معاذ أبوالقاسم - المجد للموت

الناظر إلى المشهد الحالي سوف يُصاب بحالة من عدم الفهم والتبلد، سوف يُصاب بالبلاهة لما يراه على مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى على أرض الواقع، فجميع الأماكن الآن أصبحت تطفح بالتصفيق للدماء والموت. يُمحى الإنسان عن وجه البسيطة كأنه لم يكن أبداً، يُشطب دون أن يلتفتْ إليه أحد، بل الأدهى من كل ذلك أنك سوف تجد من يُشجع ويهتف لهذا الموت. نحنُ الآن وصلنا المرحلة الأخيرة في الحضيض وصِرنا نشجع القتل، نهتف، ونُصاب بالنشوة عندما نرى الدماء تُراق وتملأ تُراب الوطن؟ هل يصح أن نطلق عليه وطن؟ لا أعلم.

هذا المشهد الماثل أمامي يُذكرني بمسلسل مثل: Spartacus الذي يحكي عن عصر العبودية في الجمهورية الرومانية، وكيف أن الحكومة أنشأت حلبة -يدخلها آلاف المواطنين للفُرجة- ليتقاتل فيها العبيد حتى الموت. هذا القتل والموت كان جزءاً أصيلاً من حياة المُجتمع، بل ربما يكون التسلية الوحيدة التي تجعل الشعب فرحاً، وكلما نزف الإنسان وامتلأت أرض الحلبة بالدماء -وأشلاء المُتقاتلين- يُصاب الجمهور بالنشوة، ويزداد صخبه المُعبِّر عن الفرحة والسعادة.

ألا نعيش نفس تلك المرحلة؟ ألم نفتح صحيفة تلك المرحلة من التاريخ ونسقطها على واقعنا الآن؟ ألم نفرح ونصرخ عندما نرى أشلاء الجُثث المُحترقة مثلما كانوا يفعلون؟ وبدل أن تكون لدينا حلبة واحدة يتجمع فيها الشعب ويهتف لمن يفوز، أصبح لدى كل واحد منا حلبة يحملها داخل جيبه وفي يده، هاتف من خلاله يستطيع الفرد مُشاهدة الدمار والدماء ثم يهتف فرحاً، ويملأ "التايم لاين" بالضجيج.

ما زلتُ أذكر جيداً رد أحد الأصدقاء عندما طلبتُ منه -في إحدى الصباحات- ألا يتوقف عند فيديوهات القتل والدمار، قال: إذا لم أبدأ صباحي برؤية الدماء والجُثث المُتفحمة، لن أكون بخير.

أي لعنة هذه التي أصابت قلوبنا قبل عقولنا؟

في التاريخ السحيق الذي أشرت إليه، كانت الجمهورية تستخدم هذه الحلبات لكي تلهي الشعب عما يحدث في الدولة، ولكي تداري فساد قادتها والمجون الذي يعيشون فيه. وفي عصرنا الحالي، فإن حربنا الدائرة الآن تستخدمها السُلطة لغرض واحد، أن تصرف أنظار الشعب عن النهب المُمنهج الذي يحدث في كل أروقة الدولة. إن الدولة الآن تُقدم لنا مشاهد متواصلة على حلبة المصارعة، تفعل ذلك لكي ترضي الجمهور المُتلهف لمشاهد الدمار والجُثث.

حقاً، أي لعنة هذه التي أصابتنا؟

ألهذا المستوى انحدرت الإنسانية في قلوبنا؟ ألهذا المستوى وصلت نظرتنا للإنسان؛ مثله مثل أي حشرة، يُسحق ويلفظ أنفاسه أمام أعيننا، فننتشي، ونهتف بكل ما أوتينا من حبال صوتية لمن يقتل أكثر.

لما شاهدتُ المُسلسل كنتُ أتساءل: هل يُمكن للإنسان أن يكون بهذا الشكل الحيواني؟ كيف لعاقل أن يفرح للقتل، ولا يرف له أي جفن وهو يرى إنساناً آخر يُقتل أمامه؟ هل يُعقل أن يصل لمثل هذه المراحل المنحدرة؟ ...

الآن، بعدما اندلعت حربنا المأساوية هذه، رأيتُ بأم عينيّ كيف يهوي البشري إلى الأسفل لاهثاً خلف حيوانيته. لقد رأيتُ بأم عينيّ كيف يتحول البشري إلى كائن آخر لا قلب له ولا روح. لقد رأيتُ بأم عينيّ كيف تسقط الأقنعة الإنسانية وينكشف البشري على حقيقته: حيوان يفترس الضعيف، ولا ينتشي أو يفرح إلا عندما تُسفك الدماء. حيوان يهتف: المجد للموت، المجد للموت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى