معاذ أبوالقاسم - بداية تمرُّد الروايات

قبل عدة أيام انتهيتُ من كتابة رواية جديدة، وتفاجأتُ بالنهاية التي لا أذكر أنني كتبتها، لأن ذاكرتي تحفظ جيداً تفاصيل مختلفة تماماً عن التي بين يدي الآن.
في العادة، أكتب -كما يفعل جميع الكُتاب- المسودة الأولى للعمل، ثم بعد ذلك أعيد كتابة المسودة الأولى من جديد في مسودة ثانية، وإن لم يكن التعديل مُرضياً فإنني أنتقل إلى مسودة ثالثة... وهكذا إلى أن أرضى عن العمل ويُصبح جاهزاً للنشر.

حسناً، في الرواية الأخيرة عندما وصلتُ إلى النهاية الموجودة في المسودة الأولى كي أقوم بتحريرها ونقلها إلى المسودة الثانية وجدتُ نهاية مُختلفة تماماً عن التي كتبتها.
ارتبكتُ، ولم أعرف ماذا عليّ أن أفعل. هل أعيد كتابة النهاية التي تحفظها ذاكرتي؟ لا أستطيع، لأنها لن تكون مثل التي كتبتها سابقاً، حتماً سوف تكون متغيرة، وسوف تُضاف إليها تفاصيل جديدة غير تلك التي كانت في المسودة الأولى -أو التي تخيلتُ أنها موجودة-.

واصلتُ تحرير المسودة الأولى بالنهاية الجديدة التي لا أعرف من أين جاءت، لكن عندما وضعتها على المسودة الثانية، وأعدتُ قراءتها لم تعجبني، هذه النهاية غير مناسبة، لا أريد إنهاء الرواية بهذه الطريقة.
لكن كيف أسترجع النهاية الأولى التي تطن في ذاكرتي؟ أغلقتُ ملف المسودة الثانية، وفتحتُ ملف جديد أحاول أن أسترجع فيه النهاية التي تحفظها ذاكرتي، ولأكون أكثر دقة فإن ذاكرتي تحفظ الخطوط العريضة فقط ولا تعرف التفاصيل.

الشيء المرعب والذي لم أستطع فهمه هو عندما فتحتُ الملف، وقربتُ أصابعي من الكيبورد لكي أكتب ما أحفظ نسيتُ كل شيء، النهاية التي كانتْ قبل قليل تحوم داخل ذاكرتي اختفت. استغربتُ الأمر، ضحكتُ على سخافته، حتماً يوجد شيء خطأ! لكن عندما أغلقتُ الملف تذكرتُ النهاية، بل هذه المرة اتضحتْ لي بعض التفاصيل التي كنتُ قد نسيتها. فتحتُ الملف، فاختفى كل شيء.

لا أعلم ما الذي يحدث معي، هل هي نوبة مؤقتة أمر بها؟ أم أن الأمر خطير ويجب أن آخذه على محمل الجد؟ يحدث كثيراً أن ينسى الفرد شيئاً ما، لكن أن يرتبط نسيانه بشيء معين: فتح ملف وورد مثلاً، فهذا شيء جديد لم آلفه قبل الآن.
والسؤال الذي يلح عليّ أكثر من موضوع النسيان هذا هو: من الذي قام باستبدال النهاية التي وضعتها للرواية؟ ولماذا فعل ذلك؟
هل... هل يُمكن أن تكون الرواية نفسها هي التي فعلت ذلك؟ وأنها ترفض النهاية التي كتبتها لذلك قامتْ باستبدالها بأخرى تراها الرواية مُناسبة لكي تنهي بها نفسها. هذا الافتراض الأخير أقرب للتصديق من غيره، وإلا لماذا يا تُرى أتذكر النهاية عندما أغلق ملف الوورد، وأنساها عندما أفتحه؟

الآن أيها القارئ ربما تتساءل مثلي: هل هذه الرواية تتخذ نمطاً جديداً غير معهود؟ نمط لم نصل إليه كـ بشر بعد ولم نألفه، ألا وهو أن تُحرر الروايات نفسها، وتستبدل الأحداث بالطريقة التي تراها مناسبة لها، بعيداً عن رأي الكاتب وقناعاته.
بهذا الافتراض الأخير إذن هذه الرواية تتمرد على خالِقها، أوليس الكاتب خالقاً؟ وهذا يقودنا إلى سؤال آخر: هل تمرَّد البشر على خالِقهم قبل الآن؟ هل كفروا به وأنكروا وجوده، وأوجدوا لأنفسهم حِججاً مختلفة للطريقة التي خُلِقوا بها، طريقة يراها البشر مناسبة لهم؟
لقد فعل البشر هذا التصرف قبل الآن، وأعتقد أنه حان الوقت للروايات كي تتمرد على كاتبها، بداية هذا التمرد هو هذه الرواية التي ترفض النهاية التي كتبتها لها، وتصر على نهاية أخرى تراها مناسبة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى