حسين محمد خاطر - صدر كتابنا المشترك (ذاكرة تمطرُ سماءً) في الجمهورية العربية السورية عن دار كنعان للدراسات والنشر.

والكتاب مشروع عملنا عليه وقتًا طويلًا، أنا والقامة السورية الأستاذ سيف الدين الأتاسي، وتناولنا فيه تجاربنا في الاغتراب، وكيف يمكن للغربة أن تكون نجاةً وغرقًا في آنٍ واحد؟ "وتُطل علينا وجوهنا من صباحات المرايا ولا نكاد نعرف الوجوه التي غادرنا بها الأوطان" وكيف يأتي إلينا المساءُ قاسيًا يعجنُ في أرواحنا ظلال الذكرى، ويتركنا لليل نبكي وطنًا بعيدًا. وكتبنا كذلك عن الحنين، وتساءلنا: هل ما زالت بيوتنا تحلم بنا كلما حل الظلام، أم تناست البيوت كيفية الحلم، وظلت وحدها خائفةً تنتظر قدومنا؟ نسير في الطرقات الفارغة، منتشين بماء المطر، لا نسمع سوى صوت المياه المتدفقة من المزاريب، والتي وحدها تُدرك عطشنا. ثم فجأةً يقفز إلى أذهاننا ذاك السؤال القديم: لماذا كل هذا الحنين؟!

ومن خلال تلصُّصِ تلك الأيام البعيدة، كتبنا عن الحب، ذاك الشعور السحري العجائبي، وعدنا إلى المهد الأول، إلى رعشة الشوق وكيمياء البدايات ولهفتها. وفتحنا الأبواب على مصراعيها، ونحن ننهل من مركز الذاكرة، كتبنا عن المدن التي نحبها، وعن سعادة القلب والروح، وروائح الأزهار في خيال الحبيبات البعيدات، وعن أوطاننا التي تسكننا أكثر فأكثر مع كل لحظة تمضي من حياتنا. وتهاوت في تلك الأيام كل النجوم من السماء لروعة الحب، وهي تبحث معنا كذلك عن الخلاص في خشخشة خطواتها العالقة في ذاكرة المكان، مع ذلك، يخبرنا سيف: "تعلَّم أن تُخبرها كل شيء بعينيك، بخشوع صوتك حين تصمت، وبتلويحة أصابعك عند الغروب... حتى عندما تقول لها أحبك". وكتبنا كذلك عن الحياة ونضالنا ضد تعنتها، وتجاربنا إزاءها وانتصارنا في وجهها. وعن فداحة الحرب وويلاتها، والوجوه الهازئة، والأرواح الشاحبة، ودمعنا، وقهرنا، وقلة حيلتنا، وترقبنا الشديد للسلام والخلاص "صارت أهدابُ الباكين في بلادي من الرماد... يتساءلون: ألم يحن وقت السلم؟"

وهذا المشروع المشترك هو نتاج حوار فكري وإبداعي، ورحلة تشاركنا فيها الكثير في سعينا للبحث عن المعنى، والكتابة عن المشترك والمختلف بيننا. وهي تجربة مختلفة وجديدة، أعتز بها كثيرًا، لأنها تجمعني بصوت أدبي له حضوره وتميزه، وهي أيضًا إشارة لصداقة متينة بيننا، وإثبات بأن الفكر لا حدود له، وأنه كافرٌ بالزمن. وكانت أرواحنا تتلاقى في الكلمة، والمحبة، والإنسانية، والأدب، وكل الفوارق كانت ذائبة، وكانت دمشق والفاشر حاضرتين. (ذاكرة تمطرُ سماءً) إضافة حقيقية لكلينا، ونأمل أن تثري المكتبة الأدبية، والسورية والسودانية.
  • Like
التفاعلات: نقوس المهدي

تعليقات

أعلى