معاذ أبوالقاسم - كيف ترانا الكائنات الأخرى؟

في الزقاق الذي يؤدي إلى بيتنا يوجد مجنون، دائماً أجده يقف خارج باب غرفته يحمل جهاز آيباد دون أن ينظر إليه، وأحايين كثيرة أجده يقف وسط الشارع يتكئ بيده على خصره ويتأمل المباني حوله، أو المارة الذين يعبرون قُربه. كلما اقتربتُ منه يتملكني فضول أن أعرف فيما يفكر، أتساءل بكل جدية: تُرى فيما يُفكر؟ وأتمنى لو أنني أستطيع الولوج إلى عقله والنظر إلى الحياة من حولي بعيونه.

هذا الفضول الذي ينتابني كلما رأيتُ المجنون جذوره قديمة، أذكر أنني عندما كنتُ صغيراً كنتُ أذهب إلى المشاريع القريبة من قريتي بحثاً عن بيوت النمل، وما أن أجدها حتى أجلس قُربها أتأمل حركته الدؤوبة، وأتساءل: لماذا لا أستطيع التحول إلى نملة؟ أريد أن أرى كيف يبدو بيتُ النمل من الداخل، أريد أعيش لفترة محدودة كوني نملة. لاحقاً بعد عدة سنوات، عندما عرفتُ أن هناك قناة تُسمى ناشونال جيوغرافيك رأيتُ عبرها كيف يبدو بيت النمل من الداخل. لكن قبل أن تتوفر هذه التقنيات كنتُ أجلس لساعات طوال أنظر إلى النمل أُحاول أن أُسقط وعيي عليه، وكل ما كنتُ أتمناه وقتها أن أتمكن من الدخول إلى رأس النملة كي أرى العالم عبر عيونها وفهمها.

أحياناً أتساءل: ماذا لو كنتُ أنا المجنون، وليس ذلك الرجل الذي أجده دائماً يقف في الزقاق المؤدي إلى بيتنا؟ وما يدعوني إلى تصديق هذا الادعاء هو هذه النظرة الغريبة إلى العالم من حولي، فأنا عادة لا تثيرني أو تلفتْ انتباهي الأشياء التي تثير الآخرين وتلفتْ انتباههم. ما أتساءل عنه وأُفكر فيه بجدية يعده البعض مُجرد سخافات، وما يراه الآخرون شيئاً جِـدياً أراه مجرد سخافة.
أوليس توصيفنا للجنون هو: نظرة الشخص إلى الأشياء بطريقة مُختلفة عنا؟ طريقة لا نألفها ونعدها نوعاً من العبط، أو الـ جنون؟ فلو كان هذا الشخص يمشي مثلنا، ينظر إلى الأشياء من حوله مثلنا، يخاف مما نخاف، ويضحك على الأشياء التي تُضحكنا... لما عددناه مجنوناً، أليس كذلك؟
حسناً، ماذا لو كان الأشخاص -دعونا نطلق عليهم مصطلح عاديين- هم في الحقيقة مجانين في نظر من نُطلق عليهم: مجانين. أوليست طريقة تفكيرنا تختلف عنهم؟ وحتى مشيتنا على الأرض تختلف عنهم، ألا يرون هم بدورهم أننا مجانين؟ بما أننا نراهم كذلك؟

هذا الاستنتاج جعلني أتساءل بطريقة أكثر تعقيداً: النمل الذي كنتُ أجلس بالساعات الطوال قُرب بيته مُحاولاً تغمُّص وعيه، ألا يراني مجنوناً؟ فأنا أختلف عنه في كلِّ شيء: الهيئة، الملابس التي أرتديها، طريقة التفكير ونظرتي للحياة، طريقة المشي على الأرض... ولو عَلِمَ نيتي من الجلوس قُرب بيته لضحك حد الثمالة وقال ساخراً: من هذا الأهبل! من أين أتى؟ وهل البشر أغبياء لهذه الدرجة؟

هل تساءل أحدكم قبل الآن بشأن هذا الأمر؟ كيف ترانا الكائنات الأخرى؟ وكيف يرانا المجانين؟

الآن، بعدما رأيتم طريقة تفكيري، ونظرتي للأشياء من حولي، هل تعدونني من المجانين؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى