** عن قصة: ((خيرو والجهات الأربع)).. سامي الحاج حسين

سردية خطيرة،بسيطة التركيب،معقدة المرامي،هي نوع من السرد النفسي الاجتماعي الخلقي والسياسي، استطاع الكاتب من خلاله أن يسلط الأضواء ناصعة على فظائع السلطة وإجرامها وإحكامها المطبق والمستبد بالشعب البريء،وأن يشير إلى مجتمع متخلف مفتت البنى،مهدد بانهيار أخلاقه وتحضره ولايحكمه المنطق السليم، هذه القصة السردية تفصح عن سلطة رهيبة مهيمنة على أفراد المجتمع،فتخون فيه المبادئ الإنسانية، وتهدر كرامة المواطن، وتعمل على تخريب الوطن،سلطة قوامها البطش بالناس،وكيل الاتهامات لهم بدون أدنى دليل، وتوحي بأن نهجها يتجلى بأساليب مخابراتية قمعية تعمل بدأب على التوقيف السياسي العرفي الأبرياء والصالحين.
فالكاتب هنا يفضح السلطة من خلال مكاشفة نفسية لبطل القصة،وتلخص قصة مريض ناقم متمرد، سيكوباتي التكوين، يهدد بنواياه وسلوكه الضال أرقى قيم المجتمع العربي الإسلامي ويعمل على تحديها ؛ محتمياً في ظل سلطة الإجرام المستفحلة،حيث يجد في السلطة ملاذه الآمن عبر عبثه بالناس والإخبار عن الأسوياء والشرفاء وماهذا البطل إلا نموذج عن أفراد وصوليين يربطون أنفسهم بالنظام الأمني المتشدد الأجوف وغير القادر على الإقناع،فيحمونه ويحميهم، وهذا النظام الديكتاتوري المستبد يعمل على استقطاب شبكة من المجرمين والانتهازيين المرضى والشاذين والمنحرفين ليقوم بتوظيفهم برواتب مغرية كمخبِرين له،ضماناً لاستمرار نفوذه،وإن تم ذلك على حساب التخريب المتواصل للمجتمع، أوتم تدمير قيمه النبيلة، حيث يعتمد هذا النظام سياسة نشر الفساد بشكل مبرمج ومقصود.
فالسجن في البلاد مثلاٍ لا يهدف إلى ردع الإجرام والإصلاح،بقدر مايهدف إلى استفحال الإجرام في صفوف المجتمع لخدمة نفسه، وإلى استغلال الاستعدادات العدوانية الشريرة لدى الناس المحبطين والفاشلين،وتحويلهم إلى أدوات استخباراتية مطواعيين وأنذال،لتتمادى هذه السلطة الجبانة في طغيانها، ولتتمكن من التوغل في ظلمها وعدوانها وقمعها للشعب كعصابة مافوية لاحسيب لها ولارقيب عليها،ولتُحكمَ الخناق على المجتمع الآمن، وتستغل خيرات البلاد أفظع استغلال، فتعمد على تفشي الفساد الأخلاقي بدلا من الإصلاح الاجتماعي، وتطيح بحقوق الأفراد وتنتهك مفهوم العدالة عوضاً عن سيادة القانون، فتساند أصحاب العلل النفسية، وتزرع الآفات الاجتماعية،وتفتك بالناس الشرفاء،وتعزز النزعات الانتقامية الشرسة وتغذي النزاعات القبلية والمذهبية،حيث لايهمها إلا أن تحظى بالتأييد الأعمى والطاعة والانقياد من قبل شعب خانعِ لها وخائف كالقطيع الذي يخشى أن تفترسه الذئاب .
لقد عرض المؤلف بفنية عالية؛ وبمقاطع حارة ومدهشة وجذابة؛ جملة من الأحداث الاجتماعية المنعكسة على النفسية المتأزمة لفردٍ غير متوازن ولامبالٍ ومستهتر، وعاجز عن التكيف الاجتماعي،وعلى الرغم من أن هذه الأحداث بدت عادية وواقعية،لكن الكاتب قد لعب بفنية غير معهودة من خلال استعراضه لمونولوج داخلي لشخص يسترسل في أفكاره الحاقدة والناقمة على مجتمعه كبطل وحيد للقصة، فكانت شخصية مريضة تدين نفسها بنفسها،وتعلن اضطرابها بوضوح،ومن خلالها كان طعن الكاتب صريحا بوطنية السلطة الحاكمة وساخراً بهيبتها،بينما كان يشيد بأخلاقية المجتمع وينذر بتفككها وعدم تماسكها حيث يراها مهددة بالانهيار في ظل نظام سلطوي مرعب فاقد للأمان .
دمت الكاتب اللماح والمبدع في رؤاك العميقة وأسلوبك الجذاب شقيقي الغالي مصطفى الحاج حسين الأديب البهي والمميز.*

سامي الحاج حسين.
حلب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى