى آخر.
من قامشلي، قامشلو، قامشلوكي هذه، انطلقناً صباحاً ، في 28 " من تشريننا الثاني، في سيارة” Van مع أفراد من عائلة رفيقة دربي المريضة بدورها، كما قلت، طي سماء صافية، لا تخفي برودتها وتجهمها .الطريق أكثر من كونه طويلاً. يصعب تقديره تحت وطأة الحالة النفسية، وسط ما يجري سماعه، أو تردّده من أخبار هنا وهناك.
لا يحتاج سالك الطريق أحياناً إلى السؤال عما يجري، وما يمكن أن يجري، ليعرف حقيقة الوضع، إذ إن رؤية ما يمتد على جانبي الطريق، جهة الأبنية، وهياكل السيارات ومَزَق إطاراتها، ووجوه الناس، والمنصوب من أشباه خيام، أو بيوت صفائحية بعرَضيتها، بألوانها الداكنة، وصفائح البنزين والمازوت، والنفايات المختلفة، شاهدة عيان لا يخطئها النظر، لقراءة سْفر الحياة المعاش منذ عقد زمني ونيّف، وحالة الخوف التي يستحيل تلافيها مع هذه المشاهد. ليس من طريق حيادي وواحد، في " عروضه المنبسطة ، في خطابه البصري المباشر هنا.
الطريق ليس واحداً في التفافاته، انتقالاً بين مسافات تتقاسم الطريق، مروراً بزوايا، منعطفات، نقاط ترابية، حًفَر، نقاط تفتيش.
السرد البصري: المرئي، كما قلت، لا يحتاج إلى داعم يترجم حقيقة الجاري بتاريخه القصير والعميق والطويل بأوجاعه، ونحن خروجٌ من الحسكة " المحافظة " ونحن خروجٌ أشدُّ وطأة بؤرية مشاهد الدمار والخراب المروّع " من دير الزور التي لا تكفيها آلاف مؤلفة من الصفحات لسرد المرئي من خراب المدينة، مدينة في ذاكرة فرانشكتاينية، والذهول المصاحب وراء كيفية استحالتها هكذا بأهوالها.
ونحن نقطع المسافة الفاصلة بين دير الزور وتدمر المدينة المحاطة بالصحراء، مسافة تصل إلى " 270 " كم، حيث مشهد الصحراء المترامي الأطراف، يعلِمك بعواصف الجغرافيا والتاريخ معاً، بمسارح عملية لحشود وجوه غير معروفة، مسلحة وفيها من شهوة القتل للآخر الكثير ومطاردة لها من جهات مختلفة: دولية، ومحلية ونظامية، والأرض لا تزال تعيش لغْميتها وحمّى متغيرات متعددة الأسماء، وهياكل العربات العسكرية، المصفحات، الدبابات المحروقة والمتناثرة وإطارات السيارات الممزقة على مد النظر، تُعلِم الناظر برعب هذا " الغول " الصحراوي، المرئي واللامرئي والرابض في المكان. ودائماً ثمة البيوت المتناثرة، القرى، وما أقلها، في تباعدها عن بعضها بعضاً، وخوائها كثيراً، تزيد يقين المكان الخرِب عمقَ مأساة.
وهكذا أبصرنا تدمر" لا بد أن زنوبيا تبكيها تنوح وتعول في الصميم "، وجوانب دمار فيها، والقلعة المنهوية، لنجد أنفسنا في حِمَى تتمة صحراء تستدعي تحفزاً ويقظة وتخوفاً، من خلال نقاط التفتيش، دون أن نتعرض لأي إزعاج في أي منها، إنما مما يمكن أن يحصل فجاة باعتراض ممن يخشى منه، وما يصعب التفكير لرعبه. حتى مرورنا بـ" أبو الشامات " والضِمير، ليجري " استقبالنا " بخراب مماثل لدير الزور على مشارف دمشق " دوما " كما لو أن هناك هندسة متقنة ونفّذت بدقة لامتناهية في تحول العمران إلى دمار وما تحت الأنقاض من أرواح ملفوظة أنفاسها وأسرار وسواها، وما يعنيه كل ذلك قبل الدخول، حيث الهامش اعتباراً يترجم عنف الداخل اقتداراً ، حتى دخولنا دمشق، حيث حركة الحياة، إنما لا يمكن الجزم على أنها الحياة التي كانت تعاش قبل الأحداث، إن وجوه الناس بسحنتها ذات الهيئة المرَضية أو المطعونة في روحها شاهدة ذلك.
ندخل دمشق وفي داخلنا تخوف مما عشناه، يضاف إلى ما كنا نعيشه، وإلى ما يمكن أن نعيشه دالياً. وفي ذلك قاسم مشترك .
أشير هنا إلى أدواء شتى، مترابطة وتتقاسم المكان وتاريخه، الناس وانتماءاتهم، الوجوه وعلاماتها اللونية وسواها. أدواء يصعب حصرها.
ندخل دمشق ولدينا عناوين لأطباء حجزنا الدور مسبقاً.كما لو أن المكان كله يشكو أمراضاً/ أدواء، ربما المرض الأكثر خفة ووطأة هو المسمى بالعضوي، لأنه من الممكن الحديث عنه، تشخيصه، اقتفاء حقيقته، بينما العِلل/ الأدواء الأخرى بمرجعيتها النفسية فصعبة جداً.
بفضل أهل الفضل الكرماء ممن ساعدونا في مراجعة أطباء مختصين ذوي خبرة تلمسنا بعضاً من الراحة، من جهة العائلة كان الدكتور والأستاذ الجامعي، وصاحب المكانة العلمية رجب مقصود، والمختص بالسكري والغدد الصم ناحية ساحة الشهبندر.. لقد كان دقيقاً في تشخيصه، جليّ التواضع، وهو يمطر العائلة بأسئلة لها صلة بمرضها الذي أضناها وأشقاها كثيراً.
بالمقابل كان الدكتور والأستاذ الجامعي وصاحب المكانة بدوره عمار وجيه الزين، أخصائي أمراض صدرية، في المزة، ساحة الشيخ سعد، لافتاً بلطفه وقدرته على سبْر الحالة التي أعيشها " ضيق التنفس " ومن جوانب مختلفة، ليكون لهذا التعامل النفسي تأثيره على عموم الجسد، وتوقع التحسّن وتجاوز هذه الحالة الآلمة والمؤلمة . وأشير هنا إلى جهود الطبيب الشاب صالح" اختصاص جراحة عصبية " ابن الصديق الدكتور " الجامعي " فرزند، اختصاص فلسفة، في تسهيل أمورنا في الجانب الطبي وغيره في المعاملات التي كانت تهمنا .
دمشق التي أمضينا فيها أياماً عدة، أرتْنا الكثير، وأخفت عنا الكثير " هي نفسها لا تستطيع التأكيد على أنها كمكان، وحتى كهوية اجتماعية، ثقافية، وسياسية.." قادرة على إبراز معالمه والنظر إلى الغد القريب جداً في ضوئه "، كما رأينا مشاهد عدة حول ذلك في حركات الناس، وجوههم، معاملاتهم مع بعضهم بعضاً، حيث فيها ما يشجّع على التفاءل، وما يضعفه في الجانب الآخر..
وخروجاً من دمشق، دون أن ندعها خارجاً، وهي لا يمكن أن تكون كذلك، وقد حملنا معنا من صورتها مكاناً وعلاقات، الكثير الكثير مما يطمئن ومما يقلق معاً، كما قلت.
ليكون الذي عشناه ورأيناه فيها شاغلاً لنا كثيراً.
وأشير إلى مظاهر لها صلة بالتدين، بالدين في هيئاته، في الكلمات المنطوقة، والهيئات ، تشغل النفوس والرؤوس.
ومثالاً علا ذلك ما لاحظته من عبارة مكتوبة بخط اليد العريض، وضمن مسافات متباينة بين تدمر ودير الزور، ومعها تحديد المسافة:دير الزور" 160 كم " وأعلاها عبارة " لا حول ولا قوة إلا بالله "، دير الزور " 100" وأعلاها عبارة " صل على النبي "،دير الزور " 60 كم " وأعلاها عبارة حمداً لله، دير الزور " 40 كم " وأعلاها عبارة سبحان الله.. هناك عبارات أخرى بأيد ، وبخط عريض، مثل: سوا نعمّرها مع " دير الزور " 75 كم "، و" دير الزور الأبية " و" فندق بادية الشام يرحب بكم " عند الاقتراب من عاصمة الصحراء..
واللافت والمنبني على رعب وعنف، هو في رؤية مجمع نفايات الدبابات والمصفحات والمدافع التي أصبحت خردة، قبل دخول المدينة جهة اليمين، إنها ساحة مكشوفة تتراكم هذه القطع فوق بعضها بعضاً، كما لو أنها تسمِع الناظر ما حصل وتبعاتها النفسية، وأنها تشد الناظر إليها ليعيش مضاعفات الحالة تالياً.
هذه المشاهد مجتمعة تبقي اليقين عالقاً في فراغ لا يعدُ الناظر عن قرب خاصة، بأي طمأنينة، رغم أن الناس يعيشون حياتهم اليومية، إنما ليس هناك من يمكنه التجرد من تخوفات مكانية، من القطع بيقين أنه مصالِح مع نفسه سكَينة وطمأنينة ووعد منتظر بالآتي .
لا طبيب هنا يصلح لمكاشفة حالات كهذه، لأنها تعني أصحابها، أهليها، والمعنيين بها في ضوء انفجارات سالفة ونافذة الأثر إلى الأبعد.
ونحن انتماءٌ إلى هذه الحالة/ الظاهرة، وداخلنا القلق والمعزّز لكل ذلك .
ونحن نعبر هذه المدن، نقطع هذه المسافات، نتفاعل مع أهل المكان بألسنتهم المختلفة، وتنوع طباعهم، هنا وهناك، حتى ونحن في قامشلو/ قامشلي، قامشلوكي، بالهواء الذي يشكو هو الآخر اسمه ومسماه في كربونه وخلافه حتى المدينة وخارجها، ونخرج منها وهي تنبض داخلنا بوجوه أهلها، ومن التقيناهم، ومن تحدثنا إليها، كان ثمة شيء ما يسمّي وجع المكان، حتى وصولنا إلى حيث نقيم في دهوك.
لا أعدِم الأمل هنا، وهو بنوع من التجاهل لتحديات الجاري وأفق الآتي، تعبيراً عن أن بعضاً من التفاؤل لا بد منه، لتكون هناك قابلية ممكنة لتخفيف الألم الجسمي ذي الصلة بالمرض، والألم النفسي المتشعب، ذي الصلة بمحصّلات الأحداث وذيولها، وحيث النظر يمتد ويمتد تعبيراً عن مأثرة المكان ودلالته، إلى طريق دمشق، وما ما تردد حوله وباسمه بصيغ شتى.
شكراً لكل الذين خففوا عنا مخاوف الطريق ومعاناة المسافات المتقطعة، واحتضنونا أهلاً ومعارف وأصدقاء، لنكون أكثر عافية، أكثر قدرة على الحياة . لا بأس ببعض الوهْم، طالما أنه يفلتر الروح بما يفيد ولو قليلاً!