طارق حنفي - اللَّهُ الصَّمَدُ...

ورد أن جماعة من المشركين أو اليهود أتوا سيدنا محمد -صلى
الله عليه وسلم- وسألوه أن يصف لهم ربه، وأن يذكر لهم نسبه؛ فأنزل الله سورة الإخلاص، تنفي عن الله سبحانه أن يكون له إبن أو أب أو ند أو شريك، فيها من الإيجاز والإعجاز واليسر وسهولة الحفظ، ولها مكانتها بين سور القرآن جميعا؛ فهي تعدل في الثواب ثلث القرآن، كما تدخل محبيها الجنة.

لكن لماذا وسط كلام الله -سبحانه- عن وحدانيته وتفرده،
يذكر اسمه الصمد دون باقي أسمائه الحسني؟
وهي المرة الوحيدة التي يُذكر فيها هذا الاسم في القرآن!

قالوا في معنى الصمد:
الكامل في جميع صفاته وأفعاله.
وقيل: هو السيد المقصود في الحوائج.
وهو المقصود إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب.
وقالوا أن المعنى الجامع للصمد هو: الكامل في صفاته الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته.

ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله في كتاب الفتاوى أن معنى الصمد:
هو المقصود في كل الحوائج، بيده الخير كله، يستطيع أن
يعطي كل ذي حاجة حاجته، دون أن ينقص ذلك مما عنده
شيء، وهو في قوته لا يستعصي عليه أحد مهما بلغ جاهه أو سلطانه..
ولذلك فإننا يجب ألا نخاف الدنيا كلها، وطالما نحن مع الله،
وما دمنا على الحق.

والله أعلم نقول:
لما سألوا عن نسب الله -سبحانه-، والإنسان يذكر نسبه لفلان
من علية القوم للتشريف، فقد نسب الله نفسه إلى ذاته، وهو منتهى العزة والتشريف..
فهو الأحد الذي ليس كمثله شيء، وهو الواحد الذي ليس له
شريك، هو الموجود بذاته، والباقي مخلوقاته..
له الكمال في جميع صفاته، ولذلك تلجأ إليه المخلوقات
المحتاجة بذواتها، ليعطيها بكرمه ويجبر نواقصهم كلّ حسب حاجته، فهناك من يطلب رفع ظلم، وهناك طالب علم، وطالب ذرية، أو طالب حمى، وطالب رفع الهم، إلى آخره..
هو -سبحانه- الملاذ والملجأ الأزلي الموجود والباقي إلى الأبد..

ولكي يكون الملجأ مطلوب، لابد أن يكون آمن، وأن يملك ما يعطيه للاجئين إليه، والأهم هو أن يكون أهل للثقة؛ حتى يلجأ
إليه المضطر وهو واثق في كرمه وعدله وحكمه وحكمته، ملجأ
لا ينظر إلى لونه ولا ملبسه، لا ينظر إلى حسبه ونسبه، ملجأ
ثابت على الحق متين لا يعرف عنه الهوى والميل؛ فيخبر عن نفسه بأنه:
لم يصطفي إبنا ويتبناه، ولم يلد ولدا فيميل إليه ويهواه، فهو سبحانه (لم يلد) لمن يقول أن (الإله له ولد)..
ليس له أب ينتظر إذنه ليعطي أحد ما، ولا يأتمر بأمره فيعجل
أو يؤجل أو يمنع عن آخر، فهو سبحانه (لم يولد) لمن يقول أن (الإله له والد)..
ليس له مثيل ولا نظير، ليس هناك موجود بذاته سواه، ليس
هناك من يملك كمال الصفات إياه، ليس هناك من يملك جميع الخزائن إلا هو..
لم ولن يوجد من ينازعه في عطاياه، أو يأخذ من خزائنه
وينقصها، فهو سبحانه ليس له (كفوا أحد) لمن يقول أن (الإله له شريك).

أدخل الله صمديته ليصف بها وحدانيته حتى لا يظن السامع
أن ذلك الإله الذي ليس كمثله شيء هو إله غريب وبعيد، يصعب الطلب منه أو تصعب عبادته، ذكرها الله لبث الراحة والثقة والطمأنينة في النفوس، وذلك بعد زمان من محاولات البشر تقريب فكرة الإله لتلائم عقولهم وأفهامهم وأهوائهم وحوائجهم؛ فجعلوا الإله صنما أو إنسانا أو طيرا وحيوانا..
عرف نفسه سبحانه، ولخص مفهوم الوحدانية، وخلصه من الشوائب والمغالطات التي تؤدي إلى الشرك، وأخلص لنفسه
وحده الصمدية..
والمخلص من عباده هو من يؤمن بأن كل شيء بيده -سبحانه-، وأن اللجوء والحمى يكون إليه، وأن الطلب لا يكون إلا منه، فهي
سورة الإخلاص وفيها مفهوم الخلاص.

وصل اللهم وسلم وبارك على من شرح معنى الإخلاص بلسان عربي مبين حين قال ( عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ألا أعلمك كلمات تقولها إذا أويت إلى فراشك فإن مت من ليلتك مت على الفطرة وإن أصبحت أصبحت وقد أصبت خيرا، تقول اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك رغبة ورهبة إليك وألجأت ظهري إليك
لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت)
#طارق_حنفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى