قراءة فتحي مهذب

قراءة إستثنائية لنصي " نهاية الزمان" من الشاعر التونسي القدير
#فتحي_مهذب

*ليس بالضرورة أن تكون قراءة المتلقي مطابقة ومتشاكلة مع اعتلاجات واختلاجات واعتمالات الشاعر قد نرى ما لايرى في مهب النص المفتوح على الهاوية.
منذ البداءة يهيل الشاعر التراب على كينونة الزمن الممتدة عميقا في بنية مجردة زئقية.
إنه تابوت الزمن مرفوع على أصابع النهاية المرعبة .
نهاية الزمان بمعنى موت الجوهر . غرق سفينة نوح في محيط اللامعنى. غياب الأشياء الأثيرة. الجواهر اللطيفة المحاميل الرمزية التي إستلها واشتقها الإنسان من معدن العدم لتنهض على أساساتها مفاهيمه وتصوراته .
تقفز العين المجردة من غصن إلى غصن مثل صقر الأساطير القديمة ليقاسم الشاعر بحميمية وصميمية متشففة التحديق في جبله الحبيب.
الذي بالجوار متحديا غوائل الصيرورة وتبدل الأحوال وصروف الدهر. الجبل الذي تصله علقة صداقة أثيرة بالشاعر بقطيع أعماقه الأليفة. بجوانيته الخالصة والخالية من أوضار الثابت وهشاشة المتحول.
الجبل المحاط بماهيات تليدة وضاربة في جذور القدامة.
سبعة شموس سوداء ستجلب الظلمة الأزلية. هكذا يخلع الشاعر من روحه الحزينة المنكسرة الضريرة سجفا صفيقة على ظواهر الطبيعة الآزلة الآبدة . الشموس هنا فقدت دلالتها المركزية إشعاعاتها البادهة لتتحول إلى عتمة كثيفة.
العالم ينفعل بعالم الشاعر الداخلي.
عالمه منطفئ من ثمة تتأثر العناصر الموضوعية حتما بهذا المناخ الموغل في القتامة والسوداوية.
حيث السكون يخيم على كل شيء .
والشاعر ينثال فعل التذكر معلولا بالعدم قبل التكينن.
شاعر غير راض بهذا الحشد الحقائق السارية والصارمة.
غير راض بشرطه الإنساني الموصول بالضيق والشدة والقصور ولاشيئية الأشياء.
الشاعر كائن متجاوز بطبعه لا يستكين لطوطم اللحظة الآنية بل ينهد لكسر العوائق التي تشده إلى عتبة التصورات الضيقة والقوالب الجاهزة والركض في حلقة مفرغة.
إنه كائن ماكر خلاق قلق لا يني يستأصل شأفة البدهي والمتواضع عليه قصد إقامة مفرداته المتحررة والمعجونة بالنار والقوة والتحدي.
لا تنس أيها المتلقي أن الدكتور يوسف حنا متشبع بأنساغ التجارب الشعرية الإنسانية العميقة لذلك تكتسي نصوصه الرائعة ميسما كونيا يستأهل التفكيك من الداخل بإواليات ما بعد حداثية. Fathi Mhadhbi
.
.
ـــ نهـــايـــــــةُ الـــزمــــــــــان ـــ
.
.
في الجوار يقفُ جَبَلي، الجبلُ الحبيبُ

مُحاطاً بالأَشياءِ القديمةِ

المُغطاةِ بالعظامِ والعضلاتِ

من أَيامِ الخلقِ.

في المساءِ، سبعةُ شموسٍ سوداءُ

ستجلبُ الظُلمةَ الأَزليَّةَ،

كان يتوجَّبُ عليَّ أَن أَكونَ راضِياً.

يسودُ سُكونٌ بما يكفي، على شكلِ دائرةٍ

تجمعُ كلَّ أقبِيَةِ السماءِ معاً.

لكنّي أَتذكرُ الفترةَ، فيها لم أَكُنْ موجوداً بعد،

كأنها طفولةٌ سحيقة،

كم آسفُ لأَني لمْ أَبقَ

في بلادٍ مجهولةٍ، دون اسم.

ومرةً أُخرى أَقولُ في نفسي:

لا ضوضاءَ للنجومِ في السماء.

نعم..

كان يتوجَّبُ عليَّ أَن أَكونَ راضِياً.
.
.
يوسف حنا

اللوحة بعنوان "ما بعد الطوفان" للفنان الروسي إيفان إيفانوفسكي
سان بيترسبورغ - 1864

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى