هل عند ابن خلدون منهج نفسي؟
د. محمد عبدالله القواسمة
لا شك أن ابن خلدون (732هـ-808هـ/1332-1406م) من أشهر علماء العرب والمسلمين في علم التاريخ والاجتماع والاقتصاد العمراني والفلسفة، له مؤلفات كثيرة من أهمها "كتاب العِبَر، وديوان المُبتدأ والخَبَر، في أيام العَرَب والعَجَم والبَربَر، ومَن عاصَرَهُم من ذَوي السُّلطان الأكبر" وهو المعروف بـ" تاريخ ابن خَلدون" بمقدمته التي هي كتاب بذاتها وعرفت بـ" مقدِّمة ابن خَلدون"
لم يوصف ابن خلدون بأنه عالم في النفس الإنسانية، وأنه صاحب منهج نفسي. ربما اختلط الأمر على بعض الباحثين بأنه ذو منهج نفسي من خلال حديثه عن عوامل الانحطاط والنهوض في العمران البشري، والحديث عن مناهج التعليم وطرائقه، وبخاصة في مرحلة الطفولة، ويرون في ذلك علاقة بعلم النفس التربوي.
الحقيقة (كما أرى) أن ابن خلدون لم يكن صاحب منهج في علم النفس، فما قدمه في هذا الجانب لا يشكل بحثًا خاصًا، أو نظرية متكاملة في النفس الإنسانية، كما رأيناه في التاريخ أو الاجتماع البشري. فما قدمه ليس غير أفكار وآراء في النفس الإنسانية، متفرقة ومتناثرة في مقدمته، وفي مناسبات مختلفة، يضاف إليها بعض الملاحظات القيِّمة في الحوادث النفسية، التي توصل إليها بعبقريته الفذة، وحسه المرهف.
من هذه الأفكار والآراء النفسية أن الإنسان عند ابن خلدون مركَّب من جزءين: جسم، وروح. والجزء الروحاني الذي يسمى النفس مسؤول عن الادراك، يدرك مدارك ذاتية روحانية بذاته دون وساطة، ومدارك جسمانية، يدركها بالدماغ والحواس. والأهم من بين هذين الجزءين هو النفس، وهي للجسد مدبرة وفيه فاعلة، وحين تغادره يموت؛ فمن دونها لا يقدر الجسد على الحركة.
ويتحدث ابن خلدون في موضع من مقدمته عن القوة المدركة والمحركة والمفكرة، وفي موضع آخر يذكر النفس المدركة، والنفس الفاعلة، والنفس الناطقة، ويطلق على القوة المحركة والفاعلة اسم الفاعلية، وعلى القوة المفكرة اسم الناطقية، وعنده أن آثار الفاعلية تظهر بالمشي بالرجل، والبطش باليد، والكلام باللسان، والحركة الكلية بالبدن.
ويعرف ابن خلدون الإدراك بأنه شعور الإنسان في ذاته بما هو خارج عن ذاته. وهو نوعان: إدراك بالظاهر، وإدراك بالباطن. الأول يتم بواسطة الحواس، والثاني بواسطة القوى الدماغية.
ويرى ابن خلدون أن الإنسان يتميز عن الحيوانات بالفكر، وشاركته الحيوانات في حيوانيته من الحس، والحركة، والغذاء، والسكن وغير ذلك، وبالفكر اهتدى لتحصيل قوته، والتعاون مع غيره، والإيمان بما أنزله الله تعالى، والعمل به، وهو لا يتوقف عن الفكر الذي عنه تنشأ العلوم والصنائع. والفكر الإنساني على ثلاث مراتب؛ لكل كل مرتبة نوع خاص من العقل: العقل التمييزي، الذي يدرك الأشياء لجلب منافعها ودفع مضارها. والعقل التجريبي الذي يميِّز الصالح من الفاسد في المعاملات بين الناس، ويقرر ما عليه فعله إزاء ذلك. والعقل النظري الذي به تتم الحقيقة الإنسانية.
أما الملاحظات النفسية القيمة فمنها أن النفس تبتهج من الإدراك، مثلما يحدث للطفل بما يراه من الضوء، أو يسمع من صوت. ومنها أن النفس تتأثر في الحكم بما يسميه ابن خلدون التشيع أي التعصب للرأي؛ فالنفس تميل إلى ما يوافقها إلا إذا كانت بعيدة.
ومن هذه الملاحظات تأثير الحالة النفسية في الأفعال، أو ما يسميه علماء النفس الإيحاء الذاتي، ويضرب على ذلك مثلًا بالماشي على حائط أو حبل؛ فإذا توهُّم السقوط سقط؛ لذلك عليه أن يبعد عن نفسه هذا الوهم قبل أن يدخل التجربة. ولا ينسى ابن خلدون أن يتكلم في فصل السحر والطلسمات على تأثير الإيحاء الخارجي عند حديثه عن المشعوذين، وتأثيرهم في القوى المتخيلة.
ومن ملاحظاته ربط العمل بالفكر، فتوجد علاقة قوية بينهما، فيرى أن الفعل تسبقه تصورات، ولا وجود للصنائع دون الفكر؛ "لأنها ثمرته وتابعة له". كما يرى أن النفس إذا أَلِفَتْ بعض الأحوال صار ذلك من جبلتها وطبيعتها.
وتمتد ملاحظات ابن خلدون النفسية في عدة فصول إلى الجماعات البشرية، ولا تقتصر على الأفراد وحدهم، ويعلل أحوالهم بوجود نزعات نفسية كما في أقواله:" الظلم مؤذن بخراب العمران" وقوله: "المغلوب مولَع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"
وكذلك في أقواله: "البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر، وأقرب إلى الشجاعة منهم" وأن "الملك والدولة العامة إنما يحصلان بالقبيل والعصبية"
في النهاية ما نريد قوله: إن الآراء والأفكار والملاحظات التي عرضها ابن خلدون في ثنايا مقدمته حول النفس الإنسانية لا ترقى إلى أن تكون نظرية متكاملة مستقلة في علم النفس، أو منهجًا نفسيًا واضح المعالم. إنما هي مجموعة من المقولات التي تتماشى مع الفكر الإسلامي في عصره الذي كان متأثرًا بالفلسفة اليونانية، وبخاصة آراء أفلاطون ونظرية المعلم الأول أرسطو في النفس. ولا ننكر وجود فروقات أساسية بين ابن خلدون وبين غيره من خلال التزامه بالتصور الديني الإسلامي للنفس والجسد، ونزوعه الروحاني في اعتقاده باستقلال الروح عن الجسد، وربط الجانب النفسي بما يطرأ على البيئة الاجتماعية من تغيرات، في السلوك، والعادات والتقاليد، والتربية والتعليم.
د. محمد عبدالله القواسمة
لا شك أن ابن خلدون (732هـ-808هـ/1332-1406م) من أشهر علماء العرب والمسلمين في علم التاريخ والاجتماع والاقتصاد العمراني والفلسفة، له مؤلفات كثيرة من أهمها "كتاب العِبَر، وديوان المُبتدأ والخَبَر، في أيام العَرَب والعَجَم والبَربَر، ومَن عاصَرَهُم من ذَوي السُّلطان الأكبر" وهو المعروف بـ" تاريخ ابن خَلدون" بمقدمته التي هي كتاب بذاتها وعرفت بـ" مقدِّمة ابن خَلدون"
لم يوصف ابن خلدون بأنه عالم في النفس الإنسانية، وأنه صاحب منهج نفسي. ربما اختلط الأمر على بعض الباحثين بأنه ذو منهج نفسي من خلال حديثه عن عوامل الانحطاط والنهوض في العمران البشري، والحديث عن مناهج التعليم وطرائقه، وبخاصة في مرحلة الطفولة، ويرون في ذلك علاقة بعلم النفس التربوي.
الحقيقة (كما أرى) أن ابن خلدون لم يكن صاحب منهج في علم النفس، فما قدمه في هذا الجانب لا يشكل بحثًا خاصًا، أو نظرية متكاملة في النفس الإنسانية، كما رأيناه في التاريخ أو الاجتماع البشري. فما قدمه ليس غير أفكار وآراء في النفس الإنسانية، متفرقة ومتناثرة في مقدمته، وفي مناسبات مختلفة، يضاف إليها بعض الملاحظات القيِّمة في الحوادث النفسية، التي توصل إليها بعبقريته الفذة، وحسه المرهف.
من هذه الأفكار والآراء النفسية أن الإنسان عند ابن خلدون مركَّب من جزءين: جسم، وروح. والجزء الروحاني الذي يسمى النفس مسؤول عن الادراك، يدرك مدارك ذاتية روحانية بذاته دون وساطة، ومدارك جسمانية، يدركها بالدماغ والحواس. والأهم من بين هذين الجزءين هو النفس، وهي للجسد مدبرة وفيه فاعلة، وحين تغادره يموت؛ فمن دونها لا يقدر الجسد على الحركة.
ويتحدث ابن خلدون في موضع من مقدمته عن القوة المدركة والمحركة والمفكرة، وفي موضع آخر يذكر النفس المدركة، والنفس الفاعلة، والنفس الناطقة، ويطلق على القوة المحركة والفاعلة اسم الفاعلية، وعلى القوة المفكرة اسم الناطقية، وعنده أن آثار الفاعلية تظهر بالمشي بالرجل، والبطش باليد، والكلام باللسان، والحركة الكلية بالبدن.
ويعرف ابن خلدون الإدراك بأنه شعور الإنسان في ذاته بما هو خارج عن ذاته. وهو نوعان: إدراك بالظاهر، وإدراك بالباطن. الأول يتم بواسطة الحواس، والثاني بواسطة القوى الدماغية.
ويرى ابن خلدون أن الإنسان يتميز عن الحيوانات بالفكر، وشاركته الحيوانات في حيوانيته من الحس، والحركة، والغذاء، والسكن وغير ذلك، وبالفكر اهتدى لتحصيل قوته، والتعاون مع غيره، والإيمان بما أنزله الله تعالى، والعمل به، وهو لا يتوقف عن الفكر الذي عنه تنشأ العلوم والصنائع. والفكر الإنساني على ثلاث مراتب؛ لكل كل مرتبة نوع خاص من العقل: العقل التمييزي، الذي يدرك الأشياء لجلب منافعها ودفع مضارها. والعقل التجريبي الذي يميِّز الصالح من الفاسد في المعاملات بين الناس، ويقرر ما عليه فعله إزاء ذلك. والعقل النظري الذي به تتم الحقيقة الإنسانية.
أما الملاحظات النفسية القيمة فمنها أن النفس تبتهج من الإدراك، مثلما يحدث للطفل بما يراه من الضوء، أو يسمع من صوت. ومنها أن النفس تتأثر في الحكم بما يسميه ابن خلدون التشيع أي التعصب للرأي؛ فالنفس تميل إلى ما يوافقها إلا إذا كانت بعيدة.
ومن هذه الملاحظات تأثير الحالة النفسية في الأفعال، أو ما يسميه علماء النفس الإيحاء الذاتي، ويضرب على ذلك مثلًا بالماشي على حائط أو حبل؛ فإذا توهُّم السقوط سقط؛ لذلك عليه أن يبعد عن نفسه هذا الوهم قبل أن يدخل التجربة. ولا ينسى ابن خلدون أن يتكلم في فصل السحر والطلسمات على تأثير الإيحاء الخارجي عند حديثه عن المشعوذين، وتأثيرهم في القوى المتخيلة.
ومن ملاحظاته ربط العمل بالفكر، فتوجد علاقة قوية بينهما، فيرى أن الفعل تسبقه تصورات، ولا وجود للصنائع دون الفكر؛ "لأنها ثمرته وتابعة له". كما يرى أن النفس إذا أَلِفَتْ بعض الأحوال صار ذلك من جبلتها وطبيعتها.
وتمتد ملاحظات ابن خلدون النفسية في عدة فصول إلى الجماعات البشرية، ولا تقتصر على الأفراد وحدهم، ويعلل أحوالهم بوجود نزعات نفسية كما في أقواله:" الظلم مؤذن بخراب العمران" وقوله: "المغلوب مولَع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"
وكذلك في أقواله: "البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر، وأقرب إلى الشجاعة منهم" وأن "الملك والدولة العامة إنما يحصلان بالقبيل والعصبية"
في النهاية ما نريد قوله: إن الآراء والأفكار والملاحظات التي عرضها ابن خلدون في ثنايا مقدمته حول النفس الإنسانية لا ترقى إلى أن تكون نظرية متكاملة مستقلة في علم النفس، أو منهجًا نفسيًا واضح المعالم. إنما هي مجموعة من المقولات التي تتماشى مع الفكر الإسلامي في عصره الذي كان متأثرًا بالفلسفة اليونانية، وبخاصة آراء أفلاطون ونظرية المعلم الأول أرسطو في النفس. ولا ننكر وجود فروقات أساسية بين ابن خلدون وبين غيره من خلال التزامه بالتصور الديني الإسلامي للنفس والجسد، ونزوعه الروحاني في اعتقاده باستقلال الروح عن الجسد، وربط الجانب النفسي بما يطرأ على البيئة الاجتماعية من تغيرات، في السلوك، والعادات والتقاليد، والتربية والتعليم.