مقدمة: متاهةٌ من المرايا والظلال
في "ظلال الينابيع"، لا يسير القارئ في حقول القصة القصيرة المألوفة، بل يجد نفسه في متاهةٍ معمارها من الومضات، ومراياها تعكس أسئلةً أكثر من إجابات. هذه المجموعة ليست مجرد سردٍ للأحداث، وإنما هي تفكيكٌ مدروسٌ لمفهوم "الحكاية" نفسه. يُقدّم الكاتب هنا نصوصًا قصيرة جدًا، كأنها "قصائد نثرية" تتخفى في ثياب السرد، تراهن على الصورة والمفارقة، وتترك الفضاء شاسعًا لتأويل القارئ.
إنها دعوةٌ لرحلةٍ لا تخلو من القلق، حيث تتلاشى الحدود بين المؤلف وشخصياته، وبين الواقع والحلم، بل وبين القصة وفراغها. هذه النصوص تُدرك أن الحقيقة غالبًا ما تكون في ما لا يُقال، وأن الصدمة الجمالية لا تكمن في الحكي المباشر، بل في تلك اللحظة التي تتكثف فيها الفكرة وتنفجر في وجدان القارئ.
الموت والتحول: تحطيم اليقين
تُعدّ فكرة الموت والتحول من أبرز الخيوط التي تنسج هذه المجموعة، ولكن ليس الموت بمعناه التقليدي. في قصة "موت المؤلف"، نجد مفارقة حادة: المؤلف يموت دهسًا بسيارته، لكن الحكاية "تنهار معمارها"، لتُجمع شظاياها من قبل "الناس". هنا، يقلب الكاتب المعادلة، فبدلًا من أن يموت المؤلف لتعيش القصة، تموت الحكاية بموت كاتبها، وتصبح شظاياها قاسية "جارحة"، كأنها ترفض أن تُعاد صياغتها على يد أي أحد آخر. هذا النص يُذكّرنا بأطروحات "رولان بارت" حول موت المؤلف، لكنه يعكسها ليُظهر كيف أن موت المبدع قد يُميت نصه، ليصبح مجرد ذكرى مؤلمة بدلاً من أن يتحول إلى خالدٍ.
وفي قصة "شمع"، نرى تحولًا مختلفًا. البطل الذي يُعطى "السيف" ويُقال له "أنت بطل!"، يكتشف أن البطولة التي مُنحت له مزيفة. هو يذوب كالشمع، وكل ما يحيط به من "جثث" و"انتقام" ليس إلا وهمًا. هذا النص يُشير إلى هشاشة البطولة المصطنعة، وكيف أن الألقاب التي تُمنح تحت الضغط أو في سياق العنف لا تصنع بطلًا، بل مجرد أثر زائلٍ.
الوعي والمرآة: مواجهة الذات
تتكرر في المجموعة فكرة مواجهة الذات عبر رموز متعددة، أبرزها المرآة. في قصة "خفوت"، لا تعكس المرآة وجه الشخصية، بل "أعماقًا لا أستطيع فهمها". هنا، تصبح المرآة أداة لاستكشاف الذات المجهولة، حيث يمر الجسد "عبر الصورة، ليمسك بالفراغ". هذا الفراغ هو الهوية المفقودة، أو "اللاشيء" الذي يكتشفه الفرد عن نفسه بعد محاولة العبث بهويته.
وفي قصة "انكسارات"، تكسر الشخصية مرآتها لأنها لا تُعجبها صورتها، لتجد أن "الشظايا بعدد سنين عمري". هذا النص ليس مجرد رفض للصورة الخارجية، بل هو رفضٌ للذات التي تكونت على مرّ السنين. كل شظية تمثل عامًا من العمر، وكل كسرٍ هو اعترافٌ بمرارة التجارب التي صنعت هذه الذات المرفوضة.
اللغة والوجود: البحث عن المعنى
لا تكتفي القصص بمعالجة الأفكار، بل تنخرط في مساءلة اللغة نفسها. ففي قصة "بضاعة مزجاة"، يربط البطل بين طيران الطائر والخير أو الشؤم، لكنه في النهاية يقرر أن يبيع الطائر "للشؤم". هنا، يُفرغ الكاتب رمزية الطائر من معناها المعتاد، ويسخر من فكرة التفاؤل والتشاؤم، ليؤكد أن المعنى الحقيقي لا يكمن في الطائر، بل في الفعل البشري نفسه، الذي يقرر أن يبيع حتى الأمل.
أما في قصة "هامش على مخطوطة مجهولة"، فنحن أمام نصّ يتجاوز حدود القصة ليصبح تعليقًا عليها. الشاب الذي يعجز عن الكتابة، يرى شيخًا يمزّق أوراقه في الجهة المقابلة. التعليق الهامشي يُشير إلى أن "ربما لم تكن هناك سوى مرآة، وزمن ينحني على نفسه"، مما يجعل القصة نفسها مجرد مرآة تعكس فكرة العجز الأبدي عن الخلق.
إن "ظلال الينابيع" هي مجموعةٌ جريئةٌ في طرحها وشكلها، تدعو القارئ إلى التحرر من القوالب المعتادة، وإلى الغوص في أعماق النصوص لاكتشاف معانٍيها المضمرة. هي رحلةٌ إلى الجانب الآخر من الحكاية، حيث ينبثق المعنى من الرماد، ويُولد النور من الظل.
**
ظلال الينابيع:
**
زيف
في أعماق الصحراء، حيث تتلاشى حدود الزمان والمكان، يعيش رجل عجوز ذو قوى سحرية غريبة يقرأ يوميًا في كتاب عتيق، يفتح بيته لكل من يمر به، يشاركه الطعام والشراب، كلما قدم شيئًا للآخرين، زادت قوته وسحره حتى صار عملاقًا يحلم ببسط نفوذه على العالم، يحقق به وعد الرب.. بيد أن الأرضة كانت قد أكلت الكثير من الحروف..
فك
دخل الرجل إلى النفق، محملًا بمشاعر القلق والتوتر. بدت جدرانه المظلمة كأنها تحمل أسرار العالم. كلما تقدم، أدرك أن النفق لا نهاية له، وأنه لا يهرب من شيء، بل يهرب نحو المجهول الذي يسكن داخله. عندما وصل إلى "نهاية" النفق، وجد نفسه في البداية نفسها. فهم حينها سر الحكمة..
خفوت
في مرآة الحمام الباهتة، أرى عينين غريبتين تتألقان كجوهرتين سوداوين. عينان لا تعكسان صورة وجهي، بل تعكسان أعماقًا لا أستطيع فهمها. أشعر بقشعريرة تجري في عروقي، وكأنني أقف على حافة هاوية. أمد يدي لألمس انعكاسي، لكن يدي تمر عبر الصورة، لتمسك بفراغي.
نار خابية
انفطر قلبي وأنا أراه ينكل بهم تنكيلًا.. وماذا فعلت لإيقاف التعذيب؟ نظرت إلى الجهة المعاكسة محوقلًا، وشغلت أضعف الإيمان. قذفها في عين الشمس، رافضًا رضاعة الحليب. أراد اللحم. كبر سريعًا... صارت له أنياب قاطعة تمزق الحديد.
لمع
توقف المصعد في الطابق التاسع.. فجأة. كان وحده. لكن الجثة لم تكن. كانت هناك، مُعلّقة بين الزرّين: 7 و9. لم يصرخ. فقط مدّ إصبعه ليلمس العَرَق المتجمّد على جبينها. – أنا آسف، لم أكن أقصد أن أسبقك إلى الوظيفة. المصعد عاد فجأةً إلى الحركة. في الأسفل، كانت اللجنة تنتظره بابتسامات مرطّبة. لكن المقعد الوحيد كان دافئًا.
كابوس
استيقظ الكاتب مذعورًا. كانت شخصياته تحيط بسريره، تقرأ بصوت كورالي واحد الفصل الأخير من روايته. صرخ مرتعبًا: لم أكتبه بعد! لم أكتبه... أقسم إني.. قال العجوز الأعور مقاطعًا إياه بحزم: بل نحن من كتبناه عنك. انفضوا من حوله وتركوا له ورقة واحدة، كتب فيها: "حين لا تكتب الحقيقة، تكتبك الأكاذيب." ابتلعها، فكانت له سُمًا وتِرياقًا.
بخور
حين يرتطم رأسك بالأسفلت، أنت الواقف على حافة الغضب.. سأخبر الأطفال ليقيموا وليمة فرح بحيّهم وقد تحرر من سطوة التجهم.
قنابل بيضاء
أخرج يده من جيبه بيضاء لا شية فيها وبسطها، فتسللت من بين أصابعه حروف اجتمعت فصارت: ق ق ج تدحرجت ككرة نار... تكبر وتكبر إلى أن تحولت ضحكة مجلجلة.
استنوق الجمل
بخطوات واثقة، وضع المسدس تحت حزامه من الخلف، سار... ظهره مستقيم كأنه يواجه العالم. اشتراه، بكل ما يملك، لمثل هذا، وبرم شنبه بفخر... في غفلة منه... انزلق المسدس إلى داخل سرواله، فغاض شنبه... لوحظ في مشيته غنج...
انبعاث
كلما آلمتني الوحشة ويبس دمي الصقيع أشعل الذكريات فتزهر في عروقي الحياة.
سقوط
كان يخاف من هاوية عزلته الفادحة تأملها بعمق حتى تعوّد عليها، ليتجنّب وحدته راح يدفع الآخرين إليها… حتى امتلأ...
رقصة
في الوقت الذي نما إلى سمعي صراخ طفل حديث الولادة؛ وكنت وحيدًا في غرفتي الكئيبة؛ ممددًا على فراش الموت؛ لفظت أنفاسي.. في الأفق أبصرتهما يتعانقان.
دواء
لما سمعت السمكة أن الصياد سيضع في صنارته طُعمًا لذيذًا ومذهبًا للعقل قصد اصطياد أكبر عدد... سارعت إلى إخبار صويحباتها بالخطر... وحين رأتهن لاهيات غير مباليات... سارت بنفسها إلى الطُّعم مغمضة العينين...
قطف الورد
لم يتمكن من أن يكون صيادًا ماهرًا... جرب وجرب... كانت رصاصاته طائشة... آمن بفشله... ليطرد عنه اللعنة المزمنة... صير نفسه طريدة!
صفحة بيضاء
كان يكتب روايته الأخيرة، حكاية عشق خالدة. وصل إلى الصفحة الأخيرة، فجأة توقف القلم عن الحركة، وكأن الحبر قد نفد من الروح. نظر إلى الصفحة البيضاء، فوجدها تعكس وجهه الشاحب. ابتسم راضيًا، وأغمض عينيه إلى الأبد..
موت المؤلف
كان يقود سيارته بسرعة سلحفاة، يتأمل الناس والحجارة.. جاءته مكالمة صاعقة.. بلا وعي ضغط على دواسة البنزين بكل قوة، فانطلقت السيارة بسرعة أرنب مجنون.. إلى أن دهست الكاتب فانهار معمار الحكاية.. كنت من الناس الذين كانوا يجمعون شظاياها.. آه! كم كانت جارحة..
فراء
بين الكلاب كنت أسير؛ أنا الرأس والقائد الملهم؛ كلما رأيت إنسانًا أشبعته نباحًا إلى أن تسقط أقنعته. فخير الرفقة الأوفياء...
إفحام
وقبل أن ينطق بسؤاله.. التفت حوله الأجوبة كالزنابير.. فتورم دماغه.
كارطون
كنت منبهرًا بأبطال السينما، كنت أراهم خارقين، يأتون بالمعجزات.. إلى أن صحح لي السنوار النظر.
تشوير
وأنت تسير مرتابًا، حذرًا من كل شيء، تأكد من أن الحفرة خالية من نية القتلة.
افتتان
لم ترفض دور الإغراء هي الممثلة المشهود لها بالبراعة، رغم القيمة المالية الكبيرة التي عرضت عليها.. لم ترفض الدور لعفة تتميز بها.. تتذكر أنها لما كانت صبية، أرادت اجتياز بركة فرفعت تنورتها، توا غطت سيقانها هوام سوداء كالأعين الهاربة سرعان ما تحولت شبحًا بألف يد يسعى إلى شلح ثيابها.. صرخت من هول الحدث المفاجئ، وعدت إلى منزلها تنفض عنها ما ألم بها.. وتتطهر.. من يومها، أقسمت، إذا صارت ممثلة، وكانت تهوى هذا الفن، أنها لن تعرض جسدها الفاتن إلا أمام مرآتها...
غضب
غاظني أن رأيته يرقص فوق تراب بيته فرحًا، في لحظة رأيت أشلاءه تطير لتستقر في قلبي تنبت قرحًا. أعدت تشكيلها فصار صقرًا من نار صير حياتي أرقًا.
تمزيق
سهام كثيرة، وسيوف جريحة من عينيها يقطر حقد.. أيد ملطخة بالعار، أيد منقوعة في الشحناء.. جثتي ملقاة على قارعة الخيانة.. قلبي كان بشساعة وطن.. صار يضيق ويضيق إلى أن صار في حجم عبوة.. انفجرت في وجوه كالرمضاء.. أمست شظايا..
ومما تشتهون
استيقظت من نومي عابسًا، رأيتني فيه دودة تلتهم بمتعة لحم سلطان طري حديث الدفن؛ في الوقت نفسه سمعت في نشرة الأخبار عن إحباط محاولة انقلاب؛ وأن قوات خاصة أنشئت لمصادرة الأحلام.
متاهة الأحلام
استيقظت أتصبب عرقًا. حلمت أنني كافكا، أصبح حلزونًا في قوقعة، يحلم بالهرب من أحلام الحياة.
جراح
في عز خطابه الحماسي تم قطع الإرسال ليظهر ماشيًا على أربع بوجه يقطر دمًا، ويركبه العدو، يمسك بلجامه ويقوده إلى حيث يريد.. استنفرت الأجهزة للبحث عن الفاعل/الفاعلين، وكل من ثبت باسما اقتيد للاستنطاق.. فيما كان الخطيب يبحث عن عطار بارع.
انكسارات
في عيد ميلادي، تهيأت جيدًا للاحتفال.. نظرت إليّ في المرآة الصقيلة للقيام بآخر التعديلات.. لم تعجبني صورتي.. كسرتها فتهشمتٌ.. كانت الشظايا بعدد سنين عمري.
بضاعة مزجاة
في صباح يوم جديد، قذفت الطائر فحلق نحو اليمين، فأحسست بشيء من الخير قادم. عدت إلى منزلي في نهاية اليوم، مبتسمًا ومنشرح الصدر. في صباح الغد، قذفته مرة أخرى، لكنه حلق هذه المرة نحو اليسار، فشعرت بغمّ يخيّم على قلبي. ومع ذلك، عدت إلى منزلي وكلي أمل في الغد. عندما انتهى الأسبوع، قررت أن أمسك بالطائر وأرافقه إلى السوق، ليشتريه مني الشؤم.
مونطاج
في الوقت الذي كان فيه أخي التوأم يدافع عن الثغور ببسالة قل نظيرها رغم ظروف الطقس الصعبة، وقلة الطعام، كنت أحرس بشراسة مرقصًا ليليًا لا يرتاده إلا أبناء الذوات.. اليوم، ها أخي من دون أطراف يجلس قرب براكته المتكئة على عصويه يحرسها من حمى الأحلام، وأنا أقعي قرب باب فيلا أحد كبار البلاد أنبح في وجه حمى الأوهام.
شمع
وضعوا السيف بيمينه وقالوا له: أنت بطل! نظر باندهاش إلى الجثث التي تحيط به؛ وإلى سيفه يقطر انتقامًا.. كاد أن يصدق لولا أنه بدأ بالذوبان..
تعديل
أخشاب متعفنة تصرخ تحت وطأة رجل يرتقيها، لكنه كان يتجاهلها معتقدًا أن السلم سيحمله إلى القمة مهما كان حاله. في كل درجة، كان يتخلى عن جزء من نفسه، كان يرى في عيون ضحاياه بريقًا خافتًا، لم يبالِ به. في تلك الليلة، انهار السلم. وجد نفسه وحيدًا، محاطًا بوجوه كانت يومًا مرآة تعكس وجهه الحقيقي..
ضربة
تأملت الخاتم على إصبعها. أضاءت هاتفه رسائل وردية؛ فشمت حريقًا... نزعت الخاتم وأنقذت قلبها من الاحتراق.
ساعات ملتهبة
وضع الساعات في كل زاوية من منزله. كل ساعة كانت تذكره بلحظة ماضية؛ تلك اللحظات كانت تتقلب باستمرار، وكأنها ليست لحظات بل ظلال لذكريات منسية. ولحظة سأل نفسه: "هل تعيش الساعات أو تموت؟"، انفجرت، فجأة، في وجهه؛ ليكتشف أنه كان يقتل وقتًا ما كان بحوزته أبدًا.
العذراء
أكره الليل وظلمته بشدة؛ لأنه يذكرني بصرختيها الأليمتين: صرختها حين تسللتُ إلى مخدعها وقلت لها: جئتكِ لأهبكِ طفلًا. وصرختها المزلزلة حين أنجبته... نما بسرعة، وصار وحشًا يلتهم أحلام المدينة. سأختبئ وسط الحكاية.
فسيلة
استسلمت لليأس، واستلقت على فراشه الوثير تستعيد محطاتها المجهضة، والليل دامس، والأبواب مغلقة بإحكام. وحدها الشمس تمكنت من التسلل من خصاص النافذة، رسمت لها بأشعة الغروب فارسها البعيد، زرع في نفسها سنابل منفلتة، ثم غفا على فراشها مستعيدًا أحلامه الصيفية.
حيرة
غاظها التجاهل، وأثقل خطوها الصمت، فقررت خوض تجربة جديدة، تبرهن لنفسها التي كاد منسوب ثقتها يتبخر أنها موجودة، شرعت في نزع ملابسها قطعة قطعة، وكل مرة كانت النتيجة نفسها: لا أحد انتبه أو اهتم أو نبس ببنت شفة..حتى حين خرجت عارية، تساءلت مع نفسها بحيرة: هل أنا من اختفت أم العالم هو الذي أغمض عينيه؟ ظل السؤال معلقًا، صار أنشوطة..
دفاتر تعاند النار
كنا ننسج الريح بأصابع صغيرة، ونُطلق أحلامنا طائراتٍ من ورق، تصعد بخفة الغيم، ثم تهبط لتسكن قلوبنا الندية. حتى جاء الكبار، واستعاروا السماء، صبغوا الحلم بالحديد، وصار التحليق قصفًا. فانسحبنا إلى دفاتر الطفولة..
هامش على مخطوطة مجهولة
عُثر في أحد الأدراج المهجورة لمكتبة عتيقة على قصاصة ورق بلا توقيع، كُتبت بحبر باهت يكاد يُمحى، ولا يُعرف إن كانت قصة قصيرة، أو تذكّرًا مبكرًا، أو تقليدًا غريبًا لطريقة بورخيس في تقليد نفسه. نصّ القصاصة: في غرفة معزولة، وعلى ضوء شمعة تتنفس كأنها تحتضر، جلس شابٌ إلى مكتب خشبي قديم. أمامه كومة أوراق بيضاء، وأمام البياض، عجزٌ لا اسم له. عصر ذهنه، فتدفق الصمت. نهض، واقترب من نافذته الوحيدة. في الجهة المقابلة، خلف نافذة تشبه نافذته، جلس شيخ يُقلب أوراقًا مسوّدة كُتبت بخطٍ يشبه خطه. يقرأ، يهز رأسه، يمزّقها مبتسمًا، وينثرها كما ينثر التائب ذنوبه. عاد الشاب إلى مكتبه، فوجد الأوراق تختفي واحدة تلو أخرى، تخرج من النافذة.. ورأى الشيخ يبتسم له من الضفة المقابلة، أو من الضفة القادمة.
ملاحظة بخط مختلف على هامش القصاصة: ربما لم تكن هناك نافذتان. ربما لم يكن هناك سوى مرآة، وزمن ينحني على نفسه كتجعيدة ورقة قديمة. أو ربما، وهذا الأرجح، لم تكن هناك قصة أصلًا.
**
تقاطعات
**
يجلس في باحة المقهى الخارجية كإله منسي، ينظر بفرح عارم إلى حركة الناس وحركة الحروف على صفحاته تتشكل على مهل قصة مكتملة البناء، يرفع راسه ليتابع سيارة إسعاف تحمل امرأة إلى مستشفى الولادة حيث تضع مولودها، يعود ببصره إلى القصة ليجد نقطة حمراء في نهايتها فيفغر فاه. تهب ريح لعوب فتتشتت الأوراق شذر مذر. يغيب الناس، تغيب المقهى، ويبقى وحيدا في طريق موحش كإله منسي يحمل طفلا حديث الولادة، لا يستطيع حمله لثقله فيتركه ينزلق لتحضنه أوراق بيضاء، يعود الناس إلى الشارع، ويعود المقهى إلى مكانه، وتعود سيارة الإسعاف إلى المنزل حاملة بشرى غلام. ويعود الرجل إلى أوراقه معتقدا أن كل شيء كان مجرد حلم راود رأس قاص وحيد. في عزلته كإله منسي.
**
افتراس
**
همس لي الأسد بنص مفترس...
تشدني الوسادة النائمة إلى أوتار الحلم: ها أنا في عمق الغابة محاطا بالغزلان. أطفئ لهيب جوعي بماء العدل؛ : لا ظلم اليوم.!
انهض متثاقلا وقد فقدت أطرافي...
**
إرواء.
**
نظرت إلي بعيون وقحة، وقالت لي:
هل هذه الحفرة تناسب ابننا؟
تزلزلت، نفرت الدموع.. حملت يدي إلى جهة اليسار من صدري، كان يخفق، فسكنت.
ساد بيننا صمت كالجبال.
**
كافيين
**
قالوا ونظروا إليّ ساخرين:
لم لم تشرق شمس اليوم؟
قلت متهكما:
مازالت في سريري
نائمة!
**
فك منشار
كانت ذات جمال أخاذ...
جذبت قلبي إليها..
ولما أوشك أن يلتصق بها.
قفز كلبها الوفي وأعمل فيه أسنانه.
صارت جروحي سجل ألم.
**
ولاء
كان مزارا، سكن الفقراء قلبه، فأطعمهم من روحه، وأوصاهم بالحب.
غضب الوالي حين خرج فلم يجد في استقباله الحشود التي عودها على التحية.
أرسل رسائل تهنئة للولي مرفوقة بصك مفتوح، ودعاه إلى إطلاق سراح أتباعه ليكون لخروجه معنى.
ترك الناس قلوبهم لدى الولي، وخرجوا لاستقبال الوالي.
**
تزامن
في الوقت الذي اخترقت فيه الرصاصة صدر الجندي المرابط على الحدود، أنجبت زوجته، في الجهة البعيدة عن العين، والقريبة من القلب، طفلا ملأ صراخه المكان، شعر بأنه يكبر بسرعة، ولما صار شابا، حمّل بندقية واقتيد إلى الحدود لحراستها، بعين حذرة كان يتجنب الرصاص المجنون، ونسي اليد التي تقف خلف الزناد...
**
هوائي
قال: المجد للحب، وسار إلى الحرب بكل عزم وصلابة لتحرير القلوب من غلها...
أرهقته طواحين الهواء!
يستسلم..
يحارب..
أراه من شرفتي ما زال في عنفوان رغبته.
**
يا نصيب
**
طوال حياتي وأنا أطارد حلما.. تبين لي وأنا أحتضر أنه لم يكن سوى وهم..
الحياة نصيب، أوراقها الرابحة ليست من نصيبي.
**
روح
**
أدركت بحدسها أنني أتابعها خلسة من نافذتي المظلمة، ضحكت في سرها وهي تنزع ملابسها، في لحظة، اشتعلت كل أضوائها فذهب بصري.
**
شرحبيل
ران على القاعة صمت رهيب حين كانت تلقي على أسماع الحضور قصيدتها العذراء، وحدها نبضات القلوب كانت ترسم في السماء قصة حب عذرية.
لما فرغت، ألقت بقبلة في الهواء، فتخطفتها الأيادي...
تركت القوم في معتركهم، وحملتها إلى سرير بوركست أقيس طولها وقصرها ببراعة الحواة.
**
سحابة صيف{عنوان مؤقت}
**
انطلق السهم المبارك من اليدين الكريمتين ليخترق الصدر ويستقر في قلب الدائرة مدونا العلاقة الصاخبة بين السيد والرعية. تحرك الشاب في الوقت غير المناسب لجمع السهام الطائشة كان السبب. تم إغلاق الملف نهائيا. إحدى الجرائد أشارت إلى تعمد تصفية الشاب المعارض بشراسة. أغلقت الملف. لافتح ملفا جديدا عن رصاصة طائشة اخترقت صدر شاب جامح.. اصابتني حيرة البحث.. قبل أن تأتيني أوامر عليا بإغلاق المف وتقييد الجريمة ضد مجهول. تعثرت يدي وهي تكتب. جريمة من مبني للمعلوم..
واستقلت.
**
أسما ك
**
انطلق السهم يخترق الفضاء: يعلو ويعلو..
ثم،
في لحظة،
وبعيني صقر، بدأ في الهبوط خارج ميدان التباري،
ليخترق قلب متفرجة، كانت تتابع بوله فارسها وهو يرجع إلى الوراء قبل أن ينطلق مسرعا إلى الأمام، وبكل قوة وعزيمة وإصرار، يطلق السهم...
لتطلق، هي، شهقتها العميقة..
تتحول الشهقة خاتمين مرصعين بالحب، ينسجان حبل ود لم ينقطع أبدا، رغم كر السنين.
**
دراما الفرصة الأخيرة.
**
أمام حاوية للأزبال، متشرد وكلب، كل منهما يدفن رأسه بداخلها..
يوضع طعام بالقرب منهما، يلتفت المتشرد ويلتهم الصحن، يلتفت الكلب ثم يعود إلى النبش من جديد.
**
شلل
تسلل إلى نومي بخفة لص ظريف، قلب دولابي إلى أن عثر على كتاب أحلامي، صار يقلب صفحاته بلذة غريبة وأنا أتابعه مشلول الحركة.. بدأ يمزقه بعنف..ثم أطلق ضحكة هستيرية أيقظتني فزعا، نظرت من حولي بذهول فوجدت صفحات بيضاء متناثرة في الأرض، ولمحت ظلا يتسرب خارجا من الباب، أردت ملاحقته فأعاقتني الحروف النازفة.
**
رسالة فوق الماء.
******
ماذا نفعل، يا أبي! إن قامت حرب نووية؟
لاشيء؛ رد الأب؛ بكل ثقة ومد يده إلى الطعام ؛ ودعاني أن امد يدي مثله..
ثم أردف: نحن فوق شبهة الحياة!
وتابع مضغ الموت.
**
ولاء
**
شعر بألم مضاعف وهو يرى الحرائق تشتعل في مختلف ربوع الوطن. تذكر حقل أحلامه وقد صار رمادا...
هب خفيفا يسابق المتطوعين...
صير فاه كيرا.
**
نباحي...
لم يتوقف عن النباح بالرغم من أني رميت له بعظمة طرية لرجل قتل قبل قليل!
لم يتوقف عن النباح حتى خفت على حنجرته أن تنفجر!
بقيت أتابع نباحه بقلب مجروح إلى أن قدمت الشرطة، فحررتني منه.
**
كرامة
وهو ذاهب لزيارة أمه طريحة الفراش، شاهد قطة عجفاء تموء بوهن من وطأة الجوع، رق لحالها، فانحنى يمسد ظهرها.. شعرت بدفء يسري في جسدها، فتقوست، وبدأت تتمسح به. أطعمها وسقاها، ثم تابع طريقه مطمئنا أنها لن تموء من الجوع نهائيا.
**
البومة العرجاء
التصفيق الذي تلا إلقاء القصيدة كان مثل ريح صرصر عاتية، أطارت أوراق الشاعرة ولباسها، صارت عارية كفينوس تخلب الألباب.
منحتها تبانا، وأخفيتها في أعماق مائي.
**
إشراقة:
كنت أفكر في الهدية التي سأقدمها للزعيم.. أمثل بين يديه وأنا أتابع (باندهاش) الجموع الغفيرة التي امتلأت بهم الساحة ؛ كانوا يحملون شتى الهدايا...
قلت لنفسي:
- "لابد أن تكون مميزة ؛ لم يسبقني إليها أحد"
كانوا ينظرون إلى (باستغراب) وأنا خالي الأحمال... لما حان دوري، انحنيت مؤديا فروض الطاعة، وفي تلك اللحظة أشرقت الفكرة في ذهني ؛ حملت رأسي له هدية، وخرجت خفيف ظل.
**
إطار
**
بعد أن أجرى، البارحة، عملية جراحية دقيقة ناجحة، لم يعد يشعر، كما في الماضي، أنه مكبل، وأنه يرزح تحت أثقال قاصمة..
فقد أخرج الطبيب من دماغه جثثا متعفنة..
صار اليوم قادرا على التحليق بحرية...
**
عشق جانح
غضب الطبل من كثرة الضرب على خديه الأسيلين؛ فانفجر..
مذاك، والطبال في حالة عطالة مزمنة..
**
حفل شواء
**
سقط قلبي بين يدي بعد أن اخترقته رصاصة غادرة، كان ينزف بغزارة..
خلفي جموع غاضبة في عيونها شزر كما بندقية موجهة بحقد كثيف..
أمامي الحاكم يجلس على كرسيه بكل عنفوان.. ينهض بتؤدة، يسير على دمي وقد صار بساطا أحمر، باتجاه الجموع التي هتفت باسمه لما رأت طلته البهية..
حياها بحرارة، وبحركة مدروسة ألقى بجثتي...
فتصاعد لهيب التصفيق.
**
زيف
**
في أعماق الصحراء، حيث تتلاشى حدود الزمان والمكان، يعيش رجل عجوز ذو قوى سحرية غريبة يقرأ يوميا في كتاب عتيق، يفتح بيته لكل من يمر به، يشاركه الطعام والشراب، كلما قدم شيئا للآخرين، زادت قوته وسحره حتى صار عملاقا يحلم ببسط نفوذه على العالم، يحقق به وعد الرب.. بيد أن الأرضة كانت قد أكلت الكثير من الحروف..
**
صفحة بيضاء
كان يكتب روايته الأخيرة، حكاية عشق خالدة. وصل إلى الصفحة الأخيرة، فجأة توقف القلم عن الحركة، وكأن الحبر قد نفد من الروح. نظر إلى الصفحة البيضاء، فوجدها تعكس وجهه الشاحب. ابتسم راضيا، وأغمض عينيه إلى الأبد..
**
موت المؤلف
**
كان يقود سيارته بسرعة سلحفاة، يتأمل الناس والحجارة..
جاءته مكالمة صاعقة.. بلا وعي ضغط على دواسة البنزين بكل قوة، فانطلقت السيارة بسرعة أرنب مجنون.. إلى أن دهست الكاتب فانهار معمار الحكاية..
كنت من الناس الذين كانوا يجمعون شظاياها..
آه! كم كانت جارحة..
**
فراء
بين الكلاب كنت أسير؛ أنا الرأس والقائد الملهم؛ كلما رأيت إنسانا أشبعته نباحا إلى أن تسقط أقنعته.
فخير الرفقة الأوفياء. .
★★★
إفحام
وقبل أن ينطق بسؤاله..
التفت حوله الأجوبة كالزنابير..
فتورم دماغه.
★★★
كارطون
كنت منبهرا بأبطال السينما، كنت أراهم خارقين، يأتون بالمعجزات..
إلى أن صحح لي السنوار النظر.
★★★
تشوير
وأنت تسير مرتابا، حذرا من كل شي,
تأكد من أن الحفرة خالية من نية القتلة.
★★★
افتتان
لم ترفض دور الإغراء هي الممثلة المشهود لها بالبراعة، رغم القيمة المالية الكبيرة التي عرضت عليها..
لم ترفض الدور لعفة تتميز بها..
تتذكر أنها لما كانت صبية، أرادت اجتياز بركة فرفعت تنورتها، توا غطت سيقانها هوام سوداء كالأعين الهاربة سرعان ما تحولت شبحا بألف يد يسعى إلى شلح ثيابها.. صرخت من هول الحدث المفاجئ، وعدت إلى منزلها تنفض عنها ما ألم بها.. وتتطهر..
من يومها، أقسمت، إذا صارت ممثلة، وكانت تهوى هذا الفن، أنها لن تعرض جسدها الفاتن إلا أمام مرآتها...
★★★
غضب
غاظني أن رأيته يرقص فوق تراب بيته فرحا، في لحظة رأيت أشلاءه تطير لتستقر في قلبي تنبت قرحا.
أعدت تشكيلها فصار صقرا من نار صير حياتي أرقا.
**
تمزيق
**
سهام كثيرة، وسيوف جريحة من عينيها يقطر حقد..
أيد ملطخة بالعار، أيد منقوعة في الشحناء..
جثتي ملقاة على قارعة الخيانة..
قلبي كان بشساعة وطن.. صار يضيق ويضيق إلى أن صار في حجم عبوة..
انفجرت في وجوه كالرمضاء..
أمست شظايا..
**
ومما تشتهون
:استيقظت من نومي عابسا رأيتني فيه دودة تلتهم بمتعة لحم سلطان طري حديث الدفن؛ في الوقت نفسه سمعت في نشرة الأخبار عن إحباط محاولة انقلاب؛ وأن قواة خاصة انشئت لمصادرة الأحلام.
**
متاهة الأحلام
..
استيقظت أتصبب عرقًا. حلمت أنني كافكا، أصبح حلزونًا في قوقعة، يحلم بالهرب من أحلام الحياة.
**
جراح
**
في عز خطابه الحماسي تم قطع الإرسال ليظهر ماشيا على أربع بوجه يقطر دما، ويركبه العدو، يمسك بلجامه ويقوده إلى حيث يريد ..
استنفرت الأجهزة للبحث عن الفاعل/الفاعلين، وكل من ثبت باسما اقتيد للاستنطاق..
فيما كان الخطيب يبحث عن عطار بارع.
**
انكسارات
**
في عيد ميلادي، تهيأت جيدا للاحتفال..
نظرت إلي" في المرآة الصقيلة للقيام بآخر التعديلات..
لم تعجبني صورتي.. كسرتها فتهشمتٌ..
كانت الشظايا بعدد سنين عمري.
**
بضاعة مزجاة
في صباح يوم جديد، قذفت الطائر فحلق نحو اليمين، فأحسست بشيء من الخير قادم. عدت إلى منزلي في نهاية اليوم، مبتسمًا ومنشرح الصدر. في صباح الغد، قذفته مرة أخرى، لكنه حلق هذه المرة نحو اليسار، فشعرت بغمّ يخيّم على قلبي. ومع ذلك، عدت إلى منزلي وكلي أمل في الغد.
عندما انتهى الأسبوع، قررت أن أمسِك بالطائر .وأرافقه إلى السوق، ليشتريه مني الشؤم
**
مونطاج
**
في الوقت الذي كان فيه أخي التوأم يدافع عن الثغور ببسالة قل نظيرها رغم ظروف الطقس الصعبة، وقلة الطعام، كنت أحرس بشراسة مرقصا ليليلا لا يرتاده إلا أبناء الذوات..
اليوم، ها أخي من دون أطراف يجلس قرب براكته المتكئة على عصويه يحرسها من حما الأحلام، وأنا أقعي قرب باب فيلا أحد كبار البلاد أنبح في وجه حما الأوهام.
**
شمع
..
وضعوا السيف بيمينه وقالوا له: أنت بطل!
نظر باندهاش إلى الجثث التي تحيط به؛ وإلى سيفه يقطر انتقاما..
كاد أن يصدق لولا أنه بدأ بالذوبان..
**
تعديل
**
أخشاب متعفنة تصرخ تحت وطأة رجل ترتقيها، لكنه كان يتجاهلها معتقدا أن السلم سيحمله إلى القمة مهما كان حاله. في كل درجة، كان يتخلى عن جزء من نفسه، كان يرى في عيون ضحاياه بريقا خافتا، لم يبال به. في تلك الليلة، انهار السلم. وجد نفسه وحيدا، محاطا بوجوه كانت يوما مرآة تعكس وجهه الحقيقي..
**
**ضربة:
..
تأملت الخاتم على أصبعها. أضاءت هاتفه رسائل وردية؛ فشمت حريقا... نزعت الخاتم وأنقذت قلبها من الاحتراق.***
**
ساعات ملتهبة
**
وضع الساعات في كل زاوية من منزله. كل ساعة كانت تذكره بلحظة ماضية؛ تلك اللحظات كانت تتقلب باستمرار، وكأنها ليست لحظات بل ظلال لذكريات منسية. ولحظة سأل نفسه: "هل تعيش الساعات أو تموت؟"، انفجرت، فجأة، في وجهه؛ ليكتشف أنه كان يقتل وقتا ما كان بحوزته أبدا.
**
..ونصب
**
بعد جهد جهيد، بلغ قمة الجبل، شعر بفرح عارم فانتفخ..
في اللحظة التي كاد أن يفتح فاه فيها، هبت ريح سموم فطوحت به بعيدا..
لحد الساعة، لم يتم العثور عليه..
من تمكن، فله جائزة عبارة عن قصة قصيرة جدا بحجم جبل..
**
ذاك ظلي وتلك أنفاسها الفانية
....
وقف في أقصى الحقل، يراقب الشمس تغرب. في اللحظة التي امتلأ فيها الأفق بالظلال، شعر بشيء غريب: كانت الأرض تسحب شيئًا ما من داخله. كان الظل يلتهمه ببطء، لم يهرب... ظل واقفا؛ كصنم ، إلى أن اختفى تمامًا، ليكتشف أن الظل كان ظل الأرض نفسها، وكان هو مجرد انعكاس لتلك الأرض التي تستهلك ذاتها.
**
آلمني منظر الأرض المتشققة، والسماء الجافة. رسمت مطرًا غزيرًا، فاختلطت قطراته بالتراب، وعادت الينابيع إلى حياتها، وامتلأت الآبار.
لكن في لحظة، حملت السيول منزلي، وبدأت أغرق. قاومت بكل ما أملك، لكن دون جدوى. وقبل أن أختنق، وفي آخر لحظة، رفعت يدي حاملاً قصتي، راجيًا لها النجاة. حينها، رأيت حمامة تحملها بعيدًا، إلى أرض جديدة.
**
أنفاق..
...
نفق الوعي
دخل الرجل إلى النفق، محملًا بمشاعر القلق والتوتر. بدت جدرانه المظلمة كأنها تحمل أسرار العالم. كلما تقدم، أدرك أن النفق لا نهاية له، وأنه لا يهرب من شيء، بل يهرب نحو المجهول الذي يسكن داخله. عندما وصل إلى "نهاية" النفق، وجد نفسه في البداية نفسها،. فهم حينها سر الحكمة..
**
خفوت
في مرآة الحمام الباهتة، أرى عينين غريبتين تتألقان كجوهرتين سوداوين. عينان لا تعكسان صورة وجهي، بل تعكسان أعماقًا لا أستطيع فهمها. أشعر بقشعريرة تجري في عروقي، وكأنني أقف على حافة هاوية. أمد يدي لألمس انعكاسي، لكن يدي تمر عبر الصورة، لتمسك بفراغي.
**
نار خابية
**
انفطر قلبي وأنا أراه ينكل بهم تنكيلا..
وماذا فعلت لإيقاف التعذيب؟
نظرت إلى الجهة المعاكسة محوقلا، وشغلت أضعف الإيمان.
هذا التقديم من انجاز الذكاء الاصطناعي
في "ظلال الينابيع"، لا يسير القارئ في حقول القصة القصيرة المألوفة، بل يجد نفسه في متاهةٍ معمارها من الومضات، ومراياها تعكس أسئلةً أكثر من إجابات. هذه المجموعة ليست مجرد سردٍ للأحداث، وإنما هي تفكيكٌ مدروسٌ لمفهوم "الحكاية" نفسه. يُقدّم الكاتب هنا نصوصًا قصيرة جدًا، كأنها "قصائد نثرية" تتخفى في ثياب السرد، تراهن على الصورة والمفارقة، وتترك الفضاء شاسعًا لتأويل القارئ.
إنها دعوةٌ لرحلةٍ لا تخلو من القلق، حيث تتلاشى الحدود بين المؤلف وشخصياته، وبين الواقع والحلم، بل وبين القصة وفراغها. هذه النصوص تُدرك أن الحقيقة غالبًا ما تكون في ما لا يُقال، وأن الصدمة الجمالية لا تكمن في الحكي المباشر، بل في تلك اللحظة التي تتكثف فيها الفكرة وتنفجر في وجدان القارئ.
الموت والتحول: تحطيم اليقين
تُعدّ فكرة الموت والتحول من أبرز الخيوط التي تنسج هذه المجموعة، ولكن ليس الموت بمعناه التقليدي. في قصة "موت المؤلف"، نجد مفارقة حادة: المؤلف يموت دهسًا بسيارته، لكن الحكاية "تنهار معمارها"، لتُجمع شظاياها من قبل "الناس". هنا، يقلب الكاتب المعادلة، فبدلًا من أن يموت المؤلف لتعيش القصة، تموت الحكاية بموت كاتبها، وتصبح شظاياها قاسية "جارحة"، كأنها ترفض أن تُعاد صياغتها على يد أي أحد آخر. هذا النص يُذكّرنا بأطروحات "رولان بارت" حول موت المؤلف، لكنه يعكسها ليُظهر كيف أن موت المبدع قد يُميت نصه، ليصبح مجرد ذكرى مؤلمة بدلاً من أن يتحول إلى خالدٍ.
وفي قصة "شمع"، نرى تحولًا مختلفًا. البطل الذي يُعطى "السيف" ويُقال له "أنت بطل!"، يكتشف أن البطولة التي مُنحت له مزيفة. هو يذوب كالشمع، وكل ما يحيط به من "جثث" و"انتقام" ليس إلا وهمًا. هذا النص يُشير إلى هشاشة البطولة المصطنعة، وكيف أن الألقاب التي تُمنح تحت الضغط أو في سياق العنف لا تصنع بطلًا، بل مجرد أثر زائلٍ.
الوعي والمرآة: مواجهة الذات
تتكرر في المجموعة فكرة مواجهة الذات عبر رموز متعددة، أبرزها المرآة. في قصة "خفوت"، لا تعكس المرآة وجه الشخصية، بل "أعماقًا لا أستطيع فهمها". هنا، تصبح المرآة أداة لاستكشاف الذات المجهولة، حيث يمر الجسد "عبر الصورة، ليمسك بالفراغ". هذا الفراغ هو الهوية المفقودة، أو "اللاشيء" الذي يكتشفه الفرد عن نفسه بعد محاولة العبث بهويته.
وفي قصة "انكسارات"، تكسر الشخصية مرآتها لأنها لا تُعجبها صورتها، لتجد أن "الشظايا بعدد سنين عمري". هذا النص ليس مجرد رفض للصورة الخارجية، بل هو رفضٌ للذات التي تكونت على مرّ السنين. كل شظية تمثل عامًا من العمر، وكل كسرٍ هو اعترافٌ بمرارة التجارب التي صنعت هذه الذات المرفوضة.
اللغة والوجود: البحث عن المعنى
لا تكتفي القصص بمعالجة الأفكار، بل تنخرط في مساءلة اللغة نفسها. ففي قصة "بضاعة مزجاة"، يربط البطل بين طيران الطائر والخير أو الشؤم، لكنه في النهاية يقرر أن يبيع الطائر "للشؤم". هنا، يُفرغ الكاتب رمزية الطائر من معناها المعتاد، ويسخر من فكرة التفاؤل والتشاؤم، ليؤكد أن المعنى الحقيقي لا يكمن في الطائر، بل في الفعل البشري نفسه، الذي يقرر أن يبيع حتى الأمل.
أما في قصة "هامش على مخطوطة مجهولة"، فنحن أمام نصّ يتجاوز حدود القصة ليصبح تعليقًا عليها. الشاب الذي يعجز عن الكتابة، يرى شيخًا يمزّق أوراقه في الجهة المقابلة. التعليق الهامشي يُشير إلى أن "ربما لم تكن هناك سوى مرآة، وزمن ينحني على نفسه"، مما يجعل القصة نفسها مجرد مرآة تعكس فكرة العجز الأبدي عن الخلق.
إن "ظلال الينابيع" هي مجموعةٌ جريئةٌ في طرحها وشكلها، تدعو القارئ إلى التحرر من القوالب المعتادة، وإلى الغوص في أعماق النصوص لاكتشاف معانٍيها المضمرة. هي رحلةٌ إلى الجانب الآخر من الحكاية، حيث ينبثق المعنى من الرماد، ويُولد النور من الظل.
**
ظلال الينابيع:
**
زيف
في أعماق الصحراء، حيث تتلاشى حدود الزمان والمكان، يعيش رجل عجوز ذو قوى سحرية غريبة يقرأ يوميًا في كتاب عتيق، يفتح بيته لكل من يمر به، يشاركه الطعام والشراب، كلما قدم شيئًا للآخرين، زادت قوته وسحره حتى صار عملاقًا يحلم ببسط نفوذه على العالم، يحقق به وعد الرب.. بيد أن الأرضة كانت قد أكلت الكثير من الحروف..
فك
دخل الرجل إلى النفق، محملًا بمشاعر القلق والتوتر. بدت جدرانه المظلمة كأنها تحمل أسرار العالم. كلما تقدم، أدرك أن النفق لا نهاية له، وأنه لا يهرب من شيء، بل يهرب نحو المجهول الذي يسكن داخله. عندما وصل إلى "نهاية" النفق، وجد نفسه في البداية نفسها. فهم حينها سر الحكمة..
خفوت
في مرآة الحمام الباهتة، أرى عينين غريبتين تتألقان كجوهرتين سوداوين. عينان لا تعكسان صورة وجهي، بل تعكسان أعماقًا لا أستطيع فهمها. أشعر بقشعريرة تجري في عروقي، وكأنني أقف على حافة هاوية. أمد يدي لألمس انعكاسي، لكن يدي تمر عبر الصورة، لتمسك بفراغي.
نار خابية
انفطر قلبي وأنا أراه ينكل بهم تنكيلًا.. وماذا فعلت لإيقاف التعذيب؟ نظرت إلى الجهة المعاكسة محوقلًا، وشغلت أضعف الإيمان. قذفها في عين الشمس، رافضًا رضاعة الحليب. أراد اللحم. كبر سريعًا... صارت له أنياب قاطعة تمزق الحديد.
لمع
توقف المصعد في الطابق التاسع.. فجأة. كان وحده. لكن الجثة لم تكن. كانت هناك، مُعلّقة بين الزرّين: 7 و9. لم يصرخ. فقط مدّ إصبعه ليلمس العَرَق المتجمّد على جبينها. – أنا آسف، لم أكن أقصد أن أسبقك إلى الوظيفة. المصعد عاد فجأةً إلى الحركة. في الأسفل، كانت اللجنة تنتظره بابتسامات مرطّبة. لكن المقعد الوحيد كان دافئًا.
كابوس
استيقظ الكاتب مذعورًا. كانت شخصياته تحيط بسريره، تقرأ بصوت كورالي واحد الفصل الأخير من روايته. صرخ مرتعبًا: لم أكتبه بعد! لم أكتبه... أقسم إني.. قال العجوز الأعور مقاطعًا إياه بحزم: بل نحن من كتبناه عنك. انفضوا من حوله وتركوا له ورقة واحدة، كتب فيها: "حين لا تكتب الحقيقة، تكتبك الأكاذيب." ابتلعها، فكانت له سُمًا وتِرياقًا.
بخور
حين يرتطم رأسك بالأسفلت، أنت الواقف على حافة الغضب.. سأخبر الأطفال ليقيموا وليمة فرح بحيّهم وقد تحرر من سطوة التجهم.
قنابل بيضاء
أخرج يده من جيبه بيضاء لا شية فيها وبسطها، فتسللت من بين أصابعه حروف اجتمعت فصارت: ق ق ج تدحرجت ككرة نار... تكبر وتكبر إلى أن تحولت ضحكة مجلجلة.
استنوق الجمل
بخطوات واثقة، وضع المسدس تحت حزامه من الخلف، سار... ظهره مستقيم كأنه يواجه العالم. اشتراه، بكل ما يملك، لمثل هذا، وبرم شنبه بفخر... في غفلة منه... انزلق المسدس إلى داخل سرواله، فغاض شنبه... لوحظ في مشيته غنج...
انبعاث
كلما آلمتني الوحشة ويبس دمي الصقيع أشعل الذكريات فتزهر في عروقي الحياة.
سقوط
كان يخاف من هاوية عزلته الفادحة تأملها بعمق حتى تعوّد عليها، ليتجنّب وحدته راح يدفع الآخرين إليها… حتى امتلأ...
رقصة
في الوقت الذي نما إلى سمعي صراخ طفل حديث الولادة؛ وكنت وحيدًا في غرفتي الكئيبة؛ ممددًا على فراش الموت؛ لفظت أنفاسي.. في الأفق أبصرتهما يتعانقان.
دواء
لما سمعت السمكة أن الصياد سيضع في صنارته طُعمًا لذيذًا ومذهبًا للعقل قصد اصطياد أكبر عدد... سارعت إلى إخبار صويحباتها بالخطر... وحين رأتهن لاهيات غير مباليات... سارت بنفسها إلى الطُّعم مغمضة العينين...
قطف الورد
لم يتمكن من أن يكون صيادًا ماهرًا... جرب وجرب... كانت رصاصاته طائشة... آمن بفشله... ليطرد عنه اللعنة المزمنة... صير نفسه طريدة!
صفحة بيضاء
كان يكتب روايته الأخيرة، حكاية عشق خالدة. وصل إلى الصفحة الأخيرة، فجأة توقف القلم عن الحركة، وكأن الحبر قد نفد من الروح. نظر إلى الصفحة البيضاء، فوجدها تعكس وجهه الشاحب. ابتسم راضيًا، وأغمض عينيه إلى الأبد..
موت المؤلف
كان يقود سيارته بسرعة سلحفاة، يتأمل الناس والحجارة.. جاءته مكالمة صاعقة.. بلا وعي ضغط على دواسة البنزين بكل قوة، فانطلقت السيارة بسرعة أرنب مجنون.. إلى أن دهست الكاتب فانهار معمار الحكاية.. كنت من الناس الذين كانوا يجمعون شظاياها.. آه! كم كانت جارحة..
فراء
بين الكلاب كنت أسير؛ أنا الرأس والقائد الملهم؛ كلما رأيت إنسانًا أشبعته نباحًا إلى أن تسقط أقنعته. فخير الرفقة الأوفياء...
إفحام
وقبل أن ينطق بسؤاله.. التفت حوله الأجوبة كالزنابير.. فتورم دماغه.
كارطون
كنت منبهرًا بأبطال السينما، كنت أراهم خارقين، يأتون بالمعجزات.. إلى أن صحح لي السنوار النظر.
تشوير
وأنت تسير مرتابًا، حذرًا من كل شيء، تأكد من أن الحفرة خالية من نية القتلة.
افتتان
لم ترفض دور الإغراء هي الممثلة المشهود لها بالبراعة، رغم القيمة المالية الكبيرة التي عرضت عليها.. لم ترفض الدور لعفة تتميز بها.. تتذكر أنها لما كانت صبية، أرادت اجتياز بركة فرفعت تنورتها، توا غطت سيقانها هوام سوداء كالأعين الهاربة سرعان ما تحولت شبحًا بألف يد يسعى إلى شلح ثيابها.. صرخت من هول الحدث المفاجئ، وعدت إلى منزلها تنفض عنها ما ألم بها.. وتتطهر.. من يومها، أقسمت، إذا صارت ممثلة، وكانت تهوى هذا الفن، أنها لن تعرض جسدها الفاتن إلا أمام مرآتها...
غضب
غاظني أن رأيته يرقص فوق تراب بيته فرحًا، في لحظة رأيت أشلاءه تطير لتستقر في قلبي تنبت قرحًا. أعدت تشكيلها فصار صقرًا من نار صير حياتي أرقًا.
تمزيق
سهام كثيرة، وسيوف جريحة من عينيها يقطر حقد.. أيد ملطخة بالعار، أيد منقوعة في الشحناء.. جثتي ملقاة على قارعة الخيانة.. قلبي كان بشساعة وطن.. صار يضيق ويضيق إلى أن صار في حجم عبوة.. انفجرت في وجوه كالرمضاء.. أمست شظايا..
ومما تشتهون
استيقظت من نومي عابسًا، رأيتني فيه دودة تلتهم بمتعة لحم سلطان طري حديث الدفن؛ في الوقت نفسه سمعت في نشرة الأخبار عن إحباط محاولة انقلاب؛ وأن قوات خاصة أنشئت لمصادرة الأحلام.
متاهة الأحلام
استيقظت أتصبب عرقًا. حلمت أنني كافكا، أصبح حلزونًا في قوقعة، يحلم بالهرب من أحلام الحياة.
جراح
في عز خطابه الحماسي تم قطع الإرسال ليظهر ماشيًا على أربع بوجه يقطر دمًا، ويركبه العدو، يمسك بلجامه ويقوده إلى حيث يريد.. استنفرت الأجهزة للبحث عن الفاعل/الفاعلين، وكل من ثبت باسما اقتيد للاستنطاق.. فيما كان الخطيب يبحث عن عطار بارع.
انكسارات
في عيد ميلادي، تهيأت جيدًا للاحتفال.. نظرت إليّ في المرآة الصقيلة للقيام بآخر التعديلات.. لم تعجبني صورتي.. كسرتها فتهشمتٌ.. كانت الشظايا بعدد سنين عمري.
بضاعة مزجاة
في صباح يوم جديد، قذفت الطائر فحلق نحو اليمين، فأحسست بشيء من الخير قادم. عدت إلى منزلي في نهاية اليوم، مبتسمًا ومنشرح الصدر. في صباح الغد، قذفته مرة أخرى، لكنه حلق هذه المرة نحو اليسار، فشعرت بغمّ يخيّم على قلبي. ومع ذلك، عدت إلى منزلي وكلي أمل في الغد. عندما انتهى الأسبوع، قررت أن أمسك بالطائر وأرافقه إلى السوق، ليشتريه مني الشؤم.
مونطاج
في الوقت الذي كان فيه أخي التوأم يدافع عن الثغور ببسالة قل نظيرها رغم ظروف الطقس الصعبة، وقلة الطعام، كنت أحرس بشراسة مرقصًا ليليًا لا يرتاده إلا أبناء الذوات.. اليوم، ها أخي من دون أطراف يجلس قرب براكته المتكئة على عصويه يحرسها من حمى الأحلام، وأنا أقعي قرب باب فيلا أحد كبار البلاد أنبح في وجه حمى الأوهام.
شمع
وضعوا السيف بيمينه وقالوا له: أنت بطل! نظر باندهاش إلى الجثث التي تحيط به؛ وإلى سيفه يقطر انتقامًا.. كاد أن يصدق لولا أنه بدأ بالذوبان..
تعديل
أخشاب متعفنة تصرخ تحت وطأة رجل يرتقيها، لكنه كان يتجاهلها معتقدًا أن السلم سيحمله إلى القمة مهما كان حاله. في كل درجة، كان يتخلى عن جزء من نفسه، كان يرى في عيون ضحاياه بريقًا خافتًا، لم يبالِ به. في تلك الليلة، انهار السلم. وجد نفسه وحيدًا، محاطًا بوجوه كانت يومًا مرآة تعكس وجهه الحقيقي..
ضربة
تأملت الخاتم على إصبعها. أضاءت هاتفه رسائل وردية؛ فشمت حريقًا... نزعت الخاتم وأنقذت قلبها من الاحتراق.
ساعات ملتهبة
وضع الساعات في كل زاوية من منزله. كل ساعة كانت تذكره بلحظة ماضية؛ تلك اللحظات كانت تتقلب باستمرار، وكأنها ليست لحظات بل ظلال لذكريات منسية. ولحظة سأل نفسه: "هل تعيش الساعات أو تموت؟"، انفجرت، فجأة، في وجهه؛ ليكتشف أنه كان يقتل وقتًا ما كان بحوزته أبدًا.
العذراء
أكره الليل وظلمته بشدة؛ لأنه يذكرني بصرختيها الأليمتين: صرختها حين تسللتُ إلى مخدعها وقلت لها: جئتكِ لأهبكِ طفلًا. وصرختها المزلزلة حين أنجبته... نما بسرعة، وصار وحشًا يلتهم أحلام المدينة. سأختبئ وسط الحكاية.
فسيلة
استسلمت لليأس، واستلقت على فراشه الوثير تستعيد محطاتها المجهضة، والليل دامس، والأبواب مغلقة بإحكام. وحدها الشمس تمكنت من التسلل من خصاص النافذة، رسمت لها بأشعة الغروب فارسها البعيد، زرع في نفسها سنابل منفلتة، ثم غفا على فراشها مستعيدًا أحلامه الصيفية.
حيرة
غاظها التجاهل، وأثقل خطوها الصمت، فقررت خوض تجربة جديدة، تبرهن لنفسها التي كاد منسوب ثقتها يتبخر أنها موجودة، شرعت في نزع ملابسها قطعة قطعة، وكل مرة كانت النتيجة نفسها: لا أحد انتبه أو اهتم أو نبس ببنت شفة..حتى حين خرجت عارية، تساءلت مع نفسها بحيرة: هل أنا من اختفت أم العالم هو الذي أغمض عينيه؟ ظل السؤال معلقًا، صار أنشوطة..
دفاتر تعاند النار
كنا ننسج الريح بأصابع صغيرة، ونُطلق أحلامنا طائراتٍ من ورق، تصعد بخفة الغيم، ثم تهبط لتسكن قلوبنا الندية. حتى جاء الكبار، واستعاروا السماء، صبغوا الحلم بالحديد، وصار التحليق قصفًا. فانسحبنا إلى دفاتر الطفولة..
هامش على مخطوطة مجهولة
عُثر في أحد الأدراج المهجورة لمكتبة عتيقة على قصاصة ورق بلا توقيع، كُتبت بحبر باهت يكاد يُمحى، ولا يُعرف إن كانت قصة قصيرة، أو تذكّرًا مبكرًا، أو تقليدًا غريبًا لطريقة بورخيس في تقليد نفسه. نصّ القصاصة: في غرفة معزولة، وعلى ضوء شمعة تتنفس كأنها تحتضر، جلس شابٌ إلى مكتب خشبي قديم. أمامه كومة أوراق بيضاء، وأمام البياض، عجزٌ لا اسم له. عصر ذهنه، فتدفق الصمت. نهض، واقترب من نافذته الوحيدة. في الجهة المقابلة، خلف نافذة تشبه نافذته، جلس شيخ يُقلب أوراقًا مسوّدة كُتبت بخطٍ يشبه خطه. يقرأ، يهز رأسه، يمزّقها مبتسمًا، وينثرها كما ينثر التائب ذنوبه. عاد الشاب إلى مكتبه، فوجد الأوراق تختفي واحدة تلو أخرى، تخرج من النافذة.. ورأى الشيخ يبتسم له من الضفة المقابلة، أو من الضفة القادمة.
ملاحظة بخط مختلف على هامش القصاصة: ربما لم تكن هناك نافذتان. ربما لم يكن هناك سوى مرآة، وزمن ينحني على نفسه كتجعيدة ورقة قديمة. أو ربما، وهذا الأرجح، لم تكن هناك قصة أصلًا.
**
تقاطعات
**
يجلس في باحة المقهى الخارجية كإله منسي، ينظر بفرح عارم إلى حركة الناس وحركة الحروف على صفحاته تتشكل على مهل قصة مكتملة البناء، يرفع راسه ليتابع سيارة إسعاف تحمل امرأة إلى مستشفى الولادة حيث تضع مولودها، يعود ببصره إلى القصة ليجد نقطة حمراء في نهايتها فيفغر فاه. تهب ريح لعوب فتتشتت الأوراق شذر مذر. يغيب الناس، تغيب المقهى، ويبقى وحيدا في طريق موحش كإله منسي يحمل طفلا حديث الولادة، لا يستطيع حمله لثقله فيتركه ينزلق لتحضنه أوراق بيضاء، يعود الناس إلى الشارع، ويعود المقهى إلى مكانه، وتعود سيارة الإسعاف إلى المنزل حاملة بشرى غلام. ويعود الرجل إلى أوراقه معتقدا أن كل شيء كان مجرد حلم راود رأس قاص وحيد. في عزلته كإله منسي.
**
افتراس
**
همس لي الأسد بنص مفترس...
تشدني الوسادة النائمة إلى أوتار الحلم: ها أنا في عمق الغابة محاطا بالغزلان. أطفئ لهيب جوعي بماء العدل؛ : لا ظلم اليوم.!
انهض متثاقلا وقد فقدت أطرافي...
**
إرواء.
**
نظرت إلي بعيون وقحة، وقالت لي:
هل هذه الحفرة تناسب ابننا؟
تزلزلت، نفرت الدموع.. حملت يدي إلى جهة اليسار من صدري، كان يخفق، فسكنت.
ساد بيننا صمت كالجبال.
**
كافيين
**
قالوا ونظروا إليّ ساخرين:
لم لم تشرق شمس اليوم؟
قلت متهكما:
مازالت في سريري
نائمة!
**
فك منشار
كانت ذات جمال أخاذ...
جذبت قلبي إليها..
ولما أوشك أن يلتصق بها.
قفز كلبها الوفي وأعمل فيه أسنانه.
صارت جروحي سجل ألم.
**
ولاء
كان مزارا، سكن الفقراء قلبه، فأطعمهم من روحه، وأوصاهم بالحب.
غضب الوالي حين خرج فلم يجد في استقباله الحشود التي عودها على التحية.
أرسل رسائل تهنئة للولي مرفوقة بصك مفتوح، ودعاه إلى إطلاق سراح أتباعه ليكون لخروجه معنى.
ترك الناس قلوبهم لدى الولي، وخرجوا لاستقبال الوالي.
**
تزامن
في الوقت الذي اخترقت فيه الرصاصة صدر الجندي المرابط على الحدود، أنجبت زوجته، في الجهة البعيدة عن العين، والقريبة من القلب، طفلا ملأ صراخه المكان، شعر بأنه يكبر بسرعة، ولما صار شابا، حمّل بندقية واقتيد إلى الحدود لحراستها، بعين حذرة كان يتجنب الرصاص المجنون، ونسي اليد التي تقف خلف الزناد...
**
هوائي
قال: المجد للحب، وسار إلى الحرب بكل عزم وصلابة لتحرير القلوب من غلها...
أرهقته طواحين الهواء!
يستسلم..
يحارب..
أراه من شرفتي ما زال في عنفوان رغبته.
**
يا نصيب
**
طوال حياتي وأنا أطارد حلما.. تبين لي وأنا أحتضر أنه لم يكن سوى وهم..
الحياة نصيب، أوراقها الرابحة ليست من نصيبي.
**
روح
**
أدركت بحدسها أنني أتابعها خلسة من نافذتي المظلمة، ضحكت في سرها وهي تنزع ملابسها، في لحظة، اشتعلت كل أضوائها فذهب بصري.
**
شرحبيل
ران على القاعة صمت رهيب حين كانت تلقي على أسماع الحضور قصيدتها العذراء، وحدها نبضات القلوب كانت ترسم في السماء قصة حب عذرية.
لما فرغت، ألقت بقبلة في الهواء، فتخطفتها الأيادي...
تركت القوم في معتركهم، وحملتها إلى سرير بوركست أقيس طولها وقصرها ببراعة الحواة.
**
سحابة صيف{عنوان مؤقت}
**
انطلق السهم المبارك من اليدين الكريمتين ليخترق الصدر ويستقر في قلب الدائرة مدونا العلاقة الصاخبة بين السيد والرعية. تحرك الشاب في الوقت غير المناسب لجمع السهام الطائشة كان السبب. تم إغلاق الملف نهائيا. إحدى الجرائد أشارت إلى تعمد تصفية الشاب المعارض بشراسة. أغلقت الملف. لافتح ملفا جديدا عن رصاصة طائشة اخترقت صدر شاب جامح.. اصابتني حيرة البحث.. قبل أن تأتيني أوامر عليا بإغلاق المف وتقييد الجريمة ضد مجهول. تعثرت يدي وهي تكتب. جريمة من مبني للمعلوم..
واستقلت.
**
أسما ك
**
انطلق السهم يخترق الفضاء: يعلو ويعلو..
ثم،
في لحظة،
وبعيني صقر، بدأ في الهبوط خارج ميدان التباري،
ليخترق قلب متفرجة، كانت تتابع بوله فارسها وهو يرجع إلى الوراء قبل أن ينطلق مسرعا إلى الأمام، وبكل قوة وعزيمة وإصرار، يطلق السهم...
لتطلق، هي، شهقتها العميقة..
تتحول الشهقة خاتمين مرصعين بالحب، ينسجان حبل ود لم ينقطع أبدا، رغم كر السنين.
**
دراما الفرصة الأخيرة.
**
أمام حاوية للأزبال، متشرد وكلب، كل منهما يدفن رأسه بداخلها..
يوضع طعام بالقرب منهما، يلتفت المتشرد ويلتهم الصحن، يلتفت الكلب ثم يعود إلى النبش من جديد.
**
شلل
تسلل إلى نومي بخفة لص ظريف، قلب دولابي إلى أن عثر على كتاب أحلامي، صار يقلب صفحاته بلذة غريبة وأنا أتابعه مشلول الحركة.. بدأ يمزقه بعنف..ثم أطلق ضحكة هستيرية أيقظتني فزعا، نظرت من حولي بذهول فوجدت صفحات بيضاء متناثرة في الأرض، ولمحت ظلا يتسرب خارجا من الباب، أردت ملاحقته فأعاقتني الحروف النازفة.
**
رسالة فوق الماء.
******
ماذا نفعل، يا أبي! إن قامت حرب نووية؟
لاشيء؛ رد الأب؛ بكل ثقة ومد يده إلى الطعام ؛ ودعاني أن امد يدي مثله..
ثم أردف: نحن فوق شبهة الحياة!
وتابع مضغ الموت.
**
ولاء
**
شعر بألم مضاعف وهو يرى الحرائق تشتعل في مختلف ربوع الوطن. تذكر حقل أحلامه وقد صار رمادا...
هب خفيفا يسابق المتطوعين...
صير فاه كيرا.
**
نباحي...
لم يتوقف عن النباح بالرغم من أني رميت له بعظمة طرية لرجل قتل قبل قليل!
لم يتوقف عن النباح حتى خفت على حنجرته أن تنفجر!
بقيت أتابع نباحه بقلب مجروح إلى أن قدمت الشرطة، فحررتني منه.
**
كرامة
وهو ذاهب لزيارة أمه طريحة الفراش، شاهد قطة عجفاء تموء بوهن من وطأة الجوع، رق لحالها، فانحنى يمسد ظهرها.. شعرت بدفء يسري في جسدها، فتقوست، وبدأت تتمسح به. أطعمها وسقاها، ثم تابع طريقه مطمئنا أنها لن تموء من الجوع نهائيا.
**
البومة العرجاء
التصفيق الذي تلا إلقاء القصيدة كان مثل ريح صرصر عاتية، أطارت أوراق الشاعرة ولباسها، صارت عارية كفينوس تخلب الألباب.
منحتها تبانا، وأخفيتها في أعماق مائي.
**
إشراقة:
كنت أفكر في الهدية التي سأقدمها للزعيم.. أمثل بين يديه وأنا أتابع (باندهاش) الجموع الغفيرة التي امتلأت بهم الساحة ؛ كانوا يحملون شتى الهدايا...
قلت لنفسي:
- "لابد أن تكون مميزة ؛ لم يسبقني إليها أحد"
كانوا ينظرون إلى (باستغراب) وأنا خالي الأحمال... لما حان دوري، انحنيت مؤديا فروض الطاعة، وفي تلك اللحظة أشرقت الفكرة في ذهني ؛ حملت رأسي له هدية، وخرجت خفيف ظل.
**
إطار
**
بعد أن أجرى، البارحة، عملية جراحية دقيقة ناجحة، لم يعد يشعر، كما في الماضي، أنه مكبل، وأنه يرزح تحت أثقال قاصمة..
فقد أخرج الطبيب من دماغه جثثا متعفنة..
صار اليوم قادرا على التحليق بحرية...
**
عشق جانح
غضب الطبل من كثرة الضرب على خديه الأسيلين؛ فانفجر..
مذاك، والطبال في حالة عطالة مزمنة..
**
حفل شواء
**
سقط قلبي بين يدي بعد أن اخترقته رصاصة غادرة، كان ينزف بغزارة..
خلفي جموع غاضبة في عيونها شزر كما بندقية موجهة بحقد كثيف..
أمامي الحاكم يجلس على كرسيه بكل عنفوان.. ينهض بتؤدة، يسير على دمي وقد صار بساطا أحمر، باتجاه الجموع التي هتفت باسمه لما رأت طلته البهية..
حياها بحرارة، وبحركة مدروسة ألقى بجثتي...
فتصاعد لهيب التصفيق.
**
زيف
**
في أعماق الصحراء، حيث تتلاشى حدود الزمان والمكان، يعيش رجل عجوز ذو قوى سحرية غريبة يقرأ يوميا في كتاب عتيق، يفتح بيته لكل من يمر به، يشاركه الطعام والشراب، كلما قدم شيئا للآخرين، زادت قوته وسحره حتى صار عملاقا يحلم ببسط نفوذه على العالم، يحقق به وعد الرب.. بيد أن الأرضة كانت قد أكلت الكثير من الحروف..
**
صفحة بيضاء
كان يكتب روايته الأخيرة، حكاية عشق خالدة. وصل إلى الصفحة الأخيرة، فجأة توقف القلم عن الحركة، وكأن الحبر قد نفد من الروح. نظر إلى الصفحة البيضاء، فوجدها تعكس وجهه الشاحب. ابتسم راضيا، وأغمض عينيه إلى الأبد..
**
موت المؤلف
**
كان يقود سيارته بسرعة سلحفاة، يتأمل الناس والحجارة..
جاءته مكالمة صاعقة.. بلا وعي ضغط على دواسة البنزين بكل قوة، فانطلقت السيارة بسرعة أرنب مجنون.. إلى أن دهست الكاتب فانهار معمار الحكاية..
كنت من الناس الذين كانوا يجمعون شظاياها..
آه! كم كانت جارحة..
**
فراء
بين الكلاب كنت أسير؛ أنا الرأس والقائد الملهم؛ كلما رأيت إنسانا أشبعته نباحا إلى أن تسقط أقنعته.
فخير الرفقة الأوفياء. .
★★★
إفحام
وقبل أن ينطق بسؤاله..
التفت حوله الأجوبة كالزنابير..
فتورم دماغه.
★★★
كارطون
كنت منبهرا بأبطال السينما، كنت أراهم خارقين، يأتون بالمعجزات..
إلى أن صحح لي السنوار النظر.
★★★
تشوير
وأنت تسير مرتابا، حذرا من كل شي,
تأكد من أن الحفرة خالية من نية القتلة.
★★★
افتتان
لم ترفض دور الإغراء هي الممثلة المشهود لها بالبراعة، رغم القيمة المالية الكبيرة التي عرضت عليها..
لم ترفض الدور لعفة تتميز بها..
تتذكر أنها لما كانت صبية، أرادت اجتياز بركة فرفعت تنورتها، توا غطت سيقانها هوام سوداء كالأعين الهاربة سرعان ما تحولت شبحا بألف يد يسعى إلى شلح ثيابها.. صرخت من هول الحدث المفاجئ، وعدت إلى منزلها تنفض عنها ما ألم بها.. وتتطهر..
من يومها، أقسمت، إذا صارت ممثلة، وكانت تهوى هذا الفن، أنها لن تعرض جسدها الفاتن إلا أمام مرآتها...
★★★
غضب
غاظني أن رأيته يرقص فوق تراب بيته فرحا، في لحظة رأيت أشلاءه تطير لتستقر في قلبي تنبت قرحا.
أعدت تشكيلها فصار صقرا من نار صير حياتي أرقا.
**
تمزيق
**
سهام كثيرة، وسيوف جريحة من عينيها يقطر حقد..
أيد ملطخة بالعار، أيد منقوعة في الشحناء..
جثتي ملقاة على قارعة الخيانة..
قلبي كان بشساعة وطن.. صار يضيق ويضيق إلى أن صار في حجم عبوة..
انفجرت في وجوه كالرمضاء..
أمست شظايا..
**
ومما تشتهون
:استيقظت من نومي عابسا رأيتني فيه دودة تلتهم بمتعة لحم سلطان طري حديث الدفن؛ في الوقت نفسه سمعت في نشرة الأخبار عن إحباط محاولة انقلاب؛ وأن قواة خاصة انشئت لمصادرة الأحلام.
**
متاهة الأحلام
..
استيقظت أتصبب عرقًا. حلمت أنني كافكا، أصبح حلزونًا في قوقعة، يحلم بالهرب من أحلام الحياة.
**
جراح
**
في عز خطابه الحماسي تم قطع الإرسال ليظهر ماشيا على أربع بوجه يقطر دما، ويركبه العدو، يمسك بلجامه ويقوده إلى حيث يريد ..
استنفرت الأجهزة للبحث عن الفاعل/الفاعلين، وكل من ثبت باسما اقتيد للاستنطاق..
فيما كان الخطيب يبحث عن عطار بارع.
**
انكسارات
**
في عيد ميلادي، تهيأت جيدا للاحتفال..
نظرت إلي" في المرآة الصقيلة للقيام بآخر التعديلات..
لم تعجبني صورتي.. كسرتها فتهشمتٌ..
كانت الشظايا بعدد سنين عمري.
**
بضاعة مزجاة
في صباح يوم جديد، قذفت الطائر فحلق نحو اليمين، فأحسست بشيء من الخير قادم. عدت إلى منزلي في نهاية اليوم، مبتسمًا ومنشرح الصدر. في صباح الغد، قذفته مرة أخرى، لكنه حلق هذه المرة نحو اليسار، فشعرت بغمّ يخيّم على قلبي. ومع ذلك، عدت إلى منزلي وكلي أمل في الغد.
عندما انتهى الأسبوع، قررت أن أمسِك بالطائر .وأرافقه إلى السوق، ليشتريه مني الشؤم
**
مونطاج
**
في الوقت الذي كان فيه أخي التوأم يدافع عن الثغور ببسالة قل نظيرها رغم ظروف الطقس الصعبة، وقلة الطعام، كنت أحرس بشراسة مرقصا ليليلا لا يرتاده إلا أبناء الذوات..
اليوم، ها أخي من دون أطراف يجلس قرب براكته المتكئة على عصويه يحرسها من حما الأحلام، وأنا أقعي قرب باب فيلا أحد كبار البلاد أنبح في وجه حما الأوهام.
**
شمع
..
وضعوا السيف بيمينه وقالوا له: أنت بطل!
نظر باندهاش إلى الجثث التي تحيط به؛ وإلى سيفه يقطر انتقاما..
كاد أن يصدق لولا أنه بدأ بالذوبان..
**
تعديل
**
أخشاب متعفنة تصرخ تحت وطأة رجل ترتقيها، لكنه كان يتجاهلها معتقدا أن السلم سيحمله إلى القمة مهما كان حاله. في كل درجة، كان يتخلى عن جزء من نفسه، كان يرى في عيون ضحاياه بريقا خافتا، لم يبال به. في تلك الليلة، انهار السلم. وجد نفسه وحيدا، محاطا بوجوه كانت يوما مرآة تعكس وجهه الحقيقي..
**
**ضربة:
..
تأملت الخاتم على أصبعها. أضاءت هاتفه رسائل وردية؛ فشمت حريقا... نزعت الخاتم وأنقذت قلبها من الاحتراق.***
**
ساعات ملتهبة
**
وضع الساعات في كل زاوية من منزله. كل ساعة كانت تذكره بلحظة ماضية؛ تلك اللحظات كانت تتقلب باستمرار، وكأنها ليست لحظات بل ظلال لذكريات منسية. ولحظة سأل نفسه: "هل تعيش الساعات أو تموت؟"، انفجرت، فجأة، في وجهه؛ ليكتشف أنه كان يقتل وقتا ما كان بحوزته أبدا.
**
..ونصب
**
بعد جهد جهيد، بلغ قمة الجبل، شعر بفرح عارم فانتفخ..
في اللحظة التي كاد أن يفتح فاه فيها، هبت ريح سموم فطوحت به بعيدا..
لحد الساعة، لم يتم العثور عليه..
من تمكن، فله جائزة عبارة عن قصة قصيرة جدا بحجم جبل..
**
ذاك ظلي وتلك أنفاسها الفانية
....
وقف في أقصى الحقل، يراقب الشمس تغرب. في اللحظة التي امتلأ فيها الأفق بالظلال، شعر بشيء غريب: كانت الأرض تسحب شيئًا ما من داخله. كان الظل يلتهمه ببطء، لم يهرب... ظل واقفا؛ كصنم ، إلى أن اختفى تمامًا، ليكتشف أن الظل كان ظل الأرض نفسها، وكان هو مجرد انعكاس لتلك الأرض التي تستهلك ذاتها.
**
آلمني منظر الأرض المتشققة، والسماء الجافة. رسمت مطرًا غزيرًا، فاختلطت قطراته بالتراب، وعادت الينابيع إلى حياتها، وامتلأت الآبار.
لكن في لحظة، حملت السيول منزلي، وبدأت أغرق. قاومت بكل ما أملك، لكن دون جدوى. وقبل أن أختنق، وفي آخر لحظة، رفعت يدي حاملاً قصتي، راجيًا لها النجاة. حينها، رأيت حمامة تحملها بعيدًا، إلى أرض جديدة.
**
أنفاق..
...
نفق الوعي
دخل الرجل إلى النفق، محملًا بمشاعر القلق والتوتر. بدت جدرانه المظلمة كأنها تحمل أسرار العالم. كلما تقدم، أدرك أن النفق لا نهاية له، وأنه لا يهرب من شيء، بل يهرب نحو المجهول الذي يسكن داخله. عندما وصل إلى "نهاية" النفق، وجد نفسه في البداية نفسها،. فهم حينها سر الحكمة..
**
خفوت
في مرآة الحمام الباهتة، أرى عينين غريبتين تتألقان كجوهرتين سوداوين. عينان لا تعكسان صورة وجهي، بل تعكسان أعماقًا لا أستطيع فهمها. أشعر بقشعريرة تجري في عروقي، وكأنني أقف على حافة هاوية. أمد يدي لألمس انعكاسي، لكن يدي تمر عبر الصورة، لتمسك بفراغي.
**
نار خابية
**
انفطر قلبي وأنا أراه ينكل بهم تنكيلا..
وماذا فعلت لإيقاف التعذيب؟
نظرت إلى الجهة المعاكسة محوقلا، وشغلت أضعف الإيمان.
هذا التقديم من انجاز الذكاء الاصطناعي